Thursday, 05 February 2026
اشترك

جرائم الاحتلال التركي لعفرين وسري كانيه (رأس العين) والانتهاكات الواسعة

تُعد الأزمة السورية من أكثر النزاعات تعقيدًا وتشابكًا في القرن الحادي والعشرين، حيث أدّت التدخلات الإقليمية والدولية، إلى تفاقم الصراع وتعقيد الحلول السياسية. ومن بين الفصول الأكثر تعقيدًا في هذا الصراع، يأتي التدخّل التركي فيها واحتلالها لمناطق من شمال سوريا، والذي بدأ بحجة حماية الحدود التركية من “التهديدات الإرهابية” المزعومة. لكن مع مرور الوقت، اتّضح أنّ هذه التدخلات، تحمل أبعادًا سياسية وتقسيمية وديموغرافية عميقة، تهدف إلى تغيير التركيبة السكانية في هذه المناطق، وضمان وجود طويل الأمد لتركيا في الشمال السوري، وضمّها لتركيا إذا سمحت الظروف.

في هذا السياق، احتلّت تركيا عدّة مناطق في شمال سوريا، أبرزها عفرين و سري كانيه  وكري سبي( رأس العين وتل أبيض)، ضمن هجمات عسكرية، أطلقت عليها تسميات مثل “غصن الزيتون” و”نبع السلام” في عامي 2018 و2019.  وعلى الرغم من أنّ تركيا تبرّر وجودها العسكري على أنّه “حماية للأمن القومي”، فإنّ هذه الهجمات أدّت إلى تشريد آلاف السكان، وتغيير التركيبة السكانية للمنطقة، وظهور انتهاكات لحقوق الإنسان بشكل كبير، رصدته العديد من المنظمات الدولية.

تشهد هذه المناطق منذ ذلك الحين حالة من التوتر الأمني، وتدهورًا في الأوضاع الإنسانية، وانتهاكات مستمرّة لحقوق الإنسان من قبل الفصائل المدعومة من تركيا. تبرز أسئلة كثيرة حول مستقبل هذه المناطق، وحول ما إذا كانت ستشهد استقرارًا طويل الأمد، أو ستبقى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بين تركيا والقوى الدولية المتدخّلة في الشأن السوري. هذا التقرير يستعرض بالتفصيل أوضاع هذه المناطق منذ احتلالها، مع تسليط الضوء على التحديات الإنسانية والأمنية والسياسية التي تواجه سكانها.

تقع عفرين شمال غرب سوريا وهي إحدى المقاطعات  المهمّة في شمال سوريا، وهي منطقة ذات غالبية كردية في سوريا، وتبعد حوالي 60 كيلومترًا عن حلب. كانت تقطنها غالبية كردية حوالي 98% قبل الاحتلال التركي، ثم في يناير عام 2018، شنّت تركيا هجومًا اجتاحت به مقاطعة عفرين، بالتنسيق مع ما يسمى الجيش الوطني السوري، الذي تَشكّل حديثًا تحت رعايتها، وذلك من خلال ما يسمى بعملية “غصن الزيتون“. وتعرضت المنطقة لتغيير ديموغرافي كبير. وتم نقل العديد من العائلات العربية والتركمانية إلى عفرين، في حين نزح العديد من السكان الكرد الأصليين. يعاني السكان في عفرين من انعدام الأمن، حيث تكرّرت حالات الاعتقال، الاختطاف، القتل والعديد من الجرائم الأخرى.

أما مدينة  رأس العين فهي مدينة ذات اغلبية كردية، تقع على الحدود السورية التركية في الشمال الشرقي لسوريا. في أكتوبر 2019، قامت تركيا بشن هجوم على المدينة، تحت اسم ما يسمى عملية “نبع السلام”. احتلّت تركيا والفصائل المدعومة منها سري كانيه وكري سبي( رأس العين وتل أبيض)، بعد معارك شديدة مع قوات سوريا الديمقراطية.

وهي مثل عفرين، تعرّضت لعملية تغيير ديموغرافي، حيث تم تهجير السكان الأصليين، واستبدالهم بآخرين من مناطق سورية مختلفة. المنطقة تعاني من انعدام الأمن، والخدمات العامة ضعيفة، بالإضافة إلى انتهاكات حقوق الإنسان المتكرّرة. السكان المتبقون يواجهون صعوبة في الحصول على الرعاية الصحيّة والخدمات الأساسية، إلى جانب التوترات الأمنية المستمرّة، نتيجة نشاط الفصائل المسلّحة.

فما هي الخلفية التاريخية للصراع في شمال سوريا؟

شمال سوريا بشكل عام منطقة معقدة ديموغرافيًا وجغرافيًا، حيث يعيش فيها خليط من السكان العرب، الكرد، التركمان، الآشوريين وغيرهم. منذ اندلاع الأزمة السورية في 2011، أصبحت هذه المنطقة هدفًا للصراعات الإقليمية والمحلية.  وخاصّة الأطماع التركية التوسعية، التي ترتكز على الميثاق الملي والمشروع العثماني الجديد، وخطَّتها للتطهير العرقي، والسيطرة على موارد شمال وشرق سوريا، وبالتالي التحكّم في الطرق التجارية والمناطق الاقتصادية.

قبل الاحتلال التركي، كانت وحدات حماية الشعب والمرأة (YPJ-YPG)، وهي القوة الرئيسية ضمن قوات سوريا الديمقراطية (QSD)، تقوم بحماية مناطق واسعة من شمال سوريا، بما فيها عفرين وسري كانيه وكري سبي (رأس العين وتل أبيض). وتتذرع تركيا بأنّ هذه القوات تشكّل خطر عليها، ولكنّ الحقيقية أنّ لتركيا مشروع، وهو ضم مناطق الميثاق الملي إلى تركيا، في ظل الظروف المتوترة في المنطقة، وهي مناطق شمال سوريا وشمال العراق.

أولًا: احتلال عفرين وما يسمى بعملية “غصن الزيتون”

في يناير 2018، أطلقت تركيا عملية “غصن الزيتون” ضد وحدات حماية الشعب والمرأة والشعب الكردي في منطقة عفرين. استمرّ هذا الهجوم حتى آذار/مارس من نفس العام، وأسفرت عن سيطرة تركيا والفصائل السورية المدعومة منها على عفرين. برّرت تركيا الهجوم بأنّه يهدف إلى حماية حدودها الجنوبية من وحدات حماية الشعب، التي تعتبرها تهديدًا لأمنها القومي. تمكّنت تركيا والفصائل المسلحة المتحالفة معها من احتلال عفرين، بعد مقاومة شديدة دامت لأكثر من شهرين من YPG-YPJ، رغم وجود عدم تكافؤ في الأسلحة، وتواطؤ دولي وإقليمي، حيث أنّ تركيا تملك ثاني أكبر جيش في الناتو، وهذا التفاوت في الأسلحة الثقيلة والمدرعات والتكنولوجيا والدعم اللوجستي، ساهم  في تمكّنها من احتلال عفرين. وأُجبر عشرات الآلاف من سكان عفرين على النزوح، إلى مناطق أخرى في سوريا، مثل الشيخ مقصود، الأشرفية، كوباني، قامشلو، الحسكة والرقة، أي المناطق التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية.

بعد السيطرة على المدينة، شهدت المنطقة موجة من الانتهاكات، بما في ذلك عمليات نهب الممتلكات، والاعتقال التعسفي، والاختطاف وممارسة أشدّ أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، كما تضرّرت العديد من المواقع الأثرية والمعالم والمواقع التي لها أهمية تاريخية، كما عمّدت القوات والفصائل التابعة لتركيا، بقطع الآلاف من الأشجار وأخذ مواسمهما وبيع حطبها. كما تشير تقارير حقوق الإنسان، إلى عمليات تعذيب وقتل خارج نطاق القانون، ونقل العديد من المعتقلين إلى سجون داخل تركيا. وتم توطين آلاف العائلات السورية من مناطق أخرى (غالبيتهم من العرب والتركمان)، في منازل السكان الأصليين الكرد، ممّا أدى إلى تغيير ديموغرافي كبير في المنطقة. وبعد سيطرة تركيا على عفرين، قامت بتأسيس هيئات إدارية موالية لها. وتعمل المؤسسات التركية على إدارة شؤون التعليم، الصحة والخدمات الأساسية، وهذا التدخّل يشمل “تتريك” المنطقة عبر فرض اللغة التركية وتغيير المناهج التعليمية.

تمثال «كاوا الحداد» الشخصية الأسطورية مدمَّرا على يد قوات الاحتلال التركي في عفرين

ثانيا: احتلال سري كانيه/رأس العين و كري سبي/تل أبيض  وما يسمى بعملية “نبع السلام”

في أكتوبر 2019، أطلقت تركيا عملية “نبع السلام” في شمال شرق سوريا وتواطؤ دولي وإقليمي، بهدف السيطرة على المنطقة الممتدة بين سري كانيه/رأس العين و كري سبي/تل أبيض، والتي كانت تخضع لحماية قوات سوريا الديمقراطية. جاء الهجوم بعد قرار مفاجئ من الولايات المتحدة بسحب قواتها من المنطقة، ممّا فتح الباب أمام التدخّل التركي. تمكّنت القوات التركية والفصائل المدعومة منها، من احتلال سري كانيه/رأس العين و كري سبي/تل أبيض، بعد معارك شديدة، ممّا أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين، من سكان رأس العين والمناطق المجاورة، إلى المناطق التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، وخاصة الحسكة وقامشلو.

وكما حدث في عفرين، شهدت المنطقة عمليات نهب، اختطاف واعتقالات تعسّفية. وأشارت تقارير حقوقية مثل تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، وتقارير محلية من ناشطين في المناطق المتضررة، إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ارتكبتها الفصائل المدعومة من تركيا، بما في ذلك عمليات القتل والتعذيب. فتم توطين عائلات عربية وتركمانية من مناطق سورية أخرى، في إطار عملية تغيير ديموغرافي، تهدف إلى تقليص الوجود الكردي في المنطقة. والمنطقة تعاني من نقص حاد في الخدمات الأساسية، مثل المياه والكهرباء. تتّهم بعض المنظمات الحقوقية تركيا باستخدام هذه الخدمات، كأداة ضغط على السكان الأصليين، لدفعهم إلى مغادرة المنطقة.

لحظة نزوح أم مع ابنها من مدينة رأس العين/سري كانيه مع بدء العدوان التركي على المدينة

ما هي أبرز الجرائم الإنسانية في المناطق المحتلّة؟

منذ عام 2018، ارتكبت تركيا وفصائل المعارضة السورية المدعومة منها، انتهاكات خطيرة في مناطق عفرين وسري كانيه/رأس العين، و كري سبي/تل أبيض. هذه الانتهاكات أثارت قلقًا دوليًّا واسعًا وتم توثيقها من قبل منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية. وهذه أبرز الجرائم والانتهاكات الموثّقة من شهر شباط 2018، حتى نهاية شهر كانون الثاني 2023:

1. التهجير القسري وتغيير التركيبة السكانية: تقديرات تقول إنّ ما يقارب 300,000 –  400,000 كردي تم تهجيرهم قسرًا من عفرين وحدها، وتم جلب سكان جدد من مناطق أخرى في سوريا، لإعادة توطينهم في عفرين وسري كانيه/رأس العين، و كري سبي/تل أبيض، في محاولة واضحة لتغيير التركيبة السكانية. وفي إطار سياسة التغيير الديمغرافي، التي تنتهجها دولة الاحتلال التركي في المناطق التي تحتلّها، وبحسب وكالات محلية، تم توثيق توطين الاحتلال التركي لعوائل من الجنسية العراقية في مدينة سري كانيه وعوائل لمرتزقة داعش. كما كشف المرصد السوري لحقوق الانسان في الـ 29 من حزيران2020، استصدار ما يسمى المجلس المحلي لمدينة سري كانيه، بطاقات شخصية للاجئين العراقيين الموجودين في المدينة.

2. القتل والاختطاف: مقتل (2105) مدنيًّا، وقتل منهم تحت التعذيب (193) شخصًا. وحسب منظمة حقوق الإنسان في عفرين ووسائل الإعلام المحليّة، فقد تم اعتقال واختطاف أكثر من 9241 شخصًا  وتم توثيق تعرض (2121) شخصًا للتعذيب، تم الإفراج عن قرابة (8006) منهم. وتم طلب فديات مالية مقابل الإفراج عن (2654) شخصًا، ولا يزال مصير أكثر من ثلث بقية المعتقلين مجهولًا..

3. التعذيب وسوء المعاملة: تم توثيق حالات التعذيب الممنهج ضد المعتقلين المدنيين، في مراكز الاعتقال التي تديرها الفصائل المدعومة من تركيا. وأصيب 696 آخرون في القصف بينهم 303 أطفال و 213 سيدة. علاوة على ذلك، تم تعذيب 90 شخصًا حتى الموت في سجون الجيش الوطني.

4. النهب والاستيلاء على الممتلكات: عدد الهجمات التي استهدفت المرافق العامة والبنية التحتية (243) هجومًا في شمال وشرق سوريا. تمت مصادرة ونهب آلاف الممتلكات، بما في ذلك الأراضي والمنازل، وأحيانًا تم إجبار السكان على التنازل عنها بالقوة. ونهب المؤسسات العامة والخاصة، مثل المدارس والمستشفيات، وتحويلها إلى مقرات عسكرية.  عدد المدارس المدمرة بفعل القصف التركي، وقصف مرتزقتها بلغت (53) مدرسة، وتعطّلت (901) مدرسة، فيما حُرم (100) ألف طالب وطالبة من التعليم. عدد المشافي والنقاط الطبية، التي تعرضت للقصف بلغت 53 نقطة طبية، وأصيب (26) شخصًا فيها، وهم من العاملين في المجال الطبي، حيث قُتل (5)، منهم (3) أعدموا ميدانيًا من قبل مرتزقة “الجيش الوطني”.

5. تدمير الممتلكات الثقافية والدينية: تم تدمير أو تخريب العديد من المواقع الثقافية والدينية المهمّة، بما في ذلك الأديرة والمعابد الإيزيدية في عفرين. واستهداف المقابر والرموز الثقافية والدينية للكرد وغيرهم من الأقليات.

6. الاعتداءات على النساء: هناك تقارير عن انتهاكات واسعة ضد النساء، بما في ذلك التحرش والاعتداء الجنسي، سواء في المعتقلات أو خارجها. خصوصًا ضد النساء في المناطق التي تخضع لسيطرة هذه الفصائل.

7. انتهاكات حقوق الإنسان: استخدام القوة المفرطة ضد المدنيين.استهداف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، الذين يحاولون توثيق هذه الجرائم، بما في ذلك الإعدام الميداني. حيث لقي (9) صحفيين مصرعهم وأصيب (25) آخرون بجروح، كما اغتال الاحتلال التركي والديَّ صحفي؛ واستولت مرتزقته على منزله ومنزل (12) صحفيًا في سري كانيه/رأس العين، و كري سبي/تل أبيض.

8. استخدام الأسلحة الكيماوية: كشفت صحيفة الغارديان البريطانية في تقرير لها، أنّ مفتشي الأسلحة الكيماوية التابعين للأمم المتحدة، سيحققون باستخدام الفوسفور الأبيض في مدينة سرى كانيه “رأس العين”. صحيفة التايمز البريطانية نشرت أيضًا تقريرًا بهذا الشأن، تحدثت فيه عن عدّة حالات من الحروق غير الطبيعية على أجساد مجموعة من الأطفال، تعرضوا لقصف العدو التركي في شمال وشرقي سوريا. ونوهت الصحيفة إلى أنّ الحروق التي تعرض لها بعض الأطفال، تشير إلى أنّ إصاباتهم نجمت عن شيء أسوأ بكثير من الانفجار وحده.

الاحتلال التركي يستخدم الفوسفور الأبيض المحرم دوليًّا ضد المدنيين

9.  السلطان مراد” و”المعتصم” قاموا بنهب المنطقة الصناعية في سري كانيه (رأس العين):

التقرير المشترك بين “بيل الأمواج المدنية” و”سوريون من أجل العدالة والحقيقة” و”رابطة تآزر” يوثّق تورط فصائل مدعومة من تركيا، مثل فصيل السلطان مراد وفرقة المعتصم، في عمليات نهب وسلب واسعة في سري كانيه/رأس العين، و كري سبي/تل أبيض، عقب هجماتها التي بدأت في أكتوبر 2019. استهدفت عمليات النهب، المحلات والمستودعات في المنطقة الصناعية، وتم تقدير قيمة المواد المسروقة بملايين الدولارات.

تم بيع بعض المواد المسروقة لأصحابها الأصلييّن أو إلى تجار أتراك وسوريين، بينما نسّقت فصائل الجيش الوطني السوري، مع تجار ومع مسؤولين أتراك لبيع المسروقات، بما في ذلك النحاس المستخرج من شبكات الكهرباء. التقرير يربط بين هذه الانتهاكات وبين تورّط المجلس المحلي لرأس العين التابع للمعارضة السورية.

كما يكشف التقرير عن تورّط جهات تركية، بما في ذلك والي شانلي أورفا، في تنسيق عمليات بيع الحديد المسروق. بعض المواد تم بيعها للحكومة السورية عبر “الفرقة الرابعة”. التقرير يعزّز ما توصلت إليه لجنة التحقيق الدولية المستقلة، بشأن عمليات نهب منظمة، ويطالب بفرض عقوبات دولية أوسع على الفصائل المتورطة.

المنطقة الصناعية في سري كانيه (رأس العين)

ما هو الموقف الدولي من الاحتلال التركي؟

الموقف الدولي تجاه الاحتلال التركي لشمال وشرق سوريا، يُعتبر مخجلًا لعدة أسباب. أولًا، هناك ازدواجية في المعايير؛ ففي حين يتم التصدي لبعض الاحتلالات والانتهاكات دوليًّا، تتغاضى القوى الكبرى عن تدخلات تركيا، بسبب المصالح الجيوسياسية والاقتصادية. تركيا عضو في حلف الناتو وشريك استراتيجي للغرب، كما تلعب دورًا مهمًّا في ملف الهجرة، الذي تستخدمه كورقة ضغط على أوروبا.

أما الولايات المتحدة، فقد سحبت قواتها من المنطقة عام 2019، ما فسح المجال أمام تركيا للتدخل ضد الكرد، وهو ما فُسر كتواطؤ ضمني. واشنطن، رغم تصريحاتها المتناقضة، لم تتّخذ إجراءات فعّالة لمنع تركيا من مواصلة عملياتها، نتيجة المصالح المشتركة بينهما. وأما روسيا ولكونها ضمن مسار أستانة مع روسيا، فالتدخلات التركية حصلت وبالتوافق معها، رغم أنّها تعتبر نفسها الضامن في سوريا، ولكنّ نتيجة مصالحها والحرب الأوكرانية، تحاول كسب تركيا لجانبها بتقديمها لتنازلات في سوريا ومن السيادة السورية.

التردد الأوروبي واضح أيضًا؛ فعلى الرغم من الانتقادات المتكرّرة، لم تُفرض عقوبات حقيقية على أنقرة. هذه المواقف الدولية المتساهلة، تأتي في ظل تقارير عن انتهاكات حقوقية خطيرة، مثل التهجير القسري والتغيير الديموغرافي في المناطق التي تحتلها تركيا، دون أن يرافقها أي تحرّك حاسم لحماية السكان المتضررين.

فعلى الرغم من الانتقادات، لم تتّخذ الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا خطوات ملموسة، للضغط على تركيا للانسحاب من هذه المناطق. ولا تزال تركيا حتى الآن، تمارس أفظع أنواع الانتهاكات بحق الشعب السوري، الموجود في تلك المناطق، رغم وجود اتفاقيات مع الجانب الأمريكي والجانب الروسي”.

فما هي الحلول المقترحة أو الطرق للتعامل مع الانتهاكات التركية؟

بحسب وجهة نظر المحلل السياسي المصري د.طه علي في حديث له مع مركز إنشاء للمعلومات: “إنّه بالنظر إلى الهدف الأسمى من وراء الانتهاكات التركية في المناطق المحتلّة وغيرها، ألا وهو طمس الهوية الثقافية والحضارية لهذه الأراضي، فإنّ تمسّك أهالي هذه المناطق والحفاظ على خصوصيّتهم الثقافية، هو الركيزة الأولى لمقاومة الاحتلال التركي، ومواجهة انتهاكاته المتواصلة بحق شعوب الشرق الأوسط.

فالمتأمل في السياسات التركية، يجد أنّها تتمحور حول عملية تتريك ممنهج، بمعنى إضفاء الطابع التركي وفرضه كنموذج ثقافي، وما الآلة العسكرية والإجراءات القانونية والإدارية، إلّا وسائل لتحقيق ذلك، وبالتالي فإنّ المقاومة الثقافية والحضارية، والحفاظ على الهوية الثقافية الأصيلة لأبناء المناطق، التي تحتلّها القوات التركية، هو حجر الزاوية بل إنّه أبرز أشكال المقاومة العميقة، التي من شأنها إفشال المشروع التركي، الذي يتحدّث عنه المسؤولون الأتراك، بشكل معلن في عبارات ناجمة عن استراتيجيات قومية، مثل العثمانية الجديدة أو الوطن الأزرق، وكلها تهدف لإحياء وديمومة المشروع الطوراني على المحيط الإقليمي لتركيا، سواء في أذربيجان وجمهورية قبرص وتركمانستان وأذربيجان وقرغيزستان وكازاخستان، أو حتى دول الشرق الأوسط، التي وقعت تحت الاحتلال العثماني على مدار أربعة قرون.

لكنّ ذلك لا يمنع أهميّة الجانب العسكري في المقاومة، والتي لطالما أثبتت دورها في مقاومة الاحتلال على مر التاريخ، وفي الحالة السورية، تنشّط الفصائل العسكرية، التي تتشكّل من مكونات كردية وعربية، والتي تضطلع بالدفاع عن أرضهم، وهو ما يبدو شبيها مع المقاومة المسلّحة، التي تواجه الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، وتلك هي حكمة التاريخ التي لا يمكن إغفالها”.

فيما رأى الدكتور علي ثابت صبري وخلال اتصال هاتفي مع مركز إنشاء للمعلومات، إنّ الحل هو في الضغط على تركيا لإنهاء حالة الاحتلال التركي وقال: “من وجهة نظري، ترتكز حلول القضية الكردية في شمال وشرق سوريا على محورين. الأول إنهاء الاحتلال التركي بشكل فوري، وعودة السيادة السورية، ولا بدّ من تدخّل القوى الإقليمية وجامعة الدول العربية والمجتمع الدولي، للوقوف بجانب سوريا وإنهاء الاحتلال التركي.

أما الثاني، فلابدّ من إعادة علاقات الدولة السورية مع مكونات الشعب السوري، من خلال دستور يعالج سلبيات النظام القومي، ويعزّز مفهوم الأمّة الديمقراطية، مع الحفاظ على خصوصية مكونات الأمّة السورية، وإقرار حالة من التشارك و التعايش والتناغم مع الشعب الكردي، والاعتراف بحقوقه وتاريخه وحضارته.

ويتمثّل الحل في تكاتف إقليمي للضغط على تركيا، لإنهاء حالة الاحتلال، ووقف الممارسات غير المشروعة تجاه الشعب الكردي. و إرادة سورية لجمع الشمل، والتغيير لدولة أمّة تكون مظلّة واسعة، جامعة لمكونات الشعب السوري. وإقرار حالة من التعايش السلمي مع الشعب الكردي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *