Thursday, 05 February 2026
اشترك

نزاع الصحراء الغربية.. لا حل في الأفق

نزاع الصحراء الغربية هو أحد أطول النزاعات الإقليمية في العالم، ويعود إلى منتصف القرن العشرين, وهو نزاع بين المملكة المغربية وجبهة البوليساريو، المدعومة من الجزائر. المنطقة المتنازع عليها، تمتد على ساحل شمال غرب أفريقيا، وتبلغ مساحتها حوالي 266,000 كيلومتر مربع، وتسيطر البوليساريو على 30 بالمائة تقريبًا من أراضي المنطقة، أما نسبة الـ 70% المتبقية، فهي تحت السيطرة المغربية, يعيش حوالي 40% منهم في مدينة العيون، التي تسيطر عليها المغرب، وهي أكبر مدينة في الصحراء الغربية. وتتسم الصحراء الغربية بموارد طبيعية وفيرة، خاصة الفوسفات والثروة السمكية. يعود النزاع إلى فترة الاستعمار الإسباني، وبعد انسحاب إسبانيا في 1975، تم تقسيم الإقليم بشكل غير رسمي بين المغرب وموريتانيا، لكنّ جبهة البوليساريو أعلنت حينها، استقلال الصحراء الغربية باسم “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”.

الخلفية التاريخية للنزاع

بدأ النزاع بشكل فعلي بعد انسحاب إسبانيا، حيث تم إبرام اتفاق مدريد عام 1975، بين إسبانيا والمغرب وموريتانيا. وقد تم اعطاء المغرب، السيطرة على ثلثي المنطقة الشمالية، بينما أخذت موريتانيا الثلث الجنوبي.

 في أعقاب انسحاب إسبانيا، قامت محكمة العدل الدولية بإصدار حكم، أكّدت فيه أنّ هناك صلة تاريخية بين القبائل الصحراوية والمغرب، لكنّها أوضحت أيضًا، أنّ هذا لا يلغي حق السكان في تقرير مصيرهم.

وتم توقيع اتفاقية لتقسيم الصحراء الغربية بين المغرب وموريتانيا، وهو ما أثار غضب جبهة البوليساريو، التي أعلنت الكفاح المسلّح وأعلنت قيام الجمهورية الصحراوية. موريتانيا انسحبت عام 1979 نتيجة الضغط العسكري من البوليساريو, لتستمر المواجهة بين المغرب وجبهة البوليساريو. منذ ذلك الوقت، استمرّ النزاع بشكله السياسي والعسكري على حد سواء، إلى أن تم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في عام 1991، تحت رعاية الأمّم المتّحدة.

مواقف الأطراف الرئيسية في النزاع

النزاع حول الصحراء الغربية معقد، ومتشابك الأطراف، وتشمل المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر، إضافةً إلى المجتمع الدولي الذي يراقب النزاع منذ عقود، ويحاول الوصول إلى تسوية سلمية. لكنّ لكل طرف من هذه الأطراف، موقف محدّد ومصالح خاصة:

المغرب

يصر المغرب على أنّ الصحراء الغربية، هي جزء لا يتجزأ من أراضيه، ويعتبر سيادته عليها حقًا تاريخيًا، يمتد لعصور قبل الاستعمار الإسباني. ويستند في ذلك إلى قرارات تاريخية، تعترف بالعلاقات التاريخية بين القبائل الصحراوية والدولة المغربية، وتعتبر الرباط أنّ أي محاولة لفصل المنطقة عنها، غير مشروعة.

في محاولة لحل النزاع، قدّم المغرب عام 2007 مبادرة الحكم الذاتي، التي تقترح أن تتمتع المنطقة بحكم ذاتي موسع، تحت السيادة المغربية. وتعتبر هذه المبادرة موقفًا رسميًّا للمغرب منذ ذلك الوقت، ويرى فيها حلًا سياسيًّا واقعيًّا يحافظ على سيادة المغرب، ويمنح سكان المنطقة بعض الحكم الذاتي، لإدارة شؤونهم المحليّة, لكنّ لا تزال هناك معارضة من بعض الجهات، مثل جبهة البوليساريو، التي تطالب بالاستقلال الكامل للصحراء.

وقد حصل المغرب على دعم دولي كبير لمبادرته، وشهد تطورًا كبيرًا بعد اعتراف الولايات المتّحدة، بمغربية الصحراء في 2020, كذلك، قامت بعض الدول بفتح قنصليات، في مدينتي العيون والداخلة بالصحراء الغربية، فتح هذه القنصليات يعكس دعمًا سياسيًّا، واعترافًا ضمنيًّا، بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، ويعزّز موقفه في النزاع حول هذه المنطقة.

-جبهة البوليساريو

جبهة البوليساريو، وهي الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، تأسّست في سبعينيات القرن الماضي، بهدف تحرير الصحراء من الاستعمار الإسباني، لكنّها بعد انسحاب إسبانيا، استمرّت في الكفاح من أجل استقلال الصحراء عن المغرب. وتعتبر البوليساريو أنّ الصحراء الغربية أرض محتلّة، وتسعى لتأسيس “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” كدولة مستقلة.

تطالب الجبهة، بإجراء استفتاء حول تقرير المصير، بحيث يتيح للسكان الصحراويين، اختيار الاستقلال أو الاندماج مع المغرب، وتدعمها في ذلك الجزائر وبعض الدول الأفريقية. ورفضت البوليساريو مرارًا، مبادرة الحكم الذاتي المغربية، معتبرةً إياها غير كافية، لتحقيق طموحات الصحراويين في الاستقلال التام.

وتحظى جبهة البوليساريو بدعم من الجزائر، التي تعتبر الصحراء الغربية قضية تصفية استعمار، كما تلقّت دعمًا من عدّة دول، ومنظمات تدعو لتقرير المصير. ومع ذلك، تراجع الدعم الدولي بعض الشيء، نتيجة لمواقف بعض الدول، التي بدأت تميل إلى الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء.

 -الجزائر

 تعتبر الجزائر النزاع في الصحراء الغربية، قضية مبدئية مرتبطة بحق الشعوب، في تقرير المصير وتصفية الاستعمار؛ ولذلك، فإنّها تقدم دعمًا سياسيًّا ولوجستيًّا كبيرًا لجبهة البوليساريو، وتؤوي قادتها وعددًا كبيرًا من اللاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف. يشكل هذا النزاع، عنصرًا حاسمًا في العلاقات المتوترة، بين الجزائر والمغرب. ورفض الجزائر إقامة علاقات دبلوماسية أو اقتصادية مع المغرب، طالما بقي النزاع حول الصحراء الغربية بدون حل، يضمن تقرير المصير للصحراويين.

تدعو الجزائر إلى احترام قرارات الأمّم المتّحدة، التي تؤكد حق الصحراويين في تقرير مصيرهم، من خلال استفتاء شعبي، وترفض مبادرة الحكم الذاتي المغربية، معتبرةً إياها حلًا منقوصًا. وتستند الجزائر في موقفها إلى مبدأ رفض الاحتلال، وحق تقرير المصير للشعوب المستعمرة.

وفي حديث لمركز إنشاء للمعلومات مع الكاتب الجزائري, أحمد بوداود, أوضح بأنّ المسألة في الصحراء الغربية هي: “حديث واضح وصريح، ويستند إلى مرتكزات قانونية وفق القانون الدولي، ويستند إلى مرتكزات تاريخية وفق التاريخ ومستندات جغرافية، فمن الواضح والصريح أنّه احتلال. اذا تحدثنا تاريخيًّا، لا توجد هنالك أي وثيقة، تثبت فيها أنّ هذه الأرض تابعة للمغرب، بل على العكس من ذلك, كل الوثائق بما فيها التي أمضتها المغرب وحكومة المغرب، وأمضاها الملك حسن الثاني، ابتداءً من تصفية الاستعمار والاستقلال، التي شهدته أفريقيا، والمعاهدة التي أقرّها الاتحاد الافريقي، و أمضت عليها كل الدول الأفريقية بما فيها المغرب، لترسيم الحدود حتى لا تكون هنالك نزاعات، وكانت الصحراء الغربية دولة, المملكة المغربية بحد ذاتها، كانت تاريخيًّا تابعة لحكم المرابطين في موريتانيا، هذا إذا كان على أساس السند التاريخي”.

الكاتب أحمد بوداود

وأوضح بأنّ: “المغرب وبعض حكوماتها، ينادون ليس فقط بالصحراء الغربية, المغرب لها أطماع توسّعية مدعومة من الغرب ومن الصهيونية, الآن في خرائطها، تضم تلمسان الجزائرية, وأضرار الجزائرية, و بشار الجزائرية وقالوها علنا, قالها الريسوني وقالها أعضاء حكوماتهم, لذلك فهي استفزازات ولن تتحقق عبر مر التاريخ”.

وفي حق أصحاب الأرض في تقرير مصيرها قال: “الأرض ملك لأصحابها, إذا كانت حكومة المملكة المغربية، تدّعي فعلًا إنّها أرضها جغرافيًّا, الأرض يحكمها أصحابها والأرض لشعبها, الامّم المتّحدة أقرّت حق تقرير المصير, فإذا كانت تعتقد ذلك لماذا تأخره؟ لأنّها تدري قناعةً، أنّ هذا الشعب يريد تحقيق مصيره, يريد حريّته فهي أرض مغتصبة، وهي أرض تعود لأهلها، وبذلك نقول بأنّ الحق لا يتجزأ”.

جهود الأمّم المتّحدة

تدير الأمّم المتّحدة عملية الوساطة منذ عام 1991، عندما تم توقيع وقف إطلاق النار بين المغرب والبوليساريو، وتم إنشاء بعثة المينورسو (بعثة الأمّم المتّحدة، لتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية). ومع ذلك، تعثّرت عملية الاستفتاء عدّة مرات، بسبب الخلافات بين الطرفين، حول من يحق له التصويت، ممّا أضعف فرص تحقيقه.

بقي النزاع في حالة جمود لعقود، فيما استمرّ مجلس الأمن في إصدار قرارات دورية، تمدّد ولاية بعثة المينورسو، وتدعو الأطراف إلى استئناف الحوار, وتتمثل خطة الأمّم المتّحدة في السعي، لحل تفاوضي سلمي، يمكن أن يتّفق عليه الطرفان، دون انحياز لأي طرف. ورغم تعيين مبعوثين دوليين لحل النزاع، إلّا أنّ الجهود لم تصل حتى الآن إلى حل نهائي، ويستمر الجمود السياسي في ظل تغيّرات إقليمية ودولية.

التطورات الأخيرة

في السنوات الأخيرة، شهدت منطقة الصحراء الغربية تطورات دبلوماسية مهمّة، حيث قامت العديد من الدول بفتح قنصليات في مدينتي العيون والداخلة, منها الإمارات العربية المتّحدة، الأردن، ساحل العاج، زامبيا وغينيا بيساو. يُعدّ هذا الدعم، جزءًا من تحوّل في المواقف الدبلوماسية، تجاه قضية الصحراء الغربية، حيث تزايد عدد الدول، التي تعترف بسيادة المغرب عليها، أو تدعم جهوده لإيجاد حل سياسي للنزاع، في إطار مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها.

كما أنّ الاعتراف الأمريكي، بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، الذي أعلنه الرئيس دونالد ترامب ضمن ولايته السابقة في ديسمبر 2020، كان حدثًا مفصليًّا، عزّز من مكانة المغرب في هذا الملف. هذا القرار الأمريكي أعطى دفعة كبيرة للمغرب، ممّا شجع دولًا أخرى، على اتخاذ خطوات مماثلة. وهذا الاعتراف كان كجزء من اتفاق التطبيع بين المغرب وإسرائيل. حيث أثارت هذه الخطوة، ردود فعل دولية متباينة، حيث اعتبرها المغرب انتصارًا دبلوماسيًّا، بينما رفضتها جبهة البوليساريو والجزائر.

الاعتراف الفرنسي بسيادة المغرب على الصحراء

في يوليو 2024، اعترفت فرنسا رسميًّا بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، من خلال رسالة بعثها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون إلى الملك محمد السادس. اعتبر ماكرون، أنّ الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، هو الحل الوحيد المقبول لحل النزاع، مشيرًا إلى أنّ دعم فرنسا لمقترح المغرب منذ 2007 واضح ومستمر. يأتي هذا الموقف في إطار تحوّل دبلوماسي فرنسي مهم، يعزّز العلاقات بين البلدين، ويدعم توجّهات المغرب للتنمية في المنطقة.

وفيما يتعلق بموضوع اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، قال الدكتور محمد صادق لمركز إنشاء للمعلومات: “يمثّل دعم للمملكة المغربية، ويمثّل مساندة لما يتعلق بالحق المغربي، الذي تقول المغرب بأنّه حقها في أرض الصحراء الغربية, لكنّي اعتقد بأنّ الاعتراف الفرنسي، يمكن أن يعطي نوع من التعاون السياسي أو زخم سياسي مع المملكة المغربية، لكنّ على الصعيد الدولي، فيما يتعلق بآليات الأثبات الفعلية، إذا عدنا إلى قواعد القانون الدولي، نعتقد أنّ القانون الدولي، يتحدث بأنّ في حال النزاع بين دولتين، أو بين دولة وأخرى على أرض معيّنة، أو حدود معيّنة يتم اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، للفصل في المنازعات وبالتأكيد يتم الرجوع هنا إلى خرائط، ويتم العودة الى مسائل خاصة في اثبات ملكية، أو اثبات تبعية الأرض، لكل من سواء المملكة المغربية أو الجزائر أو حتى الصحراء الغربية”.

وبخصوص حل هذا النزاع أوضح الدكتور محمد صادق بأنّه: “في نهاية الأمر أتخيل أنّ حل النزاع من خلال اللجوء الى التحكيم الدولي، هو الشيء الأكثر حكمة، والأعلى تقديرًا، فيما يتعلق بحل هذا النزاع”.

د. محمد صادق

وقد أثار الاعتراف الفرنسي ردود فعل متباينة؛ إذ استنكرت الجزائر وجبهة البوليساريو القرار، معتبرةً أنّه يتعارض مع الدعوات الأمّمية لإجراء استفتاء تقرير المصير. كما أدى ذلك إلى توتر في العلاقات بين باريس والجزائر، التي اعتبرت الموقف الفرنسي دعمًا لـ”احتلال” الصحراء.

أدى الاعتراف الفرنسي الأخير، بالسيادة المغربية على الصحراء لتداعيات, أولها وأهمها هو توتر العلاقات مع الجزائر، حيث قرّرت الجزائر سحب سفيرها في باريس, وذلك على الرغم من تواتر تقارير إعلامية، عن إعلام باريس للجزائر بشكل مسبق، بمضمون قرارها.وأعلنت جبهة البوليساريو، استبعاد فرنسا من أي مبادرة لوضع حد “للاستعمار في الصحراء”.

في النهاية يظل نزاع الصحراء الغربية قضية معقّدة، ذات أبعاد تاريخية وسياسية واقتصادية. ومع أنّ جهود الأمّم المتّحدة مستمرّة للتوصل إلى حل سلمي، فإنّ الجمود السياسي والمواقف المتباينة، يعوقان إحراز تقدم. الحل الأمثل يكمن في مواصلة الحوار بين الأطراف، وتعزيز الثقة المتبادلة، للوصول إلى تسوية تضمن حقوق السكان في حق تقرير المصير، وتحافظ على استقرار المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *