Thursday, 05 February 2026
اشترك

حرب أوكرانيا وتداعياتها على الشرق الأوسط

تعد حرب أوكرانيا منذ عام 2014 وخاصة بعد الغزو الروسي في فبراير 2022، من أكثر الأحداث الدولية الهامة، التي أثرت بشكل كبير على العالم بأسره، ولا سيما الشرق الأوسط؛ تتمتع المنطقة بعلاقات متنوعة ومعقدة مع كل من روسيا وأوكرانيا. في ظل التداعيات الاقتصادية والأمنية العالمية الناجمة عن الصراع، تضاربت المصالح الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط، ممّا أدى إلى تغييرات جذرية في موازين القوى السياسية والاستراتيجية. وبالتالي فإنّ التداعيات الناجمة عن هذه الحرب، لم تكن محصورة على السياسة الدولية والأمن القومي فحسب، بل امتدت إلى الاقتصاد والطاقة وحتى المجتمعات المحلية.

في 24 فبراير 2022، اندلعت حرب أوكرانيا بعد أن أعلن روسيا عن بدء عملية عسكرية شاملة تحت مسمى “عملية السلام الخاصة”، حيث بدأت روسيا هجومًا عسكريًّا واسع النطاق على أوكرانيا، بهدف السيطرة على العاصمة كييف وإسقاط الحكومة الأوكرانية. وهي تمثّلت أحد أهم الأحداث الدولية التي هدّدت النظام الدولي الراهن. أثرت هذه الحرب بشكل كبير على الاقتصاد العالمي، والأمن القومي، والعلاقات الدولية، واعتبرت أكبر تهديد للأمن الأوروبي، وتأثيرها امتدت إلى منطقة الشرق الأوسط، حيث أثرت على الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة بشكل كبير. يعتبر الشرق الأوسط منطقة حرجة تتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة، ولذلك فإنّ أي تغيير في الأوضاع الدولية يمكن أن يؤثر بشكل كبير على الدول المحلية.

تأثير حرب أوكرانيا على الشرق الأوسط

كان للحرب الأوكرانية تأثير مباشر على الصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط. أدى الصراع المستمر في أوكرانيا إلى تغييرات في التوازن القوي في المنطقة، وخاصة فيما يتعلق بالدور الروسي في الشرق الأوسط. وأيضًا التباين في مواقف الدول العربية تجاه روسيا وأوكرانيا، أثر على العلاقات الثنائية بين الدول العربية، وزاد من التوترات السياسية داخل المنطقة.

ويمكن تحليل تداعيات الحرب على الشرق الأوسط من خلال عدّة جوانب رئيسية:

أولًا: الجانب السياسي: أدى الصراع بين روسيا وأوكرانيا إلى تأجيج التوترات السياسية في المنطقة. فالدول العربية اتخذت مواقف مختلفة تجاه الأزمة الأوكرانية، حيث كانت بعض الدول العربية تتطلع إلى الحفاظ على علاقاتها مع روسيا، بينما كانت دول أخرى تتجه نحو التحالف مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في مواجهة روسيا.

تعتبر روسيا من أهم اللاعبين الرئيسيين في الشرق الأوسط، حيث تمتلك علاقات واسعة مع العديد من الدول العربية، بما في ذلك إيران، سوريا، العراق والجزائر. تستخدم روسيا هذه العلاقات لتعزيز مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وخاصة في ضوء التوترات التي تشهدها مع الغرب. فالحرب الأوكرانية، قد أثرت على قدرة روسيا على التدخل في الشرق الأوسط بشكل كبير، حيث تم تحويل الأنظار والموارد نحو الصراع المحلي.

ثانيًا: الجانب الاقتصادي: تعتبر روسيا من أكبر مصادر الغاز في العالم، وبالتالي فإنّ العقوبات الاقتصادية التي فرضت عليها، أدت إلى اضطرابات في سوق الطاقة العالمية. هذا الارتفاع في أسعار الطاقة، كان له تأثير مباشر على الدول العربية خاصة المنتجة للنفط، التي استفادت من ارتفاع الأسعار، ومع ذلك، فإنّ الدول المستهلكة للطاقة، مثل مصر والأردن ولبنان، واجهت تحديات كبيرة في تمويل احتياجاتها من الطاقة، ممّا أدى إلى زيادة التضخم والضغوط الاقتصادية. فالأزمة النفطية الناجمة عن الحرب، أثّرت بشكل كبير على الاقتصادات العربية كارتفاع أسعار الطاقة، وخاصة النفط والغاز. ارتفع أسعار النفط بشكل حاد في الأشهر الأولى من الحرب. هذا الارتفاع كان نتيجة لعدة عوامل؛ منها المخاوف من انقطاع الإمدادات النفطية من روسيا.

بالنسبة لبعض لدول الشرق الأوسط، كان هذا الارتفاع في أسعار النفط بمثابة نعمة اقتصادية. فقد زادت إيرادات النفط لدول مثل السعودية والإمارات والكويت، ممّا أدى إلى تحسين ميزانياتها العامة، وزيادة الاحتياطيات النقدية، ومع ذلك، كان هناك جانب سلبي لهذا الارتفاع، حيث أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، ممّا أثر على القطاعات الصناعية والتجارية.

بالإضافة إلى ذلك، تأثير حرب أوكرانيا على التجارة العالمية كان واضحًا أيضًا، فالحصار البحري الذي فرضته روسيا على ميناء يوليانوفسك، أدى إلى تداعيات على الأسواق العالمية للحبوب، ممّا أدى إلى ارتفاع أسعار الغذاء. هذا الارتفاع كان له تأثير خطير على الدول العربية، التي تعتمد بشكل كبير على الواردات من الحبوب. على سبيل المثال، ارتفعت أسعار القمح في مصر بشكل كبير.

وبهذا الصدد، تحدث الدكتور خليل عزيمة أكاديمي وباحث سياسي متخصص بالشأن الأوكراني، في ما يخص تداعيات الحرب الأوكرانية على الشرق الأوسط لمركز إنشاء للمعلومات، حيث قال:

لم يقتصر تأثير الغزو الروسي لأوكرانيا على علاقات روسيا بالغرب، بل وطال مناطق الشرق الأوسط وأفريقيا، وأعادت الحرب التشكيل الجيوسياسية في المنطقة وتجلى ذلك، على سبيل المثال، في دعم روسيا للانقلابات العسكرية في بعض الدول الأفريقية. كما برزت الحاجة الماسّة لروسيا، لمحاولة تشكيل تحالفات جديدة، وتعزيز حضورها الفاعل في الشرق الأوسط، وجرت تحوّلات على نفوذ القوى الكبرى في الشرق الأوسط، وظهر تقارب روسي أكبر مع تركيا وإيران. كما أظهرت الحرب أهمية دول منطقة الشرق الأوسط، التي اتّخذت موقف الحياد من الحرب (باستثناء بعض الدول).

وعملت روسيا على التلاعب في المشاعر العربية والإسلامية، لدى شعوب المنطقة من خلال بناء علاقات مع تيارات الإسلام السياسي، والترويج أنّها تحارب الناتو والولايات المتّحدة الأمريكية؛ وهذا أدى لظهور تأييد عربي شعبي لغزو روسيا لأوكرانيا، واحتلال أجزاء من أراضيها، وخاصة من شعوب تعاني من الاحتلال (وهنا المفارقة).

د. خليل عزيمة أكاديمي وباحث سياسي متخصص في الشأن الأوكراني

لكنّ على الصعيد الرسمي العربي وخاصة دول الخليج، شكلت الحرب فرصة في خلق استراتيجية تنويع في الشراكة مع القوى الكبرى، من منظور المصالح الوطنية، وتجلى ذلك مؤخرًا في القمّة الأولى بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون لدول الخليج العربية.

وعملت دول عربية على تنويع الشراكات الاستراتيجية مع العديد من القوى الدولية، لتشمل الولايات المتّحدة الأمريكية وروسيا والصين والدول الأوروبية.

وتحاول بعض الدول في الشرق الأوسط لعب دور الوسيط، ودعم الجهود الدولية الرامية، لإنهاء الحرب بالطرق الدبلوماسية. كما قامت بدور الوساطة من أجل تبادل الأسرى.

كما يجب ألّا نفصّل بين الحرب الروسية على أوكرانيا والحرب في الشرق الأوسط، فهناك ترابط بين الحربين في المصالح. أدّت أحداث ٧ أكتوبر وما بعدها، وعرقلة الملاحة الدولية في البحر الأحمر، إلى اشغال الولايات المتّحدة الأمريكية والدول الغربية عن الحرب في أوكرانيا، وأثر ذلك على الدعم العسكري لأوكرانيا، والاهتمام الدولي بالحرب. وزادت روسيا من تدميرها لمراكز الطاقة والبنية التحتية لأوكرانيا. ولا ننسى الارتفاع في أسعار النفط الذي نتج عن التوتر في الشرق الأوسط، وهذا يصب في مصلحة روسيا.

وعلى صعيد الأمن الغذائي العالمي، تعتبر مساهمات روسيا وأوكرانيا في مجال إنتاج وتوزيع الغذاء ذات أهمية قصوى. وتعتمد العديد من الدول بما فيها دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل كبير على واردات الغذاء، حيث تسببت الحرب في ارتفاعات كبيرة، وتقلبات في أسعار الغذاء. وبحسب تقارير للبنك الدولي، تعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أكثر المناطق المعرّضة بشكل خاص للصدمات التجارية؛ بسبب اعتمادها الكبير على الواردات الغذائية.

إنّ الحرب أثرت سلبًا على اقتصادات الكثير من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل أساسي، فهي دول كثيفة السكان وتعتمد على الواردات الروسية والأوكرانية، وخصوصًا المواد الغذائية، ما أثّر على الأسعار وعلى سلاسل الإمدادات، مع تعرض هذه الدول من موجة جفاف. لكنّ الأسعار بدأت في الانخفاض مع استعادة أوكرانيا قدرتها على التصدير، بعد إبعاد أسطول البحر الأسود الروسي عن الموانئ الأوكرانية.

التداعيات الأمنية في البلدان العربية

منحت الحرب دول الشرق الأوسط، فرصة لتعزيز دورها في السياسة الإقليمية والعالمية، وفي ذات الوقت، جلبت لها تحديات أخرى تتمحور في قدرتها على مواصلة النأي بنفسها عن التنافس العالمي الكبير.

فالحرب أدّت إلى انقطاع الإمدادات الصناعية من أوكرانيا، حيث تعطّل العديد من الصناعات العربية، في الدول التي تعتمد على الصناعات الثقيلة والزراعية. وأيضًا أدت هذه التداعيات إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية في البلاد العربية، ممّا زاد من التوترات الاجتماعية والسياسية.

فمصر التي تتصدّر قائمة الدول المستوردة للقمح في العالم، تحصل على 85 في المئة من حاجاتها من القمح من روسيا وأوكرانيا. فأدّى الاختلال في إنتاج القمح الأوكراني، إلى ارتفاع شديد في أسعار القمح، ممّا أدى إلى زيادة التكاليف الغذائية والضغوط على المواطنين. وسيتوجب على الحكومة المصرية استخدام المزيد من مواردها المالية لتأمين إمدادات القمح، التي تهدّد الأمن الغذائي للبلاد.

من جانب آخر إيران، التي لم تكن بمعزل عن تطورات الأزمة الأوكرانية وتداعياتها، فهي تمتلك ثاني أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي، والذي يمكنها من التصدير إلى أوروبا وتزويدها بالطاقة.

بالإضافة إلى احتياج روسيا إلى الطائرات المُسيّرة الإيرانية في الحرب الأوكرانية، وأدى ذلك إلى تقارب روسي إيراني، وهو ما أدى إلى ترك روسيا مساحة نفوذ أكبر لإيران في سوريا.

فيما سعت تركيا إلى الاستفادة من الأزمة لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية. لكنّ الغزو الروسي تسبّب بعرقلة الخطط التي وضعتها تركيا، خاصة في توسيع نطاق انخراطها مع أوكرانيا. فعانت الاقتصاد التركي من أزمة، وواجهت تركيا نتائج خطيرة؛ بسبب اعتمادها على الطاقة الروسية، أيضًا؛ بسبب قدرة موسكو على استغلال نفوذها في سوريا، ما أدّت إلى عرقلة أنقرة. مع ذلك، تمسّكت تركيا بموقفها ووصفت الغزو الروسي بأنّه عمل حربي، ورفضت الحجج التي استندت إليها روسيا لتبرير الغزو، حيث أغلقت المضائق التركية أمام السفن البحرية. وحرصت على النأي بنفسها عن العقوبات كي لا تضر مصالحها مع موسكو.

تداعيات الحرب الأوكرانية الاقتصادية والجيوسياسية على الصعيد العالمي

صرحت مديرة المركز الأوروبي للشمال الأفريقي للأبحاث EUNACR، سارة كيرة لمركز إنشاء للمعلومات، تداعيات الحرب الأوكرانية الاقتصادية والجيوسياسية حيث قالت: أثرت الحرب الروسية الأوكرانية بشكل كبير على العالم أجمع، وبالتالي على الإقليم الأكثر تعقيدًا جيوسياسيًّا، وهو الشرق الأوسط. وتعتبر الحرب الروسية على أوكرانيا بداية الصراع ما بين القوى العظمى، وتشكيل قطب روسي صيني مقابل القطب الغربي، المتمثل في الولايات المتحدة وحلفاؤها في مختلف بقاع العالم. وتنظر الأزمة الأوكرانية وهي بداية حرب عالمية ثالثة متمركزة جغرافيًّا في بقاع مختلفة من العالم. ويأتي هذا التحليل بناء على التداعيات الخطيرة، لاندلاع تلك الحرب من النواحي الاقتصادية والجيوسياسية.

د. سارة كيرة مديرة المركز الأوروبي الشمال الأفريقي للأبحاث EUNACR،
باحثة دكتوراه، تخصص تعاون مصري- أوروبي، جامعة |UNED – مدريد.

من الناحية الاقتصادية؛ أثرت الحرب الروسية الأوكرانية بشكل مباشر على الشرق الأوسط من خلال رفع الأسعار، وزيادة التضخم، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، فضلًا عن التأثير على الأمن الغذائي ومستويات المعيشة. وتُعتبر هذه التغيرات جزءًا من التحولات العالمية التي تسببها هذه الأزمة المستمرة.

ولتلك الحرب تأثيرًا عميقًا على الاقتصاد العالمي خاصة من نواحي عدّة. حيث أثرت على مختلف القطاعات الاقتصادية، وأدّت إلى تحديات كبرى على مستوى الطاقة، الغذاء، التجارة، والاستقرار المالي.

وتسببت في قفزة غير مُسبقة في أسعار النفط والغاز بشكل كبير منذ بداية النزاع، حيث توقفت بعض الإمدادات الصادرة من روسيا، خاصة تلك لدول أوروبا، ممّا أدى إلى نقص المعروض وارتفاع الأسعار، وبالتالي انعكس على تكاليف النقل والصناعات حول العالم.

كما أدّت العقوبات المفروضة على روسيا إلى ارتفاع تكاليف الشحن، ممّا أثّر على التجارة الدولية بشكل واسع، وزاد من الضغوط التضخمية في مختلف الاقتصادات. كما تُعد روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدري الحبوب في العالم، خاصة القمح وزيت دوار الشمس، وتسببت الحرب في تعطيل كبير في هذه الصادرات، ممّا أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وزاد من المخاوف حول الأمن الغذائي العالمي، خاصة في الدول التي تعتمد على الواردات من هذه المنطقة، مثل مصر.

كما تسببت الحرب في زيادة أسعار الطاقة والغذاء والزيادة بتكلفة المعيشة. وتسببت في تسريع وتيرة التضخم في العديد من دول العالم، وأدى ذلك إلى ارتفاع معدلات التضخم في العديد من الدول، بما في ذلك الاقتصادات الكبرى كالولايات المتحدة وأوروبا. وبالتالي أدى زيادة التضخم على المستوى العالمي إلى تباطؤ في النمو الاقتصادي، ورفع تكاليف اقتراض الدول.

أثرت الحرب الروسية الأوكرانية بشكل كبير على الاقتصاد العالمي، ولا تزال تداعياتها تتكشف، مع توقعات بأنّ تؤدي هذه التغيرات إلى إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي على المدى البعيد، من حيث أنّ تلك الحرب أدّت الى إعادة نظر الدول النامية في تكتلاتها الاقتصادية، لتقليل الاعتماد على الدولار، والتوجه لتكتلات تقدم البدائل، مثل تكتل الـ BRICS.

وأثرت الحرب سلبًا على الشرق الأوسط، تحديدًا من الناحية الاقتصادية، حيث أدّت إلى ارتفاع أسعار الغذاء والسلع الأساسية، لاعتماد العديد من دول الشرق الاوسط، مثل مصر ولبنان وتونس، على استيراد القمح من روسيا وأوكرانيا. ومع تعطّل الإمدادات نتيجة الحرب، شهدت هذه الدول ارتفاعًا كبيرًا في أسعار القمح ممّا أدى إلى ضغوط مالية واجتماعية كبيرة. كما أدى الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية الأساسية إلى زيادة معدلات التضخم، وإثارة قلق منظمات الإغاثة حول الأمن الغذائي، خاصة في الدول التي تعاني من أزمات اقتصادية بالفعل، مثل اليمن وسوريا ولبنان.

كما أدّت الحرب الروسية – الأوكرانية إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والوقود على الدول المستوردة للنفط، مثل الأردن ولبنان والمغرب، حيث ارتفعت تكاليف الطاقة والوقود، ممّا أدى إلى أعباء إضافية على الاقتصاد المحلي وزيادة تكلفة الحياة للمواطنين.

أما من الناحية الجيوسياسية، أدى الصراع إلى إعادة ترتيب التحالفات على الصعيد العالمي، حيث تعززت العلاقات بين الدول الأوروبية والولايات المتّحدة، بينما بدأت روسيا في توطيد علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول مثل الصين والهند وإيران. كما دعّت الحرب إلى التقارب والتعاون العسكري بين القطب الروسي – الصيني، والقطب الأمريكي الأوروبي أكثر فأكثر، حيث أخذ التعاون العسكري شكل أكبر وأعمق بين كل من روسيا والصين وروسيا وإيران، وعلى الناحية الأخرى، شكلت الحرب ضرورة، لتعزيز الانفاق بتحالف الشمال الاطلسي الناتو، لمواجهة التهديد الروسي.

وبناءً على ذلك، قامت العديد من الدول الأوروبية، خاصة أعضاء الناتو، بتخصيص أجزاء أكبر من ميزانياتها العسكرية لتعزيز قدراتها الدفاعية، استعدادًا لمزيد من التصعيدات المحتملة.

وجاءت تأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية على الأمن، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط بشكل عميق؛ إذ دفعت الدول الإقليمية إلى إعادة تقييم مواقفها واستراتيجياتها، لضمان أمنها القومي في ظل التحوّلات العالمية.

وأسفرت الحرب عن دفع بعض دول الشرق الأوسط، لإعادة تقييم علاقاتها مع روسيا والغرب. فقد فضّلت بعض الدول، مثل الإمارات والسعودية، الحفاظ على موقف حيادي نسبيًّا وتجنب الانحياز لأي طرف، وهو ما منحها مرونة دبلوماسية أكبر في التعامل مع كلا الجانبين. ونظرًا لارتباط روسيا بالتحالفات في سوريا، أثرت الحرب على معادلات القوى الإقليمية؛ إذ تسبب الانشغال الروسي في تقليل بعض الأنشطة العسكرية الروسية في سوريا. وقد استغلت إسرائيل هذه الفرصة، لتكثيف هجماتها ضد المصالح الإيرانية في سوريا.

كما دفع التهديد الإيراني المتزايد على بعض دول الخليج، مثل الإمارات والبحرين، إلى تعزيز تعاونها مع إسرائيل على الصعيدين الأمني والاستخباراتي، حيث يأتي ذلك ضمن إطار الاتفاقيات الإبراهيمية، التي تسعى إلى التحالفات الإسرائيلية – الخليجية، لمواجهة التحدّيات الأمنية المشتركة.

وكانت الأزمة الأوكرانية، اللبنة الأولى لتصاعد المخاوف الأمنية في الشرق الأوسط، ودفعت العديد من الدول، التفكير بشكل براجماتي بحت في استراتيجيات الدفاع والتسليح، لمواجهة المخاطر المتتالية والمتصاعدة، بين القوى المشتركة في النزاعات المختلفة بينهم، في بقاع مختلفة من العالم.

نستنتج من ذلك، إنّ الحرب الروسية الأوكرانية لم تكن مجرد نزاع محلي، بل أصبحت محورًا للتوترات العالمية، وأدت إلى إعادة تشكيل العلاقات الإقليمية مع العالم أجمع، حيث تزايدت التحالفات الدولية حول الحرب الأوكرانية، واتخذت عدد من الدول الغربية إجراءات ضد روسيا، بما في ذلك فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية. هذه التحالفات أثرت بشكل كبير على الشرق الأوسط، فاضطرت الدول العربية إلى اتخاذ مواقف سياسية تتعلق بالصراع الأوكراني؛ تداعيات هذه الحرب على الشرق الأوسط كانت متعددة ومعقدة، وأثرت على العلاقات الدولية والتوازنات الإقليمية، وحتى السياسات الداخلية للدول المحلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *