Thursday, 05 February 2026
اشترك

ممارسات الحكومة التركية ضد السياسة الديمقراطية

تعتبر الديمقراطية ركيزة أساسية في بناء المجتمعات الحديثة، حيث تتيح للأفراد التعبير عن آرائهم والمشاركة في صنع القرار. ومع ذلك، تواجه تركيا مشكلة كبيرة في الممارسات الديمقراطية وخاصة في السنوات الأخيرة، تتجلى هذه الممارسات في مجموعة من الإجراءات التي تتضمن تقييد حرية الصحافة وحرية التعبير،  وقمع المعارضين السياسيين والاعتقالات، وتعديل القوانين لتعزيز السلطة التنفيذية، ممّا يثير قلق المجتمع الدولي حيال تزايد قمع المعارضة.

وفقًا لاستطلاع مؤشر إدراك الديمقراطية 2021 الذي أجرته مؤسسة “لاتانا” بالتعاون مع “تحالف الديمقراطيات”، يعتقد 53% من الأتراك أنّ الديمقراطية متهالكة في البلاد. بالإضافة إلى ذلك، يعتقد 68% من الأتراك أنّ عدم المساواة الاقتصادية يمثل تهديدًا للديمقراطية، ويرى 53% أنّ الانتخابات غير عادلة وفاسدة ممّا يهدّد النظام الديمقراطي.

تتناول هذه الدراسة تحليل هذه الممارسات وتأثيرها على النظام الديمقراطي في تركيا، وكيف ساهمت في خلق بيئة سياسية تتسم بالاستبداد والرقابة. من خلال استكشاف هذه القضية، نهدف إلى تقديم فهم أعمق للتحديات التي تواجه الديمقراطية في تركيا اليوم.

 دور القوات المسلّحة والسياسة في تركيا

على مدى عقود وقفت المؤسسة العسكرية حجر عثرة أمام العملية الديمقراطية في تركيا، لعبت القوات المسلحة دورًا مركزيًّا في السياسة التركية، وعانت تركيا من انقلابات عسكرية متكرّرة، الأول سنة 1960 برئاسة الجنرال جمال جورسيل و38 ضابطًا، عندما تحوّلت تركيا إلى نظام تعدّدي حزبي عبر انتخابات، لكنّ عدم وجود الديمقراطية أدى إلى انقلاب عسكري، والثاني في سنة 1971 برئاسة ضباط موالون لحزب الشعب، والثالث سنة 1980 برئاسة الجيش بقيادة كنعان إيفرين، والرابع سنة 1997 بقيادة قيادة الجيش، حيث قام الجيش بإخراج الدبابات إلى الشوارع في أنقرة، ليضطّر رئيس الوزراء نجم الدين أربكان إلى الاستقالة، قبل أن يصل الجيش إلى مقر رئاسة الحكومة، فيما أجهضت محاولة الانقلاب الخامس في عام 2016، الذي كان بقيادة ضباط ينتمون لجماعة غولن، حيث أدّت إلى فترات من الحكم العسكري القاسي، والتأثير في الحكومة والسيطرة على الحياة السياسية، ممّا أثر سلبًا على الديمقراطية وحريّة التعبير.

تأسيس الجمهورية التركية ونظام أتاتورك العلماني: فبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية بنهاية الحرب العالمية الأولى، قاد مصطفى كمال (أتاتورك)، حركة قومية أدت إلى تأسيس الجمهورية التركية في 1923. ألغى أتاتورك السلطنة، وأسّس نظامًا علمانيًّا ودستورًا جديدًا في عام 1924، ممّا غيّر هوية الدولة.

وشهدت القوانين تعديلات لتعزيز السلطة التنفيذية، خاصة في ظل إدارة حزب العدالة والتنمية، وزعيمه رجب طيب أردوغان. أبرز هذه التعديلات جاء مع تغيير النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي في عام 2017، وهو ما أتاح للرئيس صلاحيات واسعة، تشمل إصدار المراسيم الرئاسية، والإشراف المباشر على الوزارات، وتعيين قادة الأجهزة الأمنية والقضائية، بالإضافة إلى تعيين كبار المسؤولين التنفيذيين، بدون الرجوع إلى البرلمان. وهذا ما أدى إلى تراجع الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويرى البعض، أنّ تأثير شخصية رئيس الحزب رجب طيب أردوغان على صناعة القرارات واتخاذها، مركزية شديدة وتصدر الفردية على المؤسسة. كما أنّ الحزب يعتمد على تحالفه، مع حزب الحركة القومية لتعزيز نفوذه، ما يجعله أقل عرضة للمساءلة السياسية.

في السنوات التي تلت محاولة الانقلاب، استخدمت الحكومة حالة الطوارئ كحجة لقمع المعارضة. تم اعتقال عشرات الآلاف من الأشخاص، بما في ذلك أكاديميون، صحفيون وعناصر من المجتمع المدني، ممّا أدى إلى بيئة من الخوف والرقابة.

لا يمكن الجزم، إذًا، بأنّ صفحة الانقلابات العسكرية في تركيا، قد طويت تمامًا، حيث أنّ ذلك يرتبط بمدى ترسيخ الاستقرار في الداخل، وحل المشكلتين الكردية والعلوية، وهو ما لم يحصل بعد.

تقييد حرية الصحافة وقمع الحريات المدنية

لطالما كان موضوع حرية التعبير في تركيا مسألة شديدة الخطورة؛ إذ لا يمكن تجاهل التحديات والممارسات، التي تهدّد هذا الحق الأساسي، ويجب مواجهتها بحزم ودون تهاون. فقد لحقت بتركيا سمعة سيئة للغاية؛ إذ قالت “لجنة حماية الصحفيين” إنّ البلد بات أكبر سجَّان للصحفيين في العالم. إلى جانب أنّ السلامة الجسدية للصحفيين في تركيا، عرضة للخطر.

بعد احتجاجات جيزي عام 2013، أصبح الإنترنت جبهة جديدة للصراع على حرية التعبير في تركيا. اعتبر أردوغان “منصة “X “تهديدًا للمجتمع”. توسّعت صلاحيات الرقابة دون حاجة لإذن قضائي، بعد تعديل القانون رقم 5651 الخاص باستخدام الإنترنت، وأصبحت الاعتقالات بين الصحفيين روتينية، حيث تم سجن 117 صحفيًا، واعتقال 86 آخرين، بتهم غير مرتبطة مباشرة بالانقلاب.

وفي سبتمبر، أيّدت محكمة النقض التركية، الحكم بالسجن المؤبّد بحق الناشط عثمان كافالا، وأحكامًا بالسجن لمدّة 18 عامًا على آخرين، لدورهم المزعوم في احتجاجات جيزي، رغم سلمية الاحتجاجات. كانت القضية موضع تدخل سياسي ملحوظ من إدارة أردوغان، مع تجاهل لقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، الداعية للإفراج عن كافالا. كما استمر احتجاز محامي حقوق الإنسان جان أتالاي، رغم فوزه بمقعد برلماني.

وتواصل السلطات استخدام تهم الإرهاب، لملاحقة المدافعين عن حقوق الإنسان، بمن فيهم المحامون الذين يمثلون المتهمين في قضايا مماثلة. كما أغلقت الحكومة عدّة وسائل إعلامية، وشملت الإغلاقات، محطات تلفزيونية ووكالات أنباء وصحفًا ومجلات ومحطات إذاعية. وصادرت ممتلكات عدد من رجال الأعمال، المرتبطين بجماعة غولن، التي يعتبرها أردوغان “وكرًا للإرهاب” ومسؤولة عن محاولة الانقلاب العسكري في 15 يوليو/تموز 2016..

بعد انقلاب عام 2016، تضاعفت القيود على الصحفيين الذين يتناولون قضايا حساسة، حيث تتعرض حرية التعبير في تركيا لهجوم مستمر ومتزايد؛ يواجه أكاديميون، صحفيون وكتاب ينتقدون الحكومة، الإحالة إلى التحقيق الجنائي، ومواجهة الملاحقة القضائية، والترهيب والمضايقة والرقابة. واقترن ذلك بإغلاق  180 وسيلة إعلامية على الأقل. فالرسالة التي أرادت السلطات إيصالها، وما ترتب عليها من تأثير على وسائل الإعلام واضحة ومقلقة؛ إذ إنّ شدّة القمع الذي تمارسه الحكومة على حق وسائل الإعلام، جعلت البعض يصفون ما يحدث بأنّه “موت الصحافة”.

 فقد اتّهم صحفيان بارزان، “جان دوندار” و”إردم جول”، بالتجسّس، بعد نشر تقرير صحفي يزعم تورّط المخابرات التركية، في نقل أسلحة إلى سوريا. ويعيش دوندار حاليًّا في الخارج، بينما تواجه زوجته قيودًا على السفر.

وقد تأثر القطاع الأكاديمي كذلك؛ إذ يتعرض أكاديميون وقعوا على بيان، يدعو لإنهاء الصراع مع حزب العمال الكردستاني، للتحقيق والفصل من وظائفهم. وأحصت لجنة حماية الصحفيين، حالة قتل بقضية متعلقة بوسائل الإعلام، وهي مقتل قادر بايدو، الذي أُطلق عليه الرصاص في أضنا، أثناء توزيعه صحيفة “آزادي” اليومية. وتم إجبار أكثر من 1500 عميد جامعي على الاستقالة، بينما تتعالى الأصوات في الخارج للتعبير عن القلق، بشأن حرية الأكاديميين في تركيا. حيث تخلط السلطات التركية بين دعم القضية الكردية والإرهاب ذاته. عندما يتعلّق الأمر بالصحفيين الكرد، يعتبرون نشاطات جمع الأخبار، مثل تقديم النصائح والتغطية الإعلامية للاحتجاجات وإجراء المقابلات، دليلًا على ارتكاب جريمة.

كما حكمت سلطات الحكومة التركية مؤخرًا على “جسيم باشبوكا”، وهو مدرس في جمعية الثقافة في سرحد، بالسجن لمدّة عام وخمسة عشر يومًا، لتأليفه أغنية كردية.

وفي استهداف آخر، في 2024-08-25 من قبل الطائرات المسيّرة التركية، في منطقة سيد صادق قرب السليمانية، أودت بحياة إعلاميّتين هما كلستان تارا وهيرو بهاء الدين، أثناء قيامهما بتصوير برنامج تلفزيوني، بالإضافة الى إصابة عدد آخر من الصحفيين بجروح متفاوتة. وطالبت منظمة الأمّم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، بإجراء تحقيق قوي في هذه القضية.

يشمل القمع أيضًا تقييد حرية التعبير والتجمع، حيث تم استخدام القوانين للتضييق على المحتجين والناشطين. كما طوّرت اتصالات مع مجموعات إعلامية، واستخدمت تدابير إدارية وقانونية، بما في ذلك بـ إحدى الحالات (ضريبة بقيمة مليار)، ضد المجموعات الإعلامية الناقدة والصحفيين الناقدين. القوانين المتعلقة بالإرهاب غالبًا، ما تُستخدم ضد الأشخاص الذين يعبرون عن آرائهم، ممّا أدّى إلى قمع الفضاء المدني.

باختصار، يمكن لكتابة مقال أو إلقاء خطاب، أن يؤدي إلى قضية محاكمة والدخول إلى السجن، فترة طويلة للعضوية أو قيادة منظمة إرهابية. إلى جانب ذلك، من الممكن أن يؤدي ضغط مسؤولو الحكومة على الصحافة، واحتمالية طرد الصحفيين الناقدين، إلى رقابة ذاتية واسعة النطاق.

التأثير على النظام القضائي

أصبح النظام القضائي في تركيا، مُسيَّسًا بشكل متزايد، حيث تم استبدال القُضاة غير الموالين بحلفاء للحكومة، ممّا أثّر على استقلالية القضاء وثقة المواطنين فيه. وتعتبر هذه الخطوة من بين الممارسات، الأكثر ضررًا على النظام الديمقراطي.

التعذيب وسوء المعاملة في الحجز

منذ عام 2016، نادرًا ما تُجرى تحقيقات جادّة، بشأن التعذيب وسوء المعاملة في مراكز الاحتجاز بتركيا، مع انخفاض محاسبة الجناة. عقب زلازل فبراير، أفادت تقارير بضرب الشرطة والدرك، لأشخاص تحت ذريعة النهب، حيث توفي رجل بعد تعرضه للتعذيب أثناء احتجازه. كما تلقى لاجئون سوريون معاملة سيئة من الشرطة، إلى جانب تقارير عن سوء معاملة المهاجرين في مراكز الترحيل، وإطلاق النار عليهم أثناء محاولتهم العبور إلى تركيا من سوريا.

هل هناك علاقة بين تصريحات بهجلي ضد أوجلان والملاحقات القضائية المتزايدة ضد السياسيين الكرد، وكيف يؤثر ذلك على الديمقراطية في تركيا؟

بخصوص العلاقة بين تصريحات بهجلي وتأثيرها، قال الصحفي والباحث المتخصص في الشأن التركي محمد أبو سبحة من خلال مكالمة هاتفية لمركز إنشاء للمعلومات: “بلا شك، قد تكون هناك علاقة كبيرة، وعلينا أن نفهم أنّ تركيا، ليست على قلب رجل واحد، وإنّما هناك أطراف متصارعة. القضية التي طرحها تحالف الشعب الحاكم، بشأن تسوية القضية الكردية، وحل أزمة حزب العمال الكردستاني، مقابل الإفراج عن زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، التي طرحت على لسان دولت بهجلي، بلا شك لا تتفق عليها جميع الأطراف في تركيا، مشيرًا إلى أنّ هناك طرفًا قويًّا ومهمًّا جدًّا، لا يزال على الساحة بشكل واضح، لكنّه موجود في الخفاء… وهو تنظيم أرجنيكون، الذي يعني الدولة العميقة في تركيا. قد يكون للدولة العميقة رأي آخر في موضوع تسوية الأزمة الكردية المطروحة، الذي قدمه أردوغان على لسان دولت بهجلي، وأعلن تأييده بشكل واضح، ممّا يثير حفيظة الدولة العميقة في تركيا من وجهة نظري.

لذلك، قد نرى تحركات متسارعة، وحدوث بعض العمليات الإرهابية بعد فترة من الجمود، وتحريك ملفات بعض القضايا ضد السياسيين الكرد، بعد تجميدها لسنوات. كل هذا رد فعل على الطرح، الذي قدمه تحالف الشعب الحاكم، والذي أرى أنّه لا يتم فيه إشراك أطراف أخرى بشكل مباشر، حيث بدا السياسيين المعارضين، مثل أعضاء حزب الشعب الجمهوري، متفاجئين بهذا الطرح، وأعتقد أنّهم لم يكونوا على علم به، ولم تجرِ أي مفاوضات بشأنه.

الدولة العميقة في تركيا، لا تريد إشراك السياسيين الكرد في السلطة، ولا تمتعهم بالحقوق التي ينادون بها؛ لذلك هناك حرص على أن يكون هناك صراع دائم ما بينهم وبين الدولة. هذا الصراع وجد قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، وقد أُجبر الحزب الحاكم، على ألّا يتوصل إلى حل لهذه القضية، وكانت هناك محاولات سابقة في عام 2015، لحل الأزمة الكردية، ولكن كما نعلم، تم تجميدها. أردوغان يريد طرح القضية مجددًا، فيما يعتبره ولايته الأخيرة في السلطة، ليخرج من الحكم بإنجاز كبير مثل هذا الإنجاز”.

هل يواصل أردوغان تنفيذ سياسات استبدادية ضد التعددية السياسية في تركيا؟

في عام 2001، ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، شهدت تركيا سياسات جديدة تستهدف الكرد، ليعود أردوغان، بتحالفه مع الحركة القومية في عام 2015، إلى إحياء مبادئ دستور 1924، التي تركز على القومية التركية. وخلال فترة حكم أردوغان، شهدت البلاد عمليات اعتقال وقمع واسعة، بحق الممثلين الكرد في البرلمان، حيث تم زجّهم في السجون، وتم فرض سياسات تعيين أوصياء بدلاً من رؤساء البلديات المنتخبين. وممّا يؤسف له، أنّ البوادر توحي، بأنّ أردوغان ماضٍ في مخططه الاستبدادي.

ففي الأيام الأخيرة، قامت الحكومة التركية، بتصعيد الإجراءات ضد البلديات المحليّة، مستمرة في فرض قيود شديدة على الأحزاب والنشطاء الكرد. هذا التصعيد يأتي في سياق متوتر، يتضمن محاولات عزل المسؤولين الكرد المنتخبين، واستبدالهم بوكلاء حكوميين تابعين لحزب العدالة والتنمية، كما جرى في مدينة وان، حيث تم استبعاد المرشح الكردي عبد الله زيدان، بعد فوزه بالانتخابات المحليّة. قوبِلت هذه الخطوات بموجة من الاحتجاجات، حيث واجه المتظاهرون عنفًا من قوات الأمن، وتم استخدام الغاز المسيل للدموع لتفريقهم.

على هذا الأساس، نرى بأنّ تركيا شهدت تزايدًا في السلطة التنفيذية، على حساب السلطات الأخرى، ممّا قلّص من مساحة المعارضة، وأضعف النظام الديمقراطي، خصوصًا بعد التحوّل إلى النظام الرئاسي في 2018. ومن أجل تحسين الوضع الديمقراطي في تركيا، يتطلب تعزيز الحريّات وحقوق الإنسان، ضمان سيادة القانون، وتحقيق توازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وإجراء حوار وطني شامل، يضم كافة الأطياف السياسية والأحزاب، لبحث آليات تعزيز الديمقراطية، والعمل على المصالحة الوطنية، التي تعيد الثقة بين المواطنين والنظام السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *