Wednesday, 04 February 2026
اشترك

مؤتمر الحوار اللبناني-الكردي

مؤتمر الحوار اللبناني – الكردي التي أقيمت في العاصمة اللبنانية، بيروت، بتاريخ 29 أيار عام 2022 تحت شعار “نحو عيش مشترك ومُواطَنة متساوية”، كان هدف المؤتمر، إيجاد سبل لتعزيز العلاقات بين الكرد والعرب، في ظل التحديّات والتهديدات المشتركة، ويشارك فيه عدد كبير من الشخصيات اللبنانية والسورية والفلسطينية والأردنية والعراقية والكردية، وغيرها من دول أخرى.

المؤتمر عبارة عن جلستين، الأولى تضمّنت عدّة محاور “تاريخ العلاقات الكردية – العربية، والوجود الكردي في لبنان تاريخًا راهنًا، السياسات الاستعمارية والتدخلات الإقليمية، تأثير ذهنية وأدوات الدولة القومية على العلاقات العربية -الكردية” قبل أن تنتهي هذه الجلسة بنقاشات حرّة.

الجلسة الثانية تشمل المحاور التالية “التضامن ووحدة المصير بين الشعوب في مواجهة التحديّات، ثقافة العيش المشترك وأخوة الشعوب، دور المرأة المحوري في دمقرطة المجتمع، الحلول والمشاريع المقترحة: دولة المواطنة ومشروع الأمّة الديمقراطية” قبل أن تنتهي هذه الجلسة أيضًا بنقاشات حرّة. وانتهى المؤتمر بإلقاء البيان الختامي.

وألقى الأستاذ حسان قطب، عضو اللّجنة التحضيرية للمؤتمر، ومدير المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات، ضمن الجلسة الأولى كلمة قال فيها: “العلاقات بين الشعوب المختلفة عرقيًا ولغويًا ودينيًا، سواء كانت تعيش في كيانٍ ووطنٍ واحد، أو في كيانات متعددة ومتجاورة، عليها أن تتعاون لضمان استقرارها، والحفاظ على هويّتها، واحترام ثقافة بعضها البعض، ويجب أن يحكمها التفاهم، ويجمعها التعاون، ويسودها الانسجام، ويقودها التعاون، والرغبة في بناء مستقبل مشترك للنهوض بشعوبها.

الحضارة والثقافة، التي تميّز كل شعبٍ وأمّةٍ، ما هي إلّا نتاج وتراكم وجهد شعوب، رسمت مسار حياتها لمئات من السنين، وربما آلاف من السنوات، لذا ليس من السهل أو من الممكن، أو حتى من المقبول، العمل على طمسها ومحوها وإلغائها، لمجرد الاختلاف القومي أو العرقي أو اللّغوي، بل على العكس من ذلك، فإنّ البعض يبذّل الكثير من الجهد والطاقة، لفك ألغاز لغات قديمة اندثرت، وفهم حضارات تلاشت، فكيف بنا ونحن نتعامل مع حضارات وثقافات ولغات وعادات حية وموجودة فيما بيننا ،وبتدقيق أكثر واقعية وموضوعية، نرى أنّ بعض هذه الحضارات، يربطها قواسم مشتركة، في عاداتها وتقاليدها، وحتى في مناسباتها وأعيادها وطقوسها أيضًا، حتى لو اختلفت لغاتها وتسمياتها، وتباعدت عن بعضها جغرافيًا”.

تحدّث السيد قطب أيضًا عن معاناة الأمّة العربية وقال: “تقسيم الأمّة العربية إلى دول متعددة ومتناحرة، جعل من معاناة الشعب العربي عميقة ومؤلمة، وكانت خسارة فلسطين أول ضربة موجّعة، لاستقرار الأمّة، حيث قطع الكيان الغاصب (إسرائيل)، أوصال وتواصل دول العالم العربي، لأنّ فلسطين جغرافيًا، تشكّل صلة الوصل بين المشرق العربي، أي الشام والعراق والخليج العربي، والمغرب العربي، أي مصر ودول شمال إفريقيا، رد الفعل كان في نهوض الفكر القومي العربي، كرد موضوعي على حالة الضعف والهوان، التي عاشتها الدول العربية، ولكنّ تعزيز الفكر القومي، قاد شعوب المنطقة الى مواجهات جديدة، شبيهة بتلك التي عانت منها الدولة العثمانية، حيث شعرت الأقلّيات العرقية والدينية، بأنّه مستهدفة من قبل من يطرح هذا الفكر والنهج، الذي يتجاهل وجودها وحضارتها وثقافتها.

وهنا لا بدّ من الإشارة، إلى أنّ تعزيز الشعور القومي، يؤدي إلى مزيد من الانتماء إلى كيان الأمّة مترامية الأطراف، والمتعددة الدول والأسماء، وهذا الشعور يجعل من المواطن، يتجاهل وحدة الوطن ومواطنيه ، والسعي لحل مشاكله وتطوير مؤسساته، لأنّ هموم الأمّة بالنسبة إليه أكثر أهمية، ومتابعة قضاياها مهما تنوّعت وتفاقمت فيه، دلالة على حقيقة صدق الانتماء والارتباط، ولكنّه في الوقت نفسه، يترك فراغًا وتباعدًا ومساحة مواجهة، بينه وبين أبناء الوطن الواحد، المتعدد الأعراق والقوميات.

الأنظمة الحاكمة في عالمنا العربي، خاصةً تلك التي تتضمن أكثر من أقليّة عرقية أو لغوية وثقافية، كان لها مصلحة واضحة، في الإبقاء على حالة الانقسام بين مكوناتها، وفي توجيه أنظار ومشاعر واهتمام شعوبها نحو القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية الأمّة العربية المركزية، وبالتالي كان الشعار الذي أطلق جمال عبد الناصر “لا صوت يعلو على صوت المعركة”، وهذا معناه أنّ كل مطلب اجتماعي أو ثقافي أو سياسي أو اقتصادي، يجب تأجيله لما بعد مرحلة الانتصار، واستعادة الحق السليب في فلسطين”.

وأضاف: “ولكن الحفاظ على الهوية والانتماء واحترام الذات، والانفتاح على الآخرين، سواء في الوطن العربي وغيره من الشعوب والأوطان، سوف يعزّز من فرص الحركات الكردية، في تقديم صورة نموذجية، عن أحزاب تؤمن بالعمل الديمقراطي، وتحترم المكونات الأخرى في ثقافتها وهويّتها، والإدارة الذاتية في العراق كما في شمال سوريا، تقدم صورة موضوعية ومحترمة، تؤسس لتغيير مزاج الكثيرين من أصحاب الرأي والفكر، خاصةً ضمن البيئة العربية، ممّن لم يسبق له أن احتكّ بأصحاب القضية الكردية، وحسَّ بمعاناتهم وحقيقة أزمتهم، وما يتعرضون له من تهميش وعزل وإلغاء.

كما أنّ على الإخوة العرب ممّن يحملون الفكر القومي العربي أن يدركوا، أنّ الانتماء إلى الأمّة العربية فكرًا وحضارةً، لا يعطيهم الحق في الشعور بالفوقية، وفي احتكار السلطة، وممارسة ما سبق أن مارسته قوى الاستعمار بحق شعوبنا، خلال مرحلة الاحتلال، ولا ما يمارسه الصهاينة بحق الفلسطينيين، من تمييز عنصري وديني وأخلاقي في الأراضي المحتلّة، ولا تكرار ما مارسته دولة التمييز العنصري الأبيض، ضد أبناء الأرض من الإفريقيين السود، في جنوب إفريقيا، التي انتهت واندثرت وتلاشت، نتيجة صمود الشعب الإفريقي”.

واستمرّ مؤتمر الحوار اللبناني -الكردي في بيروت بجلسته الثانية، بحضور أكاديميين وسياسيين وأدباء، من مختلف الشرائح اللبنانية (كرد، عرب، أرمن وسريان)، وفي الجلسة الثانية، ألقت رئيسة رابطة «جين» النسائية في لبنان بشرى علي، كلمة قالت فيها: “المجتمع موجود بقيَّمه المادية والمعنوية، التي تحدد ملامح هويّته، فإذا ما تم تجريد المجتمع من هويّته وقيَّمه، فإنّه يصبح كيانًا مختلفًا مغتربًا عن ذاته، وهذه أهم مشكلة تعاني منها غالبية مجتمعاتنا في عموم المنطقة”.

وأضافت أنّه “لَمّا كانت النسبة الكبرى من تاريخ البشرية، تلتف حول سيادة المرأة الطبيعية، دون أن تعاني من أيّة مشاكل اجتماعية حقيقية، فإنّ هذا يعني، أنّ المرأة حامل أساسي ورُكنٌ محوري، في تحديد ملامح وهويّات القيّم المادية والمعنوية، للمجتمع على مر تاريخ البشرية”.

وتناولت بشرى علي في كلمتها، كيفية أداء المرأة دورها، في تحقيق التحوّل الديمقراطي للمجتمع، من خلال “اتّباع مسارٍ معاكسٍ للوصول إلى نتيجة مثمرة، وبدأت من خلية الأسرة، التي تشكّلت في المجتمع الطبقي، وفقًا للنظرة الذكورية السلطوية، إذ بات الرجل فيها “رب البيت”، وتحوّلت المرأة بالمقابل إلى كادحة مجانية داخل المنزل، وإلى يد عاملة رخيصة خارج المنزل، فترسّخت عبودية المرأة بصورة مضاعفة وأكثر دقة”، مؤكدة أنّ “الحل يكمن في تحقيق التحوّل الديمقراطي في الأسرة، بحيث تعتمد على الحياة التشاركية والندّية الحرّة بين الجنسين، كي تصبح العلاقات فيها متساوية وعادلة بكل معنى الكلمة، ولكي ينشأ جيل سليم، سواء ذهنيًا أم ثقافيًا أم نفسيًا”.

وفي ما يتعلق بمجال التربية والتعليم، قالت رئيسة رابطة «جين» النسائية: “يمكننا تعريفه، بأنّه مجمل جهود المجتمع في تعليم أفراده عمومًا وشبيبته خصوصًا، وسُبُل مُدَّهم بالخبرات والكفاءات، لتجسيدها على شكل معارف نظرية وعملية. وتتأتى قدسية حق التعلم والتعليم من صُلب كينونة الوجود، وربما نحن بحاجة في هذا المجال، إلى تشكيل أكاديميات ومؤسسات نسائية معرفية وعلمية وتربوية، تنشئ أجيالًا سليمة، تؤمن حقًا بالمساواة الفعلية”.

وأكّدت أنّ المرأة الكردية والعربية، استطاعت أن تحقق إنجازات هامّة في مجال الحماية والأمن، خاصةً بعد المشاركة الفعّالة، ضمن صفوف وحدات حماية المرأة، وتقوية نظامها ومؤسستها الدفاعية.

استشهدت رئيسة رابطة «جين» النسائية، بشرى علي، بقول للقائد عبد الله أوجلان، ورد في كتابه المعنون باسم “سوسيولوجيا الحريّة”، والذي يُعَدُّ الجزء الثالث من مرافعته الشهيرة الضخمة (مانيفستو الحضارة الديمقراطية): “إنّ المرأة القوية، المفكرة، العاقلة، الفاضلة والجميلة، التي تتَّخذ القرارات الصائبة، والتي تجعلني معجبًا بها، ويمكنها أن تُحاوِرَني، هي التي ستكون ركنًا أساسيًا، وحجرَ الزاوية في بحوثي الفلسفية. ولَطالما آمنتُ، بأنّ طلاسم الحياة في الكون، سوف تجد معانيها مع هذه المرأة، بجوانبها الأفضل والأجمل والأصح”.

وفي نهاية المؤتمر، تم  قراءة البيان الختامي لمؤتمر الحوار اللبناني –الكردي، وجاء فيه:

يأتي انعقاد هذا المؤتمر في مرحلة تاريخية مهمّة في لبنان، والمنطقة التي تشهد صراعات وتناقضات، تهدف إلى تشتيت شعوب المنطقة، بغرض السيطرة على مقدراتها، من قبل الدول ذات النفوذ والمشاريع التوسّعية، إقليميًا كان أم دوليًا. إنّ انعقاد مؤتمرنا هذا في العاصمة اللبنانية بيروت، عاصمة الفكر الحر والتعايش السلمي، إنّما يدل على أنّه، انعقد بهدف إنتاج حوار بنّاء بين مكونات لبنان المختلفة.

لا شكّ أنّ صراع المصالح العالمية والإقليمية، يترك تداعياته على واقعنا الراهن بأشد حالاتها حدّة، في منطقتنا بشكل عام وفي لبنان بشكل خاص. ونتيجة هذه الأزمة، يسعى النظام العالمي، للخروج من الأزمة البنيوية التي يعاني منها، وذلك عن طريق إعادة ترسيم حدود منطقتنا سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا وجغرافيًا، بعيدًا تمامًا عن إرادة شعوب المنطقة، من العرب والكرد والأرمن والسريان – الآشوريين والدروز. هذه الشعوب الأصيلة في المنطقة، والتي لا يمكن الفصل بينها، بسبب التاريخ والثقافة المشتركة، التي تجمعها مع بعضها البعض. ويمكن اعتبار سبب بقائها حتى الآن، هو اتباعها منهجية العيش المتداخل والمشترك، بهوياتها الثقافية المتعددة، طيلة آلاف السنين وحتى يومنا الحالي.

في ظِل هذه الفوضى والأزمة، ناقش مؤتمرنا جملة من القضايا، التي يعانيها لبنان والمنطقة، وشدّد على الهوية الحقيقية الجامعة، لكل المكونات والشعوب القاطنة فيه. وانعقاد المؤتمر بحد ذاته، هو محاولة للبحث عن كيفية الخروج، من مأزق العصبيات القومية والدينية والطائفية، التي يتميز بها نموذج الدولة القومية، والتي قوّضت أواصر العيش المشترك بين الشعوب.

كما تناول مؤتمرنا قضية حرية المرأة، التي تتطلّع للخروج من عنق الزجاجة، التي تم إقحامها فيها، رغم أنّ المرأة في بلادنا كانت السبّاقة عبر التاريخ، في رصف مسيرة التطوّر الإنساني والحضاري للبنان، وباقي بلدان المنطقة.

 وأكّد مؤتمرنا، أنّ السبيل إلى الحل، لن يكون إلّا بتآخي الشعوب، وبتعددية الثقافات والهويّات، وبالوحدة النسائية الرصينة، وأنّ التخلّص من حالة الاغتراب عن الذات، لن يتم إلّا بالعودة للجذور التاريخية والثقافية والحضارية العريقة في تاريخ المنطقة، وعليه:

1- يتعهد المؤتمر بالعمل على تكريس ثقافة القبول، والاعتراف بكافة الهويّات القومية والثقافية والإثنية، ويَعتبرها منبع غنى وتنوّع.

2- يؤكّد المؤتمر، أنّ السبيل إلى حل القضايا والتناقضات المتجذرة في لبنان والشرق الأوسط، يَكون بالحوار وليس بالحروب أو بالنزاعات المسلّحة. وعليه، فإنّه يؤكّد ضرورة وأهمية اعتماد “مشروع الأمة الديمقراطية ودولة المواطنة” أساسًا في بناءِ مستقبلٍ واعدٍ للمنطقة، ومرتكزٍ إلى السلام والديمقراطية والحريّة.

3- يهدف المؤتمر إلى حماية وتطوير القيّم الثقافية والديمقراطية والاجتماعية والسياسية المشتركة لشعوب المنطقة.

4- يؤكد المؤتمر على ضرورة تعزيز الحوار الثقافي المترسّخ على مرّ التاريخ، بين الشعوب والهويّات والثقافات والعقائد الموجودة في لبنان أساسًا، ويوصّي بتشكيل لجنة من نخبة المثقفين/ات لهذا الغرض.

5- يفضح المؤتمر سياسات الدول، الهادفة إلى تأليب أو تأجيج العداء، بين كافة الشعوب والهويّات عبر شتى الأدوات، كالعصبيات القومية أو المذهبية أو الدينية.

6- يتضامن المؤتمر مع قضية حرية المرأة، وتمكين مساواتها في شتى المجالات، وينبذ كل أنواع العنف ضدها، ويؤكّد أهمية تمكين المرأة، وأنّ تأخذ مواقعها بفعّالية في كافة ميادين الحياة.

7- يؤمن المؤتمر، بضرورة رفض السياسات التوسّعية، التي تمارسها الدولة التركية في المنطقة، وكذلك توظيفها الدين أداةً في خدمة مصالحها، ضمن إطار مفهوم “العثمانية الجديدة”.

8- يتعهّد المؤتمر بضرورة الكفاح، ضد سياسة المركزية المفرطة، وضدّ كل الأساليب الرائجة، والتي فشلت في بناء دولة المواطنة، القائمة على الهويّة الوطنية الجامعة في البلاد.

9- يؤمن المؤتمر، بأنّ الديمقراطية واعتماد نماذج اللّامركزية الموسّعة، أو الإدارة الذاتية الديمقراطية للتشكيلات الإدارية، هي ضمان التطوّر الحر في البلاد، وأنّها من أفضل الحلول للحفاظ على التنوع والتعددية.

10- يرى المؤتمر، أنّ من مستلزمات دولة المواطنة الحديثة، هي العلاقة المتكافئة بين الشعبين العربي والكُردي، وسائر الشعوب والمكوّنات الأخرى، دون أي إقصاء أو تهميش لأي منها.

11- يهدف المؤتمر إلى الحثّ على اعتماد الحوار والشفافية، عند وجود أي إشكال أو خلاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *