عودة ترامب وتأثيرات متعددة على الشرق الأوسط
يعتبر الشرق الأوسط منطقة حرجة على الصعيد العالمي، حيث يتداخل فيه مصالح دولية وتحديات أمنية وسياسية معقدة. في ظل هذه الخلفية، يعتبر ترامب من أكثر الرئيسين الأمريكيين تأثيرًا على المنطقة، ويُعرف بأنّه رئيس غير تقليدي، يتبنى سياسات خاصة به، ويميل إلى التصريحات غير المتوقعة.
ففوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب، في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2024، مثّل تحديًّا كبيرًا على الشرق الأوسط، وهو ما قد يؤدي إلى تغييرات محتملة في ظل الحروب المتفاقمة، وحالة عدم الاستقرار. وبالتالي، قد يؤدي إلى تصعيد الصراعات، وزيادة التوترات في المنطقة.
وخلال حملته الانتخابية، قدم ترامب تعهدات سياسية واسعة النطاق، وتعهد ترامب، حال عودته للبيت الأبيض، وفق نتائج الانتخابات الرئاسية، باتخاذ إجراءات بشأن قضايا عديدة.
ومن المتوقع أن يعيد تشكيل العلاقات الأمريكية، مع الدول العربية وإسرائيل وإيران، بالإضافة إلى تأثيراته على الصراعات الداخلية والتوترات الجيوسياسية.
وفي خطاب له تعهّد ترامب: “سأحكم بشعار بسيط: الوعود المقدمة، والوعود التي تم الوفاء بها، سنحافظ على وعودنا”. ويشير فوز ترامب إلى واحد من أهم الاضطرابات الكبيرة المحتملة، منذ سنوات عديدة، في نهج واشنطن تجاه الشؤون الخارجية، وسط الأزمات الحالية.
ومن أبرز التحدّيات التي قد تواجه الشرق الأوسط، بعد فوز ترامب برئاسة جديدة من خلال عدّة محاور أبرزها:
إيران والملف النووي
تعتبر إيران من أهم التهديدات الأمنية في الشرق الأوسط، خاصة بعد تطور برنامجها النووي وتوسعها الجيوسياسي. وإحدى أهم التحدّيات التي تواجه الشرق الأوسط هي الصراع مع إيران. خلال فترة رئاسة ترامب الأولى، أثّر بشكل كبير على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، من خلال سحب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018، وفرض عقوبات اقتصادية صارمة على طهران؛ ممّا أدى إلى حدوث توترات بين البلدين. فمن المحتمل أن يستمر في هذا المسار، ممّا سيزيد التوترات بين البلدين.
وعودة ترامب من المتوقع أن يعيد تطبيق العقوبات الاقتصادية، وأن يستمر في اتباع سياسة “الضغط الأقصى” على إيران، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية وتكثيف الضغوط، قد تؤدي إلى عدم استقرار اقتصادي أكبر داخل إيران، وقد تدفعها إلى تصعيد المواجهة، أو البحث عن دعم من القوى الأخرى، مثل روسيا والصين.
التطبيع العربي الإسرائيلي
من المرجّح أن يشجع ترامب مزيدًا من الدول العربية، على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، كما حدث خلال ولايته الأولى مع دول مثل الإمارات والبحرين. هذا قد يعزّز التعاون الأمني بين إسرائيل ودول الخليج، ويزيد من عزلة إيران، لكنّه قد يثير استياء بعض الشعوب العربية ،التي ترى في التطبيع خيانة للقضية الفلسطينية.
وقد يستمر في اتباع نهج غير تقليدي، تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بما يشمل الاعتراف بالمزيد من الأراضي الفلسطينية تحت سيادة إسرائيل، ودفع مزيد من الدول نحو التطبيع مع إسرائيل، دون حل للقضية الفلسطينية. وهذا قد يؤدي إلى غضب شعبي في الشارع العربي، ويزيد من عزلة السلطة الفلسطينية. وقد يسعى إلى تشديد الضغوط على الفلسطينيين لقبول حلول سياسية تقليدية. ومع ذلك، فإنّ هذا النهج قد يؤدي إلى تصعيد الأزمة وزيادة التوتر بين الأطراف المتنازعة.
ومن المحتمل أن يعزّز ترامب التزامه بدعم إسرائيل بشكل أكبر. وقد يتطلّع إلى تعزيز العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، عبر توفير المزيد من المساعدات العسكرية والاقتصادية، وربما من خلال توسيع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. هذا التوجه قد يزيد من التوترات مع الدول العربية، وخاصة الدول التي تدعم فلسطين.
وفي حديث مع الرئيس المشترك لمكتب العلاقات العامة في حزب الاتحاد الديمقراطي سيهانوك ديبو مع مركز إنشاء للمعلومات أوضح: أنّ من المهم جدًا هنا، عدم عد البرامج الانتخابي، أساسًا في تقييم أو استشراف سياسات أمريكا الجديدة، بعد فوز ترامب.
كما من المهم التمييز بين ترامب في عهد توليه الأولى والثانية. الأمور تتغير والمسائل كلها وفق التقدير العام، باتت في أمكنة متقدمة، لا يمتلك فيها أحد إلّا المضي فيها؛ لكنّ تبقى دائمًا الوسائل والطرق مختلفة.
لا يمكن لأي جهة أن تدرك، بأنّ الأربع سنوات القادمة، ستكون حاسمة في تاريخ المنطقة والعالم برمتها. ستتحدد فيها ملامح أقل تشابهًا مع نظيرتها السابقة من مناطق الشرق الأوسط. ولفهم هذه الجزئية، لننظر بشكل جدي فريق إدارة ترامب الجديدة، إنّها تحظى براديكالية ملفتة للأنظار. أعتقد ربما هي أولى التجارب التي يبدو بأنّ ترامب من خلالها، يريد الرسم منفردًا والتغريد وحيدًا، دون أي تدخل.
رغم كل شيء، هناك ملفات ثلاثة تبدو إلى درجة بعيدة محددات عامة، لا يمكن التخفيف منها بالنسبة لأي رئيس: ملف محاربة الإرهاب- داعش، إيران وملفها النووي. وقبلهما أمن إسرائيل. هذه الملفات مع ملفات أخرى سياسية، تقف وراء خطوط طاقة وممرات تجارية، أو لنقل بأنّ كليهما غير منفصلين عن الآخر.
العلاقات مع تركيا
تعد تركيا واحدة من الدول التي تنتظر الإدارة الجديدة للولايات المتّحدة، لتحديد مواقفها في العديد من الملفات، ذات الاهتمام المشترك بين الدولتين، والتي تمثّل نقاط التقاء أو افتراق بينهما.
وقد تشكل عودة ترامب دعمًا أكبر لتركيا، في ظل تعاونه السابق مع أردوغان، لكنّ العلاقات قد تتأثر بمصالح واشنطن الاستراتيجية في المنطقة، خاصة إذا استمرت تركيا في سياساتها في سوريا وليبيا وشرق البحر المتوسط، التي لا تتماشى دائمًا مع توجهات واشنطن.
العلاقات مع دول الخليج والمصالح الاقتصادية
ترامب في ولايته الأولى، كان له علاقات وثيقة مع الدول الخليجية، خاصة السعودية والإمارات. حيث قام بزيارات متكررة إلى المنطقة، وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني. بالإضافة إلى ذلك، قام بتعزيز العلاقات مع قطر والمملكة العربية السعودية، من خلال بيع أسلحة وتعزيز التعاون الأمني.
وقد يسعى ترامب الرجوع إلى تعزيز تلك العلاقات مع الدول العربية، التي تشكل حلفاء أمريكيين أكثر موثوقية. وقد يتطلع إلى تعزيز التعاون الأمني والعسكري مع هذه الدول، وربما حتى توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري. ومع ذلك، فإنّ هذا التوجه قد يثير مخاوف من زيادة الفوارق بين الدول العربية، وتأجيج الصراعات الإقليمية.
الصراعات الداخلية والتوترات الجيوسياسية
إنّ فوز ترامب قد يزيد من التوترات الجيوسياسية في شمال شرق سوريا، في ظل سياساته التي تهدف إلى تعزيز التواجد الأمريكي في المنطقة. وتُعتبر محورًا للتنافس الجيوسياسي والصراع المستمر منذ بداية أحداث 2011. فالولايات المتّحدة تحتفظ بوجود عسكري في شمال شرقي البلاد؛ بهدف تحقيق أهداف أمنية متعددة، من ذلك مكافحة تنظيم داعش، ومواجهة النفوذ الإيراني والروسي.
وفي بداية حكمه أبدى ترامب دعمًا لاستمرار الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، ولكنّ في ديسمبر 2018، أعلن سحب القوات الأمريكية من البلاد بشكل مفاجئ، معتبرًا أنّ التنظيم قد هُزم، ممّا أثار قلق حلفاء الولايات المتّحدة في المنطقة، والأطراف المتأثرة بالصراع، ليتراجع لاحقًا عن قراره، ممّا أظهر عدم استقرار السياسة الأمريكية في المنطقة.
وتبقى الأسئلة المتعلقة بمستقبل الوجود الأمريكي في الشمال السوري محط اهتمام كبير. وبرزت تساؤلات عديدة، حول كيفية تعامل الولايات المتّحدة مع الملف السوري، في ظل توجهات متباينة بين النهج الدبلوماسي، والمواقف التي قد يتخذه في هذا الشأن.
العلاقات الأمريكية اللبنانية
شهدت العلاقات الأمريكية مع حزب الله، توترات أمنية وعسكرية خلال فترة رئاسة ترامب، وكانت هناك حوادث متكررة تتعلق بالهجمات الصاروخية والتهديدات العسكرية على حزب الله في لبنان.
أحد أهم الجوانب التي شكلت موقف ترامب تجاه لبنان، هو تركيزه الكبير على التوجه الإقليمي في الشرق الأوسط. كان ترامب يعتبر أنّ التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط، يجب أن يكون محوريًا لسياسته، وهذا شمل العلاقات مع الدول المجاورة للبنان، مثل إسرائيل وسوريا وإيران، وكان يرى أن لبنان، بسبب موقعه الجغرافي وتنظيماته المسلحة مثل حزب الله، يمثل عاملاً حاسمًا في هذا التوازن.
كذلك، العلاقات مع إسرائيل، كانت أحد المحاور الرئيسية في سياسته الخارجية. حيث كانت أمريكا تدعم بشدّة إسرائيل، وهذا شمل التأييد المباشر لإسرائيل في مواجهة حزب الله والتنظيمات المسلّحة الأخرى في لبنان. فكان ترامب يرى أنّ حزب الله يمثل تهديدًا لأمن إسرائيل، وبالتالي، كانت سياسته تتجه نحو الضغط على لبنان، للحد من نفوذ حزب الله والتنظيمات المماثلة.
ومن ناحية أخرى، بسبب العلاقات الوثيقة بين إيران وحزب الله، كان ترامب يدعو إلى ضرورة الحد من الدعم الإيراني للبنان، وهذا شمل العقوبات الاقتصادية والسياسية التي تهدف إلى إبطاء تدفق الدعم الإيراني إلى لبنان.
في هذا السياق تحدثت السياسية الكردية، وممثلة مجلس سوريا الديمقراطية في واشنطن، سينم محمد، لمركز إنشاء للمعلومات، بخصوص تداعيات فوز ترامب على الشرق الأوسط، حيث قالت:
من السابق لأوانه أن نعرف السياسة الواضحة لـ ترامب في هذه الايام، مازالت التعينات لمن سيكون في إدارته لم تظهر بعد.
إنّما من المحتمل حسب قول ترامب أثناء حملته الانتخابية إنّه سيقوم في وقف الحروب في المنطقة. لكنّ الآلية لوقفها لم يتم كشفها بعد.
وأضافت: “نأمل أن يكون إنهاء الحروب في المنطقة، وإحلال السلام ، بدلًا عنها وهذه إحدى الأولويات في سياسته الخارجية.
وأخيرًا، نلاحظ أنّ السياسة الأمريكية تمثل الحراك الأساسي للشرق الأوسط، في ظل التوترات والتحديات التي تواجه المنطقة. لكنّ التوجهات الأمريكية المستقبلية في المنطقة، تثير العديد من التساؤلات، خاصة بعد التغيرات التي قد تطرأ على إدارة البيت الأبيض. ولا يمكن التعرف على توجهات دونالد ترامب الحقيقية؛ لأنّه لا يسير في مسارات متماسكة، وقد يتخذ خطوات غير متوقعة.