جدل وتحذيرات بشأن تعديل قانون الأحوال الشخصية في العراق
منذ القدم، ومع إخراج المرأة من دورها المحوري، في ريادة المجتمع وحمايته، وتحاول المرأة في مختلف المجتمعات والنظم، بما فيها المجتمعات والنظم الشرقية، كسب حريّتها وحقوقها مجددًا في العيش المشترك والحياة الحرّة، وخاصةً أنّ المجتمعات الشرق الأوسطية، ومع الدول القومية وسلطاها، التي تتّسم بالذكورية السلطوية، أصبحت أمام تحدي كبير.
الآن في العراق، هناك محاولة من بعض الأطراف السياسية، شن قوانين وتعديلات، تعتبر تجاوز على كيانية المرأة وإرادتها الحرّة، وتحاول بعد الأطراف، أن تتحجج بما يناسب معتقداتهم البالية، وهم يحاولون التسلّط على حقوق المرأة والأطفال.
ظهر صراع بين الكتل السياسية، وانتقل إلى الشارع العراقي، بعد إعلان مجلس النواب، قبول مقترح تعديل قانون الأحوال الشخصية، والذي يتيح إبرام عقود زواج خارج المحكمة، ويطمس حقوق المرأة، ويسمح بزواج القاصرات، ويحرم الزوجة من حقوق النفقة والحضانة، ويسلب الروح المدنية للقانون، لحساب الآراء الفقهية والمرجعيات الدينية.
التعديل يخالف القانون
مقترح تعديل قانون الأحوال الشخصية، هو مقترح قُدم من قبل مجلس النواب، يعني أنّه لم يقدّم من الحكومة.
ينص المقترح، على أنّ محكمة الأحوال الشخصية، ستقوم بالمصادقة قانونًا على عقود الزواج، المبرمة على يد من لديه تفويض قانوني أو شرعي، معتمد من قبل ديواني الوقف الشيعي أو السني.
التعديلات تشمل تقليص حقوق الأم في حضانة الأطفال، وتقنين زواج القاصرات، وتحديد مسائل الزواج والطلاق بيد رجال الدين فقط، ومنح الطلاق فقط للمحاكم الشرعية.
ينص أيضًا التعديل في إحدى فقراته، بمنح الزوج الأحقّية في اختيار المذهب، الذي يتم على أساسه عقد القران، ويسقط حق حضانة الأم المطلّقة، لأطفالها في حال زواجها، والولد المحضون لديه حق الاختيار عند بلوغه فقط عمر السبع سنوات، في الإقامة مع مَن يشاء من أبويه.
يأتي الضغط من أجل التعديلات بشكل أساسي، من جانب الفصائل السياسية الشيعية النافذة، المدعومة من الزعماء الدينيين، الذين شنّوا حملات متزايدة على ما يصفونه بالغرب، الذي يفرض معاييره الثقافية على العراق ذي الغالبية المسلمة، ولكنّ الحقيقية أنّ هناك محاولة للهيمنة على المرأة وحياتها، بعد أن تمّ ذلك على الكثير من قطاعات الحياة في العراق، وكما أنّ القيّم الغربية غير متناسبة مع قيّمنا، فإنّ التسلّط باسم الدين والمذاهب، أيضًا لا يشكل الحقيقة القيّميّة لمجتمعات الشرق الأوسط.
التعديلات القانونية المقترحة، من شأنها أن تتيح للعراقيين أيضًا، اللجوء إلى المحاكم الدينية، للبت في قضايا قانون الأحوال الشخصية، بما فيها قضية الزواج، والتي تعد حاليًا من اختصاص المحاكم المدنية فقط. وربما يسمح ذلك لرجال الدين بالحكم، وفقًا لتفسيرهم للشريعة الإسلامية، بدلًا من القوانين الوطنية.
يفسّر بعض الدعاة الشريعة، بما يتيح زواج الفتيات في سن المراهقة المبكّرة، أو في سن التاسعة، بحسب المدرسة الجعفرية للشريعة الإسلامية، التي يتبعها العديد من السلطات الدينية الشيعية في العراق.
وبحسب المحامية منيجة حسين المقيمة في العراق، في حديث لها لمركز إنشاء للمعلومات ذكرت بأنّ: ” في حال التصويت على هذا القانون في البرلمان، ودخوله حيز التنفيذ، فإنّ المجتمع العراقي، سيكون في وضع اجتماعي معقد؛ لأنّ المجتمع يقوم على أساس الأسرة، فإذا لم يتم تكوين الأسرة بشكل سليم من خلال تحمّل المسؤولية، فلن تكون أسرة سليمة، لأنّه لا يمكن لأي فكر سليم وكامل، أن يقول بأنّ الطفل الذي يتراوح عمره بين 9 إلى 15 سنة، يستطيع تحمّل مسؤولية تكوين الأسرة وتربية الأطفال، لأنّ هذا التعديل يعتمد أكثر على رأي الفقهاء، وخاصةً الفقه الجعفري، بأنّ سن البلوغ هي خمس عشرة سنة للبنين، وتسع سنوات للبنات، وهو ليس شرطًا لسن البلوغ”.
وأضافت: ” لأنّهم لا يقيسون الكمال إلّا بالجسد، وليس بالعقل، مع أنّ الزمن الذي كانت فيه هذه الآراء الفقهية، كان مختلفًا عن هذا الزمن جغرافيًا وثقافيًا، وخاصة في الوقت الحالي أكثر حالات الطلاق و التفريق؛ سببها التزويج المبكّر”.
وبأنّ مقترح تعديل قانون الأحوال الشخصية يخالف، “أغلب مواد الدستور العراقي، وخاصة تلك التي تشير إلى سيادة القانون والمحاكم، لأنّه يترك القرارات لرجال الدين والمحاكم، ليس لها دور سوى الموافقة على قراراتها، أي عدم وجود قانون موحّد لتنظيم المجتمع، بمعنى رجوع المجتمع الى زمن ما قبل 1959”. وأضافت أيضًا بأنّ قانون الأحوال الشخصية رقم 188، الذي صدر في عام ،1959 “هي من أكثر القوانين العراقية، التي أجريت لها تعديلات كثيرة على مر السنين”.
وذكرت أيضًا بأنّ محاولة تعديل قانون الأحوال الشخصية في الوقت الراهن، وما يمر بها العراق والمنطقة بالأجمع: ” ترجع إلى نواية سياسية وتدخلات إقليمية في سياسة العراق، والهدف منها تفرقة الشعب العراقي، وتفكك الأسرة العراقية من جهة، وخاصة في الآونة الأخيرة، كانت الضوء على نوع من الزواج، وخاصة زواج المسيار في المذهب السنّي، حيث يوجد زواج المتعة في المذهب الشيعي، ومن جهة أخرى، إحياء صراعات مذهبية بين المذهبين السنّي والشيعي.

موقف مراجع الشيعية
أعلن الإطار التنسيقي الشيعي موقفه من قانون الأحوال الشخصية، وأهم المفردات التي أثيرت حولها الشبهات، داعيًا في بيان رسمي، مجلس النواب إلى المضي بالقراءة الأولى لقانون الأحوال الشخصية، موضحًا أنّ “مشروع القانون ينظّم أمورًا تتعلق بالأحوال الخاصّة، بكل مذهب أو دين، ولا يلغي القانون النافذ”.
معتبرًا أنّ “التعديل المزمع على قانون الأحوال الشخصية، هو انسجام مع الدستور، الذي ينص على أنّ العراقيين أحرار باختياراتهم، وبما لا يتعارض مع ثوابت الشريعة وأسس الديمقراطية”.
وكان قد شدّد رجل الدين الشيعي البارز رشيد الحسيني، على أنّ الشريعة الإسلامية تسمح للفتيات بالزواج، في حال أتممنَ 9 سنوات. وقال: “لكنّ هل يحدث هذا بالفعل في الحياة العملية؟ قد يحدث هذا بنسبة صفر أو 1 بالمائة على الأكثر”.
وتحظى التعديلات المقترحة، بدعم عدد من النواب الشيعة، وكان مقررًا أن يعقد البرلمان تصويتًا أوليًّا على المسودة، لكنّه لم يكتمل النصاب القانوني، واضطرّ إلى تأجيله.
النائب البرلماني رائد المالكي، الذي قدم التعديلات المقترحة، ذكر بأنّ الدولة ستظل توفر الحماية للفتيات، وأنّ المناقشات تبقى جارية، حول الحد الأدنى لسن الزواج. و بأنّ السن “سيكون قريبًا للغاية من المذكور في القانون الحالي”، من دون أن يذكر مزيدًا من التفاصيل.
ووصف المالكي وغيره من المؤيدين للمشروع الجديد التعديل بأنّه “حرب على العلمانية الغربية”. وقال المالكي أنّ القانون الأصلي تأثّر بـ”الشيوعيين والبعثيين”، في إشارة إلى “حزب البعث العربي الاشتراكي” الذي حكم البلاد منذ العام 1968، وحتى إطاحة نظام صدام حسين العام 2003.
ويعد قانون الأحوال الشخصية العراقي الحالي، الذي صدر العام 1959، أساسًا قويًّا يحمي حقوق المرأة والطفل في البلاد. وحدّد القانون سن الزواج عند 18 عامًا، رغم سماحه للفتيات في سن 15 عامًا بالزواج، في حال وافق الوالدان، وأثبت فحص طبي بلوغ الفتاة.
ويحظر القانون الزواج خارج نطاق المحاكم الرسمية في العراق، لكنّه لا يطبّق بشكل صارم. حيث يوافق قضاة في بعض الأحيان، على زواج فتيات في سن أصغر، بشكل غير رسمي.
وتشير تقارير اليونيسف، إلى أنّ 28 في المائة من الفتيات في العراق، يتزوجنَ قبل بلوغ سن 18 عامًا، ممّا يسلّط الضوء على خطورة هذه القضية، والمقترح لتعديل القانون.

الرفض النسوي التام للمقترح
تفاعلنَ النساء العراقيات ضد المقترح الجديد، وقمنَ بتنظيم احتجاجات خارج مقر مجلس النواب، بالإضافة إلى حملات مناهضة التعديلات في مواقع التواصل الاجتماعي.
وقامت عددٍ من عضوات مجلس النوّاب، بتشكيل تجمعًا نسويًّا، رافضًا تمرير تعديل قانون الأحوال الشخصية، بصيغته الحالية.
وكان قد التقى وفد شبكة النساء العراقيات وتحالف 188، للدفاع عن قانون الأحوال الشخصية، النافذ مع مجموعة من الكتلة النسوية النيابية، رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، للتباحث حول مقترح تعديل قانون الأحوال الشخصية، المطروح في مجلس النواب.
وفي المظاهرات، التي خرجت ضد مقترح تعديل قانون الأحوال الشخصية في العراق، من شرائح مجتمعية مختلفة، حملنَ المتظاهرات لافتات كتب عليها “لا لتعديل قانون الأحوال الشخصية”، “ولا لسلب حضانة الأمهات”، ” لا لاغتصاب الطفولة باسم الزواج”.
وفيما تحاول ناشطات، مواصلة تنظيم وقفات احتجاج سلمية لرفض القانون، يواجهنَ صعوبات في تجاوز الضغوط، التي تفرضها بعض الأطراف عليهنَّ، ومحاولة منعهنَّ من الخروج، وإبداء آرائهن عبر حجج تجاوز التقاليد المجتمعية والتشريعات الدينية، خاصة في محافظات الجنوب مثل النجف، حيث تعرّضت محتجات لمضايقات من أشخاص، اعترضوا على خروجهن من المنازل، ورفضوا منحهنَّ حق التعبير عن آرائهنَّ.
وقالت هبة الدبوني، وهي ناشطة من بين عشرات الناشطات، اللاتي شاركن في الاحتجاجات، للأسوشيتد برس: “إنّ سن قانون يعيد البلاد، إلى ما كانت عليه قبل 1500 عام أمر مخز. سنستمر في رفضه حتى آخر نفس. وظيفة البرلمان العراقي، هي تمرير القوانين، التي من شأنها رفع معايير المجتمع“.
ويقول المشرعون المحافظون، إنّ التعديلات تمنح المواطنين خيار استخدام القانون المدني أو الديني، ويجادلون بأنّهم يدافعون عن الأسر، في مواجهة التأثيرات العلمانية الغربية.
وقد قالت الباحثة المختصّة بشؤون العراق، في هيومن رايتس ووتش، بلقيس والي، “إقدام البرلمان العراقي على إقرار مشروع القانون، سيكون خطوة مدمّرة للنساء والفتيات العراقيات، وللحقوق التي ناضلنَ بشدّة، من أجل تكريسها في القانون. تشريع زواج الأطفال رسميًّا، يحرم عددًا كبيرًا من الفتيات من مستقبلهنَّ ورفاههنَّ. الفتيات مكانهنَّ في المدرسة والملعب، بدل أن يرتدين فستان الزفاف”.
وأضافت: ” إنّ التعديلات تمنح الأولوية للزوج، مضيفة “لذا، نعم، إنّها تمنح الاختيار، لكنّها تمنح الاختيار للرجال أولًا وقبل كل شيء”.
ويعمل ناشطون مدنيون، لإيصال صوت المرأة إلى الجهات السياسية، وكتب الناشط علي المكدام، على منصّة “إكس”: “زرنا الرئيس عبد اللطيف رشيد، واستعرضنا معه أبرز أسباب الرفض، وأوضحنا له أنّ التعديلات المقترحة لقانون الأحوال الشخصية، تخالف مواد دستورية، وسيؤدي إقرارها إلى مخاطر وانقسامات مجتمعية. أكّد الرئيس أهمية الحفاظ على الاستقرار والتوازن، وإبعاد كل ما يمكن أن يقسّم المجتمع ويمزق الاستقرار”.
وقد ندّدت أيضًا منظمات حقوقية في شمال وشرق سوريا، كمنظمة سارا لمناهضة العنف ضد المرأة، ومنظمة ستيرك لحماية حقوق وشؤون الأطفال، مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية في العراق، وسماحه بتزويج القاصرات، وأحكام أخرى تتعلق بحقوق المرأة، محذّرًا من أنّها ستكون خطوة مدمّرة لحياة الأطفال والنساء.
وطالبت المنظمات الدولية والإعلامية والحقوقية، التي تدّعي حماية حقوق الإنسان، القيام بواجبها الإنساني، ورفض هذا القرار، الذي يستهدف للنيل من حقوق الطفولة وإرادة المرأة.
وقالت المحامية روبين شيخموس في هذا الصدد، لمركز إنشاء للمعلومات ” بأنّ هذا القانون خاطئ، ويهدد طفولة أجيال كاملة، ويزيد نسبة التخلّف والأميّة بين شرائح المجتمع”.
وأضافت: “أنّ زواج القاصرات موضوع خطير جدًا، وسيقتل الطفولة لدى الفتيات، إذ أنّها لن تمارس حياتها بالشكل الطبيعي، على اعتبار أنّ أغلب الأهالي ممّن يؤمنون بهذه الأفكار والتعديل الجديد، سيركزون على تزويج بناتهم بعمر صغير، ويتم حرمانهن من حرية التعلّم، ويسلبون منها حياة الطفولة، التي هي حق لها أن تعيشها”.
“وهنالك ممّن يؤيدون هذا القانون المجحف بحق المرأة، فإنّه يتذرّع بأنّ الغرب يعطي الحرية للمرأة بعمر صغير، وهذا ترقيع وتبرير غير صحيح، وسيؤدي إلى تفكيك الأسرة، وتدمير المجتمع وتحطيم الطفولة، وهي أمراض ستنخر المجتمع على المستويين القريب والبعيد “، بحسب المحامية روبين شيخوس
الموقف الأميركي
أبدت الولايات المتحدة الأمريكية، موقفًا إزاء التعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي.
حيث السفيرة الأميركية لدى بغداد إلينا رومانوسكي، عبّرت عن رأيها بصدد هذا المقترح، عبر وسائل التواصل الافتراضي “إنّنا نشعر بالقلق إزاء التعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية العراقي، والتي من شأنها أن تقوض حقوق المرأة والطفل”.
وأضافت: “نحن نحثّ العراقيين على الانخراط في حوار مدني، يحترم بشكل كامل حريّة الدين أو المعتقد، وحقوق المرأة والطفل”.
نرى بأنّ توقيت طرح مقترح تعديل قانون الأحوال الشخصية، الذي تُعوِّل عليه أحزاب الإطار التنسيقي الشيعي بأغلبيّتها البرلمانية، تزامن مع قانون العفو العام عن آلاف السجناء، الذي تطالب به الكتل السنيّة، في محاولة لتمرير القانونين معًا، أي توقيت الطرح يحمل طابع سياسي. مشروع تعديل القانون هذا، سيفتح الباب أمام الانقسام الطائفي، وسينهي طفولة أجيال كاملة، ويزيد نسبة التخلّف والأميّة بين شرائح المجتمع، وسيزيد من معاناة المرأة، التي تحارب من أجل الحصول على حقوقها، منها المساواة مع الرجل في المجتمع. وعليه فإنّ المجتمع العراقي وكذلك المرأة في العراق، أمام امتحان صعب، عليهم رفض التدخّل في إرادة المرأة، وعلى الجميع أن يكون عونًا للمرأة في حياتها الحرّة، ولا يمكن للمجتمع العراقي من التطوّر والبناء، إلّا بإعطاء كامل حقوق المرأة، وليس فرض قوانين جائرة عليها.