الصراع المستمر في غزة: التحديات الإنسانية والتأثيرات الإقليمية والحلول
شهدت العمليات العسكرية على الجبهة الجنوبية أو في قطاع غزة في الأيام الأخيرة تصعيدًا ملحوظًا ومستمرًا, وجاء ذلك بالتزامن مع تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، الذي أشار إلى إنهاء القتال في قطاع غزة، قد لا يعني توقف المواجهات المستمرة على الحدود اللبنانية، في الوقت الذي يحاول رئيس الوزراء نتنياهو إلى استمرار الحرب، لتحقيق الأهداف التي تتخلص في إنهاء حماس وتحرير الأسرى واستمرار السيطرة الأمنية، على أي مشهد لليوم التالي.
وفي تصريحات سابقة، أشار غالانت إلى أنّ التوصل إلى اتفاق هدنة مع حركة «حماس»، يسمح بتحرير الأسرى في غزة، يمثل فرصة استراتيجية لإسرائيل، لتحسين الوضع الأمني على مختلف الجبهات. وأكّد أنّ إعادة الأسرى هو الأمر الصحيح الذي يجب فعله.
كما زعم غالانت أنّ «حماس» كقوة عسكرية لم تعد موجودة، وأنّها الآن تخوض حرب عصابات.
ورغم العديد من الجولات، إلا أنّه لم يتحقق اتفاق لوقف الحرب في غزة، وذلك لعدّة عوامل، أهمها اصرار كل طرف على اعتبار أنّه المنتصر، إضافة إلى التدخلات والأجندات الإقليمية والدولية الموجودة، بل تمدّدت الحرب إلى الجنوب اللبناني والضفة الغربية، ومن الممكن أن تتصاعد وتيرتها.
في الوقت الذي تستمر فيه المواجهات مع «حزب الله» والاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان، يواصل الجيش الإسرائيلي حربه في قطاع غزة منذ أكتوبر الماضي، مرتكبًا مجازر ضد الفلسطينيين، وخاصة في أماكن إيواء النازحين مثل المدارس. وفي المقابل، تواصل حماس تنفيذ عملياتها العسكرية ضد القوات والمعدات الإسرائيلية في غزة.
خلال الأيام الماضية، تم ارتكاب مجزرة في وسط قطاع غزة في مدرسة الجاعوني، التي تديرها وكالة الأونروا، ممّا أسفر عن مقتل 6 من موظفيها و18 فلسطيني، وغيرها من المجازر.
خلاف الانسحاب والهدنة
أحد أبرز نقاط الخلاف هو مطالبة حركة حماس بإنهاء الحرب، التي دامت قرابة عام، إلى جانب انسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة.
من جهة أخرى، طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، خلال الأسابيع الأخيرة قضية خلافية جديدة، مؤكّدًا أنّ إسرائيل يجب أن تبقى متمركزة في ممر استراتيجي، على طول حدود غزة مع مصر لفترة غير محددة.
وفي تصريح نقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية، أشار غالانت إلى إمكانية انسحاب إسرائيل من هذا الممر لمدة 6 أسابيع، بهدف السماح بتحرير الرهائن، دون تعريض أمن إسرائيل للخطر.
وأفادت تقارير بأنّ مواجهة حادة نشبت بين نتنياهو وغالانت، في اجتماع مجلس الوزراء الأخير، حيث أيّد غالبية الوزراء موقف نتنياهو.
الخطة المقترحة لوقف إطلاق النار، التي تقودها الولايات المتحدة، تتكون من ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: تشمل وقف العمليات العسكرية لمدة 6 أسابيع، يتم خلالها إطلاق سراح بعض الرهائن الـ70، الذين يُعتقد أنّ حماس ما زالت تحتجزهم.
بالمقابل، ستقوم إسرائيل بإطلاق سراح عدد من الأسرى الفلسطينيين، وستسحب قواتها من المناطق المأهولة في فلسطين، ممّا يتيح للنازحين في غزة العودة إلى منازلهم. إضافةً إلى ذلك، ستسمح إسرائيل بتدفق كميات كبيرة من المساعدات الإنسانية الضرورية.
وفي بيان له يوم الاثنين، قال جون كيربي، المتحدث باسم الأمن القومي الأمريكي، إنّ حماس طلبت إجراء تغييرات على الاقتراح، واعتبر ذلك “العائق الرئيسي” أمام التوصل إلى اتفاق.
حماس رفضت هذه الاتهامات، معتبرةً تصريحات كيربي “عارية عن الصحة”، وأعادت اتهام الولايات المتحدة بعرقلة الجهود، بسبب دعمها المستمر لإسرائيل.
ما هو محور فيلادلفيا؟
يمتد الشريط الحدودي بين مصر وقطاع غزة، والذي يُعرف بمحور صلاح الدين من الجانب الفلسطيني والمصري، وفيلادلفيا من جانب إسرائيل على طول حوالي 14 كيلومترًا. يبدأ هذا الشريط من الساحل الشمالي الغربي للبحر المتوسط، ويصل إلى قرب معبر كرم أبو سالم، الذي تسيطر عليه إسرائيل في الجانب الجنوبي الشرقي.
لطالما كان تأمين هذا الشريط الحدودي، أولوية كبيرة بالنسبة لإسرائيل، قبل انسحابها من قطاع غزة في عام2005.
خلال عملية الانسحاب من غزة في 2005، أبرمت إسرائيل اتفاقًا مع مصر، يسمح بوجود قوة حرس حدود مصرية، تتألف من 750 فردًا، لمكافحة التهريب والمسلحين في المنطقة الحدودية. بعد ذلك، تولّت السلطة الفلسطينية، مسؤولية إدارة الجانب الفلسطيني من المحور حتى عام 2007، عندما سيطرت حركة حماس على قطاع غزة.
منذ أن تولّت حركة حماس إدارة قطاع غزة، فرضت إسرائيل حصارًا شديدًا على القطاع، بينما شدّدت مصر الرقابة على الحدود. من بين الإجراءات المتّخذة، كانت السيطرة المشددة على معبر رفح، الواقع على محور صلاح الدين، وهو المعبر البري الوحيد بين غزة ومصر، الذي لا تسيطر عليه إسرائيل بشكل مباشر.
على الرغم من القيود المفروضة، استمر معبر رفح في كونه شريانًا حيويًا للفلسطينيين، حيث سمح بمرور الأفراد الذين حصلوا على التصاريح الأمنية، وفتح المجال للتجارة بين القطاع ومصر.
وبعد اندلاع الحرب في 7 أكتوبر، أصبح معبر رفح نقطة رئيسية لدخول المساعدات الإنسانية، وإجلاء المرضى الذين يحتاجون إلى علاج طبي لا يتوفر في غزة. ومع ذلك، تسبب التوغل الإسرائيلي في المنطقة في مايو إلى إغلاق المعبر، ممّا أدى إلى تقييد كبير في تدفق المساعدات، وتأخير عمليات إجلاء المرضى والمصابين.
خلافات حول السيطرة على محور صلاح الدين، وتأثيرها على مفاوضات وقف إطلاق النار
تؤكد القاهرة أنّ محور صلاح الدين مشمول بضمانات، بموجب اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية الموقعة عام 1979، وتؤكّد أنّه يجب على إسرائيل، الانسحاب من هذا المحور، وإعادة السيطرة الفلسطينية إلى معبر رفح. وقد أثر التوغّل الإسرائيلي بشكل كبير على دور مصر، كوسيط في عمليات العبور إلى غزة، وهو دور كان يمنحها نفوذًا على حركة حماس.
تعتبر مسألة تأمين الحدود ذات حساسية خاصّة لمصر، نظرًا لتاريخها مع إسرائيل، والقلق من أنّ العمليات العسكرية الإسرائيلية، قد تؤدي إلى اختراق الحدود، مّما قد يسبب تدفق أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى سيناء، وهو ما ينطوي على مخاطر، تتعلق بالمسلّحين المتشدّدين.
في خضم المحادثات الرامية، للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، برزت إصرار إسرائيل على بقاء قواتها في محوري فيلادلفيا ونتساريم، الذي يمتد عبر الجزء الجنوبي من قطاع غزة، كعقبة رئيسية. تركّزت مطالب حركة حماس، على ضمان أن يكون وقف إطلاق النار دائمًا، وانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من القطاع، بالإضافة إلى ضمان حريّة تنقل الفلسطينيين، خاصةً بعد النزوح الكبير من شمال القطاع إلى جنوبه.
اتّهمت حماس رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بطرح مطالب جديدة كذريعة لمواصلة الحرب. تتوسط مصر في مفاوضات وقف إطلاق النار، إلى جانب الولايات المتحدة وقطر، وردّت بغضب على ادعاءات إسرائيل، بشأن عدم تأمين الحدود.
ناقش المفاوضون إمكانية وضع أنظمة مراقبة، للمساعدة في انسحاب القوات الإسرائيلية، في حال التوصّل إلى اتفاق، بالإضافة إلى نشر مراقبين دوليين على الحدود. مع ذلك، رفض نتنياهو الانسحاب من المحور في المرحلة الأولى من أي اتفاق، مشددًا على أنّ إسرائيل، لن توافق على وقف دائم لإطلاق النار، بدون ضمانات كافية لتأمين المنطقة.
منذ أواخر شهر مايو/أيار، كان الاتفاق الذي تدعمه الولايات المتحدة، لوقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن، مطروحًا على طاولة المفاوضات. ولكنّ ما كان واضحًا قبل أحد عشر شهرًا، أصبح أكثر وضوحًا الآن: لا يوجد مخرج في الأفق بدون استراتيجية واضحة، ومع رئيس وزراء يطيل أمد الحرب، من منطلقات سياسية خاصة به. هذا هو الحكم على بنيامين نتنياهو ليس فقط من المعارضين السياسيين، بل ومن مواطنيه، ورئيس جهاز الأمن الداخلي السابق، ورئيس أقوى حلفائه.
التدخل الإيراني والتركي
تحاول إيران استغلال الأوضاع المتوترة، وحالة الحرب التي تشنّها إسرائيل ضد الفلسطينيين، وكذلك تحاول استغلال الفجوة، بين المنظومة العربية الرسمية والشعوب العربية، وتقدم نفسها على أنّها الضامن والداعم لنضال الشعب الفلسطيني، وكذلك تركيا التي تحاول استغلال الوضع بشكل منافق كبير، فهي مازالت مستمرة في دعم إسرائيل، بكل الاحتياجات المهمّة، بما فيها للجيش الإسرائيلي الذي يرتكب الإبادة، في الوقت الذي هناك خطاب دعائي وتظليلي يقوم على الدعم النظري والكلامي. وقد أكّدت الكثير من التقارير والبيانات الرسمية التركية، استمرار التجارة مع إسرائيل حتى اليوم، وإن عبّر دولة ثالثة.
وهنا تظهر أهمّية معرفة هذه الأدوار المشبوهة، التي تزود وتنافق على مصائب ومأساة الشعب الفلسطيني.
الوضع الإنساني في غزة: الأزمة المتفاقمة
تشهد غزة تصاعدًا مستمرًا في أعداد الضحايا، حيث تواجه جماعات الإغاثة صعوبة كبيرة في تقديم المساعدات اللازمة. ورغم وجود الشاحنات المحمّلة بالإمدادات عند نقاط التفتيش، فإنّ التدفّق لا يزال غير كافٍ على الإطلاق، مّما يهدّد حياة مليون إنسان تقريبًا، بعدم الحصول على ما يكفي من الغذاء. الناجون من الصدمات، بينهم جرحى ومفجوعون، يكافحون للحصول على أساسيات الحياة، بينما تم إخلاء 90% من القطاع. هذه الظروف الصعبة، تعني أنّ حتى لو انتهت الحرب غدًا، فإنّ الوفيات ستستمر نتيجة الجوع والأمراض. في ظل هذه الأوضاع، تبقى الحلول السياسية غائبة، ولم تظهر الولايات المتحدة نيّة حقيقية، لتغيير استراتيجيتها في التعامل مع هذه الأزمة المتفاقمة.
تشير التقارير إلى أنّ ما يصل إلى 1,9مليون شخص في قطاع غزة هم نازحون، مع وجود بعض الأفراد، الذين نزحوا بشكل متكرر تصل إلى عشر مرات. هذا النزوح الواسع، يساهم في تفاقم الأزمات الإنسانية، ويزيد من صعوبة تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.
تواجه جهود جمع وتوزيع الإمدادات الإنسانية، من معبر كرم أبو سالم في جنوب غزة عدّة تحديات رئيسية، تشمل تدهور القانون والنظام، والحرب المستمرة، وانعدام الأمن، وتضرر البنية التحتية، ونقص الوقود والقيود المفروضة على الوصول. وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بلغ متوسط عدد شاحنات المساعدات الإنسانية، التي دخلت قطاع غزة بين 1-9 أيلول 2024 نحو 62 شاحنة في اليوم، وهو أقل بكثير من المعدّل السابق للأزمة، والذي كان يبلغ 500 شاحنة يوميًّا. كما تواجه ما يصل إلى 10 منظمات غير حكومية دولية، تأخيرات ورفض في السماح بدخول الإمدادات الإنسانية الحيوية، مثل مجموعات النظافة الصحية، والمستلزمات الطبية والمساعدات الغذائية.
وفقًا لوزارة الصحّة في غزة، قتل ما لا يقل عن 40,972 فلسطينيًّا، وأصيب 94,761 بجروح بين 7 تشرين الأول 2023 و9 أيلول 2024. هذه الأرقام تعكس حجم الخسائر البشرية الكبيرة، التي تعاني منها المنطقة نتيجة النزاع المستمر. النظام الصحي في غزة، يواجه ضغطًا هائلًا نتيجة للإصابات المتزايدة، ممّا يفاقم من أزمة الرعاية الصحية المتدهورة.
الحل والنتيجة
إنّ النزاع المستمر بين إسرائيل وحماس، وتداعياته على المنطقة والتدخل الخارجي، يسلّط الضوء على الحاجة الملحّة، لتحقيق سلام شامل ومستدام، وأن يكون هناك حل منطقي وعقلاني وليس ما يقال عن حل الدولتين الشبه المستحيلة، أو استمرار حرب الإبادة أو المعادلة الصفرية المتبعة.
نعتقد أنّه من الممكن أن تكون الديمقراطية وتجاوز الحالة الدينية من الطرفين طريقًا صحيحًا، فالتشاركية وإدارة التعدد الاثني والعرقي بنظم ديمقراطية، هي الحل المستدام لكثير من القضايا الأساسية، بما فيها القضية الفلسطينية والقضية الكردية.
التصعيد العسكري من الجانبين لا يضر فقط المدنيين، بل يعقّد جهود التوصّل إلى حلول دائمة. في ظل تزايد التأثيرات الإقليمية والدولية، بما في ذلك، الدور المعقّد لإيران وتركيا، يتطلّب الوضع تحركًا منسّقًا من المجتمع الدولي. ينبغي تكثيف الجهود، لإزالة العقبات التي تعرقل المفاوضات، وتقديم دعم إنساني فعّال. كما يجب أن يكون هناك تركيز، على بناء استراتيجيات طويلة الأمد تتجاوز الصراع الحالي، والأفكار الأحادية الدينية إلى الحالة الديمقراطية، لضمان عدم تفجّر الأزمات مرة أخرى في المستقبل. كما أنّ التزام الأطراف الدولية بدور بنّاء، لتحقيق الحل والتعاون الفعّال، هو أحد السبل المفيدة، لتحقيق استقرار دائم في المنطقة وتخفيف معاناة المدنيين.