Thursday, 05 February 2026
اشترك

إيران وبرنامجها النووي: نفوذ إقليمي وتحديات دولية

تلعب إيران دورًا معقدًا ومحوريًّا  في منطقة الشرق الأوسط، حيث يجمع بين التأثير التاريخي والأبعاد الدينية والسياسية والإيديولوجية، التي تتفاعل بعمق مع الديناميكيات الإقليمية والدولية. فموقعها الجغرافي الاستراتيجي في قلب منطقة غنية بالنفط وموارد الطاقة، يضفي على سياستها الإقليمية ثقلًا خاصًّا، يجعل من تحركاتها محط اهتمام القوى العالمية. ولطالما تأثرت السياسة الإيرانية بتحولات تاريخية عميقة، بدءًا من إرث الإمبراطورية الفارسية إلى الثورة الإيرانية عام 1979، التي أضافت بُعدًا جديدًا يتمثل في تصدير الأيديولوجية الإسلامية الشيعية، ودعم القوى الحليفة في المنطقة.

تتمحور السياسة الخارجية الإيرانية حول تحقيق عدّة أهداف، أبرزها حماية النظام والأمن القومي الإيراني وفق تصورها، تعزيز النفوذ السياسي والعسكري، والتصدي للتواجد الغربي، وخاصة الأمريكي في الشرق الأوسط، وتنعكس هذه الأهداف في استراتيجياتها المختلفة في سوريا ولبنان والعراق واليمن، حيث تدعم إيران الجماعات المسلّحة الموالية لها، وتسعى لتحقيق توازن قوى يخدم مصالحها ويزيد من سيطرتها وتوسعها.

إنّ أهمية علاقات إيران بجيرانها الممتدّة من تركيا في الشمال الغربي إلى الدول العربية في الجنوب، تشكل جانبًا مركزيًّا من سياستها الإقليمية. وتتّسم هذه التفاعلات، بتفاعل معقد بين التعاون والمنافسة، وهو ما يترتب عليه عواقب كبيرة على استقرار المنطقة وأمنها. وكان انخراط إيران في علاقاتها مع جيرانها متقلبًا، حيث امتزجت الخطابات العدائية بالحوار والتموضع الاستراتيجي.

تاريخ الملف النووي

النشأة التاريخية للملف النووي الإيراني تعود إلى خمسينيات القرن العشرين، حين بدأت إيران استكشاف الطاقة النووية في إطار تعاون مع الولايات المتّحدة ضمن مبادرة “الذرة من أجل السلام”. كان هدف البرنامج حينها لأغراض سلمية مثل إنتاج الطاقة وتطوير القدرات العلمية، ووقعت إيران اتفاقية عام 1957 مع الولايات المتحدة، حصلت بموجبها على دعم تدريبي وتقني.

في عام 1967، قدمت الولايات المتّحدة لإيران مفاعلًا نوويًّا صغيرًا بقدرة 5 ميغا واط، والذي استخدم في الأبحاث بمركز الأبحاث النووية، في جامعة طهران في السبعينيات، ومع تزايد إيرادات النفط، أبدت إيران اهتمامًا أكبر بالطاقة النووية، وبدأت التخطيط لبناء محطات طاقة نووية، بالشراكة مع شركات أوروبية مثل “سيمنز” الألمانية، وكان الهدف منها، توفير مصدر طاقة بديل ودعم التنمية الصناعية.

إلّا أنّ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، أوقف التعاون الدولي،  حيث انسحبت الشركات الأجنبية من مشاريعها في إيران، ما أدى إلى توقف العمل في المنشآت النووية. لاحقًا، بدأت إيران خلال التسعينيات، بإحياء برنامجها النووي عبر توقيع اتفاقية مع روسيا، لاستكمال بناء محطة بوشهر النووية.

خلال الحرب الإيرانية-العراقية 1980-1988، كانت القدرات النووية الإيرانية محدودة، ولكنّ بعد انتهاء الحرب، بدأت إيران إعادة إحياء برنامجها النووي، بهدف تحقيق الاستقلال التكنولوجي، وتعزيز قدراتها في إنتاج الطاقة. ومع الوقت، بدأت الدول الغربية، بقيادة الولايات المتّحدة، التعبير عن قلقها من نوايا إيران النوويّة، خاصة بعد اكتشاف منشآت سريّة نوويّة في مدن مثل نطنز وأراك في أوائل العقد الأول من الألفية.

أدى القلق الدولي المتزايد حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني، إلى سلسلة من المفاوضات والعقوبات الدولية، حيث طالبت إيران ضمانات بعدم استخدامها في تصنيع الأسلحة النوويّة. في 2006 بدأت مفاوضات موسّعة بين إيران و (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا وألمانيا)، للتوصل إلى اتفاق حول برنامجها النووي. توِّجت هذه المفاوضات، بتوقيع خطّة العمل المشتركة الشاملة في يوليو 2015، والتي وضعت قيودًا على البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.

البرنامج النووي الإيراني، أثار مخاوف واسعة على الصعيدين الإقليمي والدولي منذ بداياته، حيث برزت عدّة أسباب دفعت المجتمع الدولي، خاصة الولايات المتّحدة والدول الغربية، للقلق حيال تطوّر هذا البرنامج. يمكن تقسيم هذه المخاوف إلى عدّة محاور منها:

 الخوف من السلاح النووي 

تعتبر الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة، أنّ امتلاك إيران لقدرات نوويّة، قد يسهم في تطويرها لأسلحة نوويّة، رغم أنّ إيران تؤكّد أنّ برنامجها مخصّص للأغراض السلمية. يخشى المجتمع الدولي أن يؤدي وجود سلاح نووي إيراني، إلى تغيير التوازن العسكري في منطقة الشرق الأوسط، وقد يكون حافزًا لدول أخرى في المنطقة.

الدور الإيراني الإقليمي 

إيران تعتبر قوة إقليمية لها نفوذ كبيرة في عدّة دول، منها العراق وسوريا ولبنان، حيث تدعم حركات سياسية وعسكرية، مثل “حزب الله” في لبنان، وحركات فلسطينية مقاومة لإسرائيل. كما أنّ تدخلها في اليمن ودعمها لجماعة الحوثيين، يزيد من قلق بعض دول الخليج، خاصة السعودية والإمارات، حيث ترى هذه الدول، أنّ امتلاك إيران للتكنولوجيا النوويّة، سيزيد من قوّتها وقدرتها على التأثير في المنطقة، ممّا قد يهدد استقرارها.

 غياب الشفافية 

على الرغم من أنّ إيران عضو في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النوويّة، وتخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلّا أنّ اكتشاف منشآت نوويّة سريّة في أوائل الألفية، مثل مواقع نطنز وأراك، زاد من مخاوف المجتمع الدولي من وجود برنامج نووي غير معلن. يُنظر إلى هذه المنشآت غير المعلنة، كدليل على احتمالية أنّ إيران، قد تسعى لتطوير تكنولوجيا نوويّة بسريّة تامّة، ممّا يعزّز من شكوك الغرب.

التوترات مع الولايات المتّحدة 

تعتبر العلاقات بين إيران والولايات المتّحدة، متوترة منذ الثورة الإيرانية عام 1979، وازدادت التوترات في العقدين الأخيرين نتيجة عدّة ملفات، منها الدعم الإيراني لجماعات تصنفها واشنطن إرهابية، مثل “حزب الله” وحركة “حماس”، بالإضافة إلى النفوذ الإيراني في العراق وسوريا. ترى الولايات المتّحدة، أنّ إيران تسعى لتوسيع نفوذها على حساب مصالحها، ومصالح حلفائها في المنطقة، وبالتالي فإنّ حصول إيران على سلاح نووي، قد يشكّل تهديدًا استراتيجيًّا، للأمن القومي الأمريكي وحلفائها.

الخوف من سباق تسلّح نووي إقليمي 

إذا تمكنت إيران من تطوير سلاح نووي، فقد يُحفّز ذلك دولًا أخرى في المنطقة، مثل السعودية وتركيا، للبحث عن برامج نوويّة خاصّة بها، لضمان التوازن الأمني في المنطقة. ويخشى العديد من الخبراء، أن يؤدي ذلك إلى انتشار الأسلحة النوويّة في منطقة مضطربة أصلًا، ممّا يزيد من احتمالات وقوع صراعات مسلّحة ذات أبعاد نوويّة.

التأثير على الاقتصاد العالمي 

باعتبار إيران إحدى الدول الكبرى المصدرة للنفط، فإنّ أي تصعيد عسكري بسبب برنامجها النووي، قد يؤدي إلى تقلبات حادّة في أسعار النفط العالمية. وقد يؤدي ذلك إلى تأثير سلبي على الاقتصاد العالمي، خاصة أنّ أي تهديد بإغلاق مضيق هرمز، الذي يعتبر شريانًا رئيسيًّا لنقل النفط، سيؤدي إلى تعطيل إمدادات النفط.

التهديد لإسرائيل 

تعتبر إسرائيل أنّ إيران التهديد الأكبر لها في المنطقة، حيث تصرّح إيران مرارًا وتكرارًا بمعارضتها للسياسات الإسرائيلية، وتدعم الفصائل المقاومة لإسرائيل في المنطقة. تخشى إسرائيل من أن يكون هدف إيران من البرنامج النووي، تطوير قدرات تسليحية تشكّل تهديدًا وجوديًّا عليها؛ ولهذا تعارض بشدّة حصول إيران على أي قدرات نوويّة، وتضغط على المجتمع الدولي، لفرض عقوبات شديدة على طهران.

 الإجراءات الدوليّة للتصدي لمخاطر البرنامج 

لهذه المخاوف، بدأت الولايات المتّحدة والدول الأوروبية، بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية على إيران منذ عام 2006، بهدف إيقاف أو تقييد تقدمها النووي. كما جرت مفاوضات مستمرّة بين إيران و (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا وألمانيا)، توجت بالاتفاق النووي لعام 2015، الذي يهدف إلى تقييد الأنشطة النوويّة الإيرانية، لضمان سلميّتها.

إيران وإحياء الاتفاق النووي: فرص وتحديات

أعلنت إيران مؤخرًا عن استعدادها لاستئناف المحادثات، بشأن برنامجها النووي مع الغرب، ما يشير إلى رغبة في إحياء الاتفاق النووي، الذي تم توقيعه عام 2015. هذه الرغبة جاءت بعد مرور ست سنوات، على انسحاب إدارة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب من الاتفاق، وإعادة فرض العقوبات على طهران، ممّا أدى إلى تدهور الاقتصاد الإيراني، وزيادة التوترات مع الغرب. وفي كلمته أمام الجمعية العامّة للأمّم المتّحدة، شدّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، على التزام بلاده بالتعاون مع الدول الغربية، شرط تنفيذ جميع الأطراف لتعهداتها في الاتفاق الأصلي، مشيرًا إلى أنّ إيران تسعى لتحسين علاقاتها مع أوروبا والولايات المتّحدة، في خطوة تهدف إلى إنهاء عزلتها الدوليّة، وتعزيز استقرارها الاقتصادي.

أعرب بزشكيان عن أنّ إيران مستعدة للعمل، ضمن إطار بناء مع الشركاء الدوليين، لكنّه أكّد على ضرورة ضمان حقوق إيران، في الاستفادة من التكنولوجيا النوويّة السلمية. وقد سبق أن ناقش الرئيس الإيراني، مستقبل الاتفاق النووي، في لقاء مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حيث أبدى الطرفان تفاؤلًا حذرًا، بإمكانية تحقيق تقدم نحو حل وسط، يعيد التوازن للاتفاق. يرى بعض المحللين أنّ تصريحاته قد تكون استجابةً لضغوط داخلية من الإيرانيين، الذين يعانون من أعباء العقوبات الاقتصادية، إضافة إلى كونه محاولة للتوفيق بين مطالب الشعب، والقيود التي تفرضها المؤسسة الدينية والعسكرية القويّة في إيران.

رغم هذه الإشارات الإيجابية، تواجه إيران تحديّات عديدة، في مسار إعادة إحياء الاتفاق النووي، حيث تعتبر دول أوروبية رئيسية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، أنّ الاتفاق في شكله الحالي غير كافٍ، ويجب أن يشمل قضايا أوسع تتعلق بنفوذ إيران الإقليمي، ودورها في الأزمات الجيوسياسية. تزايدت تعقيدات هذا المسار؛ بسبب تورط حلفاء إيران، مثل حزب الله اللبناني، وحماس والحوثيين، في صراعات مع إسرائيل، ودعمها لروسيا في حربها ضد أوكرانيا، ممّا أدّى إلى تصاعد الضغوط الغربية على طهران. ترى بعض الدول الغربية أنّ وجود إيران في هذه الأزمات، يقوّض أي أمل في التوصل إلى اتفاق شامل ومستدام، خاصة أنّ تلك الصراعات تزيد من التوترات في منطقة الشرق الأوسط، وتدفع نحو تأجيج الصراع الدولي.

مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وغزّة، تبنّت إيران لهجة أكثر اعتدالًا، ملمحةً إلى إمكانية الدخول في “سلام مشروط”، حول بعض القضايا الإقليمية المعقدة.

على صعيد آخر، تظل شكوك الدول الأوروبية حول نوايا إيران، قائمة، مع مطالبة بعض المسؤولين الأوروبيين، بضرورة فرض قيود إضافية على البرنامج النووي الإيراني، خاصة أنّ إيران تجاوزت حدود التخصيب المنصوص عليها في الاتفاق الأصلي، ورفعت نسبة التخصيب إلى 60%، وهو مستوى يعتبر مقلقًا ويزيد من احتمالية تطوير أسلحة نوويّة. في الوقت الراهن، ترى الدول الأوروبية أنّ العودة إلى الاتفاق النووي السابق، لن يكون كافيًّا، ما لم يشمل ضمانات واضحة، حول دور إيران في النزاعات الإقليمية وسياستها الخارجية.

في ظل هذه التعقيدات، لا تزال مسألة التوصل إلى اتفاق جديد، غير مؤكّدة، خصوصًا أنّ هناك قوى داخلية في إيران، قد تعارض أي تنازلات، بشأن برنامجها النووي أو دورها في المنطقة، معتبرةً ذلك، تهديدًا لاستقلاليتها وقوتها الاستراتيجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *