Thursday, 05 February 2026
اشترك

مسيرة العلاقات التركية – الإسرائيلية

لقد تعزّزت العلاقات بين تركيا وإسرائيل لأسبابٍ عديدة، تتعلق بكونهما دولتين مهمين للنظام العالمي في الشرق الأوسط، وقد مرّت العلاقات الإسرائيلية التركية، بالعديد من التقلبات والمشاحنات الشكلية والظاهرية, ولكنّها بقيت قوية وفعّالة في مراحلٍ مختلفة ولازالت، وكان التنافس الإقليمي والنفوذ وكذلك الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، أحد أسباب هذه الخلافات الشكلية, حيث تسعى تركيا لاستغلال القضية الفلسطينية في سياستها الداخلية والخارجية، وكان أحد تفاعلاتها استمرار التجارة مع إسرائيل، رغم الإعلان عن تحجيم العلاقات التجارية بين البلدين؛ بسبب الحرب على قطاع غزة، نتيجة الضغط الداخلي في تركيا، وفضح المعارضة التركية لنفاق وازدواجية السلطات التركية.

العلاقات الإسرائيلية التركية بدأت في مارس 1949، عندما كانت تركيا أول دولة مسلمة تعترف بدولة إسرائيل، ولقد أعطى كلا البلدين أولوية عالية، للتعاون العسكري والاستراتيجي والدبلوماسي والاقتصادي، وكانت تركيا مهمة جدًا لإسرائيل، في ظل العزلة عليها سابقًا، من قبل شعوب ودول المنطقة، إلى أن قلّت العزلة مع الاتفاقيات الإبراهيمية في السنوات الأخيرة.

تعود بدايات “التحالف السري” بين أنقرة وتل أبيب إلى العام 1958، أي إلى عهد حكومتي (عدنان مندريس ودافيد بن غوريون). ولقد رغبت إسرائيل وخاصة بن غوريون، بقوة في إقامة علاقات وثيقة مع تركيا، من أجل كسر العزلة الإقليمية، التي تشعر بها إسرائيل، وقد كانت بحاجة إلى موازنة المقاطعة العربية، من خلال الانفتاح على الجوار الأوسع: تركيا، إيران وإثيوبيا.

أنقرة آن ذاك، قد أرادت أن يبقى الاتفاق مع إسرائيل سريًا، الأمر الذي اقتضى ألّا يطلع على وجوده أكثر من 10 أشخاص، من مدنيين وعسكريين في البلدين.

ذكرت الباحثة الإسرائيلية (عفرا بنغيو) في كتاب نشرته بالإنكليزية، أنّ إسرائيل قد استخدمت في وثائقها كلمة “تحالف” بدلًا من “اتفاقية”؛ للدلالة على الأهمية التي تعطيها لهذا الاتفاق. وقد أصرّت الوزارة الخارجية التركية، ألّا تعترف بهذا الاتفاق، وذكرت بأنّه، قد حدثت تطورات حالت دون استكمال الاتفاق.

في 1986 عيّنت الحكومة التركية سفيرًا، كقائم بالأعمال في تل أبيب. وفي 1991، تبادلت الحكومتان السفراء، وفي فبراير وأغسطس 1996، وقعت حكومتا تركيا وإسرائيل اتفاقيات تعاون عسكري.

وقد تم التوقيع على تشكيل مجموعة أبحاث استراتيجية مشتركة، ومناورات مشتركة بين جيشي البلدين، كما يوجد مستشارون عسكريون إسرائيليون، في القوات المسلحة التركية. وتشتري تركيا من إسرائيل العديد من الأسلحة، وكذلك تقوم دولة إسرائيل بدعم الجيش التركي، من دبابات وطائرات حربية حديثة.

ومنذ 1 كانون الثاني/يناير 2000، تم البدء باتفاقية التجارة الحرة الإسرائيلية التركية.

كانت أول زيارة رسمية لأردوغان إلى اسرائيل عام 2005, وكان يأمل بلعب دور في الصراع العربي الإسرائيلي.

قام الرئيس الإسرائيلي (شيمون بيريز) بزيارة إلى تركيا، عقد فيها مباحثات مع الرئيس (عبد الله غول)، في تشرين الثاني العام 2007، دعي الرئيس الإسرائيلي لإلقاء خطاب في مجلس الأمة التركي، وكانت هذه المرّة الأولى التي يدعى فيها رئيس إسرائيلي، لإلقاء خطاب أمام برلمان، لبلد أكثرية سكانه “الساحقة” من المسلمين.

ظهر خلال هذه الزيارة اختلاف في وجهات النظر بين الرئيسين؛ بسبب المشروع النووي الإيراني، وسياسة إسرائيل ضد الفلسطينيين.

أرادت تركيا أن توازن بين علاقاتها ظاهريًا، فدعّت الرئيس الفلسطيني (محمود عباس)، لإلقاء خطاب أمام البرلمان

ولكن تدهورت العلاقات بعدها عام 2008 ظاهريًا، لتستمر العلاقات بالتدهور، إلى حين انعقاد اجتماع سري، ما بين تركيا وإسرائيل عام 2015, توصلوا من خلالها الى اتفاق، وبدء التطبيع في عام 2016.

وكان أردوغان يقوم دائمًا بالتهديد بقطع العلاقات مع اسرائيل، ولكن لم يتم تنفيذ هذا ابدًا. حيث إعلاميًا تقوم تركيا بالتهديد بقطع العلاقات الدبلوماسية، ولكن العلاقات التجارية بقيّت مستمرة.

 إلى حين محاولة تحجيمها، في وقت حدوث الحرب الأخيرة على قطاع غزة, حيث في 9 أبريل 2024، أعلنت وزارة التجارية التركية، تقييد تصدير 54 منتجًا إلى إسرائيل، حتى تعلن تل أبيب وقفًا فوريًا لإطلاق النار في غزة, وتعهّدت إسرائيل حينها، باتخاذ تدابير ضد تركيا، متهمةٌ إياها بانتهاك الاتفاقيات التجارية بين البلدين من جانب واحد، وأكدت أنّها سترد بالمثل، بفرض قيود تجارية على منتجات قادمة من تركيا، ولكن وفق الكثير من السجلات والبيانات الرسمية التركية، لم تنفذ السلطة التركية فعليًا وعودها تلك.

اقتصاديًا

من الطبيعي جدًا أن تنمو العلاقات الاقتصادية بين تركيا وإسرائيل، في ظل النمو الكبير، الذي شهدته العلاقات السياسية والدبلوماسية. لقد وقّع البلدان اتفاقية للتجارة الحرّة بينهما، في كانون الثاني/يناير 2000، وسميّت “اتفاقية التجارة الحرة التركية – الإسرائيلية”. واعتبرت مهمة جدًا بالنسبة إلى إسرائيل؛ لأنّها الأولى التي توقِّعها مع أي بلد آخر، ذي أكثرية سكانية من المسلمين.

أكدت كل التقارير الإسرائيلية على مدى السنوات الماضية، أنّ التبادل التجاري التركي الإسرائيلي، لم يتوقف في أي وقت حتى خلال “الأزمة” السياسية المعلنة بين الجانبين، خلال سنوات “الأزمة” سجل التبادل التجاري ذروة غير مسبوقة من حيث حجمه، لتكون تركيا الدولة الخامسة في العالم، من حيث حجم الاستيراد من إسرائيل.

وكانت الأزمة المعلنة بين الجانبين الإسرائيلي والتركي، التي امتدّت على مدى سبع سنوات، وتأجّجت بشكلٍ خاص في العام 2010، في أعقاب أسطول الحرية، قد انتهت باتفاق مشترك، تم التوقيع عليه في شهر حزيران 2016. وينص على أن تدفع إسرائيل تعويضات، لضحايا مجزرة أسطول الحرية، وضمان عدم محاكمة جنودها وضباطها, كما ينص الاتفاق الذي سيقود إلى تعاون في قطاع الغاز

العلاقات الاقتصادية لم تتوقف، بل ازدهرت وتزايدت، بينما التراجعات كانت مرحلية متأثرة بالأزمة الاقتصادية العالمية. فمثلًا سجل العام 2014 ذروة في التبادل التجاري بين الجانبين، وبلغ 8.6 مليار دولار.

في عام 2011، بلغت صادرات تركيا إلى إسرائيل 2.4 مليار دولار، واحتلت إسرائيل المرتبة 17 في صادرات تركيا.

في عام 2020، صدّرت تركيا 4.7 مليار دولار إلى إسرائيل. وبهذا الرقم احتلت الأخيرة المرتبة التاسعة بين الدول، التي تصدر لها تركيا أكثر من غيرها.

لا تقتصر الصادرات التركية إلى إسرائيل على أصناف محددة دون غيرها، بل تشمل كل من الحديد والصلب والمنسوجات والمركبات البرية والبحرية والجوية، بالإضافة إلى منتجات السيراميك والزجاج، والمادة الأساسية في تصنيعها وهي الإسمنت.

بلغت صادرات إسرائيل إلى تركيا 2.34 مليار دولار أمريكي خلال عام 2022 ، وفقًا لقاعدة بيانات الأمم المتحدة COMTRADE حول التجارة الدولية. وفي عام 2023، حجم التجارة الثنائية بلغ 6.2 مليار دولار.

وظلّت العلاقات التجارية سلسة، وبلغت مليارات الدولارات سنويًا، إلى أن تأثرت من الخلافات حول الحرب في قطاع غزة

وكانت قد كشفت البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة الإحصاء التركية، عن استمرار الصادرات إلى إسرائيل -بما يشمل الذخائر والبارود، وقطع الأسلحة في كانون الثاني.

وقال (شموئيل أبرامزون)، كبير الاقتصاديين في وزارة المالية الإسرائيلية، الذي يعتقد الآن، أنّ النمو الاقتصادي الإسرائيلي لعام 2024، سيتجاوز توقعاته الحالية البالغة 1.6%  “تركيا شريك تجاري مهم لإسرائيل، لكنّنا لا نعتمد حصريًا، ولو من بعيد، على تركيا.” وأضاف: “لا نتوقع حدوث اضطراب كبير أو مستمر في الاقتصاد الإسرائيلي، نتيجة تصرفات تركيا”.

وقال (روي فيشر)، مدير إدارة التجارة الخارجية بوزارة الاقتصاد، “لا أعتقد أنّ الاقتصاد، يجب أن يعتمد على دولة تقول في يومٍ ما، نريد التجارة معكم، وفي يوم آخر، تقول لا نريد التجارة معكم”. وأضاف “التجارة يجب أن تكون موثوقة وقادرة على الاستمرار.”

ولقد أكدّت عدد من شركات التصدير التركية، أنّها أرسلت العديد من البضائع، وكل ما تريد عبر دولة ثالثة، وليس هناك مايمنعها قانونيًا، وهي تمارس أعمالها الأعتيادية التجارية مع إسرائيل.

وردًا على إعلان الحظر التجاري، قال وزير المالية الإسرائيلي (بتسلئيل سموتريتش) إنّه “سيلغي اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، على الأقل حتى يتنحى أردوغان ويحل محله “زعيم رصين وليس كارهًا لإسرائيل”. وأضاف أنّ الخطة ستُعرض على مجلس الوزراء لإقرارها، لكن لم يحصل أي شيء من هذا القبيل؛ لأنّ تركيا لم تقوم بقطع علاقاتها التجارية”.

التعاون العسكري

شهد التعاون العسكري بين البلدين على مدار سنوات, تعاونًا أسفر عن تحديث طائرات فانتوم إف-4 وإف-5 التركية، وتحديث 170 دبابة من دبابات إم60 إيه1 التركية، إضافة إلى صفقة صواريخ بوب آي 1 وبوب آي2.

ونصّت اتفاقية بين البلدين، على تبادل الطيارين 8 مرات سنويًا، بما سمح للطيارين الإسرائيليين بممارسة “التحليق بعيد المدى فوق الأراضي الجبلية” في ميدان نيران قونية التركي؛ ويسمح للطيارين الأتراك، بالتدريب في ميدان الرماية، بالكمبيوتر الإسرائيلي في مطار نيفا تيم

عام 2007، ناقشت إسرائيل وتركيا بيع أقمار صناعية إسرائيلية، وأنظمة الدفاع الجوي الصاروخية (آرو) لتركيا؛ لتحديث القدرات العسكرية والاستخباراتية التركية.

 تضمنّت آخر هذه الاتفاقات العسكرية، التعاون الجوي والبحري والبرية والاستخباراتي، وتصنيع الطائرات والأسلحة والصواريخ والزيارات العسكرية المتبادلة، والتدريب والمناورات، وإرسال مراقبين للإشراف على التدريبات العسكرية، وتبادل زيارات لقادة الأركان.

وعليه، ربما هناك بعض التوترات في العلاقة بين تركيا وإسرائيل، ولكنّها في الغالب شكلية وغير حقيقية، بالمقابل مازالت الدولتان لديهما اتفاقات عديدة وفي كافة المجالات، ورغم ادعاءات الرئيس التركي الحالي بالوقوف مع الشعب الفلسطيني، ولكن الواقع يؤكد أنّ كل العلاقات بين تركيا وإسرائيل مستمرة، ربما قلّت أهمية تركيا بعد انفتاح إسرائيل على الدول العربية في اتفاقات “إبراهيم”، ولكن السلطة التركية، مازالت تتمسك بعلاقاتها بإسرائيل بشكل كبير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *