Thursday, 05 February 2026
اشترك

بصوت الشعب: الانتخابات كفرصة لإعادة بناء الثقة في كردستان

يتصاعد التنافس السياسي في إقليم كردستان مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المقررة في 20 أكتوبر 2024. يأتي هذا الموعد بعد تأجيل هذه الانتخابات لمدة عامين بسبب خلافات قانونية وسياسية، خاصة حول توزيع المقاعد للأقليات وتحديد المناطق الانتخابية.

وجرت الحملة الدعائية في ظل أجواء مشحونة وتصعيد متزايد بين الأحزاب الكردية واتهامات متبادلة بينها، خاصة بين الديمقراطي الكردستاني  بقيادة مسعود البرزاني -الذي قاد حملته ابنه مسرور البارزاني- وبين والاتحاد الوطني الكردستاني، الذي قاد الحملة رئيسه بافيل طالباني وهو نجل الزعيم الراحل جلال طالباني.

حيث هناك تنافس شديد بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، حيث يهدف الاتحاد الوطني إلى تغيير الحكومة التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي في حال فوزه بأغلبية ساحقة. من جانب آخر، يشير مراقبون إلى فرص بعض الأحزاب الجديدة مثل حركة “الجيل الجديد”، ولكن المشاركة قد تكون منخفضة، بناءً على تجربة انتخابات 2018 التي لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 30%.

هذه الانتخابات تتم بإشراف اللجنة العليا للانتخابات العراقية، وليست لجنة إقليم كردستان كما في السابق، مما يشير إلى مشكلات هيكلية في إدارة العملية الانتخابية داخل الإقليم. وتشير تقارير إلى أن الحزب الديمقراطي الكردستاني قد يواجه تراجعًا في شعبيته نتيجة التهم المتكررة المتعلقة بالفساد والتعاون مع تركيا في قضايا مثل تهريب النفط. وأنّ الحزب متورط في مخالفات انتخابية في الماضي، بما في ذلك استخدام “ناخبين وهميين” وتقديم رشاوي عبر وسائل غير قانونية، مثل الطلب من الموظفين الحكوميين إثبات تصويتهم للحزب لضمان استمرار حصولهم على رواتبهم.

المحكمة الاتحادية العراقية ألغت 11 مقعدًا مخصصًا للأقليات، مما أثار جدلًا واسعًا، قبل أن تتم إعادة تخصيص خمسة من هذه المقاعد لاحقًا. الانتخابات القادمة ستتم وفق نظام انتخابي مقسم إلى أربع دوائر انتخابية بدلًا من دائرة واحدة، وهو تغيير أُجري لزيادة التمثيل المحلي وتقليل الاحتكار الحزبي. 

ويبلغ عدد المرشحين الكلي المشاركين في انتخابات برلمان كردستان 1191 مرشحًا؛ 823 من الذكور، و368 من الإناث، يتنافسون على 100 مقعد تشريعي في كردستان، حيث بدأت “فترة الصمت الانتخابي” في 15 أكتوبر، استعدادًا للانتخابات الخاصة بالقوات الأمنية والسجناء المقررة في 18 أكتوبر.

في السياق الأمني

تواجه الانتخابات تحديات كبيرة بسبب انتشار السلاح بشكل واسع وسط الفصائل المسلحة المختلفة، وهو ما يثير مخاوف من تأثيرها المحتمل على سلامة العملية الانتخابية ونتائجها. وقد تم تشكيل لجنة أمنية لتنظيم الأوضاع، إلا أنّ هذه التدابير لا تزال غير كافية لضمان بيئة انتخابية آمنة، نظراً لاستمرار التوترات السياسية وتأثير القوى الحزبية والمصالح الاجتماعية المختلفة.

ستؤدي نتائج الانتخابات إلى اختيار 100 نائب جديد، ومن المتوقع أن تُساهم في تحديد مسار الحكم الذاتي في الإقليم في ظل ظروف سياسية واقتصادية متغيرة. كما أن هذه الانتخابات تمثل اختبارًا هامًا للديمقراطية في إقليم كردستان العراق، حيث سيتعين على البرلمان الجديد التعامل مع قضايا داخلية حساسة وإعادة بناء الثقة بين المكونات المختلفة.

مخالفات

التنافس الحاد بين الأحزاب أدى إلى تسجيل 26 مخالفة انتخابية حتى الآن، وفقًا لمفوضية الانتخابات. رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني شدد على ضرورة الشفافية والحياد في العملية الانتخابية، مؤكدًا دعم الحكومة الاتحادية للمفوضية في إدارة الانتخابات بشكل نزيه.

السلطات العراقية تحاول اتخاذ تدابير لمنع تكرار تلك المخالفات والتزوير الانتخابي، مثل استخدام بطاقات بيومترية ومراقبة محطات الاقتراع، تم اتخاذها لمنع تكرار المخالفات السابقة. بالإضافة إلى انعدام الثقة الشعبية في الحكومة الحالية، مما قد يؤدي إلى انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات، مثلما حدث في الانتخابات السابقة، حيث كانت نسبة المشاركة منخفضة للغاية في العديد من المناطق. كما تُفرض قواعد صارمة لضمان سرية التصويت وعدم الضغط على الناخبين من قبل الجهات المتنفذة.

مواقف

في تصريح لحزب الاتحاد الديمقراطي، أعربت الرئاسة المشتركة عن دعمها لقائمة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في انتخابات برلمان إقليم جنوب كردستان، حيث يمثل الحزب قيم المجتمع ويحمي المكتسبات ضد المحتلين ويقف بموقف وطني قوي. وأكدت الرئاسة المشتركة على حاجة الإقليم لتغيير سياسي للحد من التحزب العائلي وتعزيز الديمقراطية.

وفي بيان حول الانتخابات البرلمانية، أكدت الرئاسة المشتركة لمنظومة المجتمع الكردستاني (KCK) على أهمية دعم المرشحين الوطنيين والديمقراطيين في مواجهة الحزب الديمقراطي الكردستاني والبارزانيين. وشددت على أن نتائج الانتخابات ستكون حاسمة في تحرير جنوب كردستان وتطوير نظام ديمقراطي وتحرري.

لوحات إعلانية لمرشحات ومرشحين كرد في أحد شوارع هولير

تتباين آراء الشخصيات حول الانتخابات البرلمانية في إقليم كردستان العراق المقررة في 20 أكتوبر 2024، حيث تعكس مشاعر متباينة من القلق والتفاؤل حول سير الانتخابات ومستقبل الإقليم.

وتحدث المحلل السياسي حكيم عبدالكريم خلال اتصال هاتفي مع مركز إنشاء للمعلومات عن انتخابات البرلمان وقال: “من وجهة نظري، يجب أن نعترف بأنّ الديمقراطية تمثل نموذجًا للحكم الذي يناسب العصر الحالي، رغم وجود العديد من الانتقادات لها. المشكلة في كردستان هي أن الأحزاب المشاركة في الانتخابات تفتقر إلى رؤى سياسية واضحة تعكس مصالح الشعب بشكل حقيقي. لا توجد فلسفة واضحة لإدارة شؤون الحكم تتجاوز ما قدمته الحكومات السابقة، وخاصة فيما يتعلق بالحزبين الحاكمين، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.

العملية الديمقراطية لا تتعلق فقط بالمؤسسات والأبنية، بل هي ثقافة سياسية، وهذه الثقافة غائبة تمامًا عن الأحزاب الحاكمة. ما نشهده هو مجرد هياكل سلطوية بدون وجود آليات حقيقية للحد من سلطة هذه الأحزاب. الديمقراطية جلبت لمجتمعاتنا مبدأ الحد من السلطة، ولكن ما رأيناه هو عكس ذلك؛ تم تعطيل البرلمان في إقليم كردستان، وتم اعتقال العديد من النشطاء السياسيين والمدنيين، خاصة في منطقة بهدينان.

المحلل السياسي د.حكيم عبدالكريم

أضف إلى ذلك، الفساد المستشري والانهيار الاقتصادي الذي يعاني منه الإقليم، ولم نسمع صوتًا جريئًا من الحكومة المنتهية ولايتها حول هذه الأزمات. السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تمكن هذان الحزبان من تحقيق تغيير فكري أو سياسي؟ وهل يستطيعان تجاوز التبعية السياسية والاقتصادية لدول مثل إيران وتركيا؟ الجواب بالتأكيد هو لا.

إذا كانت هذه هي الحال، فلا نتوقع أن تكون نتائج الانتخابات في مصلحة الشعب والمواطنين. تصريحات الأحزاب وحملاتهم الدعائية تؤكد على وجود تدخلات خارجية في الانتخابات. إدارة الحزبين الحاكمين لأعمالهم في الماضي تحكم بشكل كبير على مستقبلهم.

بالنسبة للأحزاب الإسلامية، فإنها تلعب على وتر الدين في حملاتها الانتخابية، مستخدمة شعارات دينية لكسب الأصوات. يدعون بشكل صريح أن من لا يصوت لأحزابهم محروم من الجنة. هذا النهج لا يقتصر فقط على الأحزاب الإسلامية، بل دفع الأحزاب الأخرى، بما فيها الأحزاب الحاكمة، لتبني نفس التكتيكات. وهذا يشكل تهديدًا خطيرًا للديمقراطية ولطبيعة الدولة المدنية.

المرشحون في هذه الانتخابات ليسوا بالمستوى الأكاديمي أو المهني الذي يمكن أن يثق بهم المواطنون، بل تم اختيارهم بناءً على شعبيتهم لا أكثر. إذا كانت الانتخابات وسيلة للوصول إلى السلطة وليس لخدمة المجتمع، فإن ادعاءات الأحزاب بأن الانتخابات ستحسن الأوضاع ستكون محل شك كبير.

صحيح أنّ هناك تحسينات في العملية الانتخابية، مثل شطب الأسماء المكررة وتغيير النظام الانتخابي، ولكن ما رأيناه من تسريبات صوتية حول تدخلات الحزبين الكرديين، يثير الشكوك حول نزاهة الانتخابات. الاتحاد الوطني الكردستاني أنكر صحة هذه التسريبات، ولكننا كمراقبين نشك في قبول نتائج الانتخابات إذا حدث تغيير في توازن القوى بين الحزبين الرئيسيين.

في النهاية، يجب على الأطراف السياسية أن تعي أنّ السلطة ليست قابلة للتملك، ويجب أن يتحملوا مسؤولية وطنية حقيقية تجاه ما يجري في المنطقة.”

كما قال المتحدث الرسمي باسم الاتحاد الوطني الكردستاني سعدي احمد بيره لمركز إنشاء للمعلومات: “إنّ الانتخابات الحالية في إقليم كردستان تمثل حدثًا بالغ الأهمية، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الإقليم بعد سلسلة من التأجيلات بسبب نزاعات سياسية بين الأحزاب، خصوصًا مع الحزب الديمقراطي حول قضايا جوهرية، مثل تغيير النظام الانتخابي وإعادة توزيع مقاعد كوتا المكونات.

المحكمة الاتحادية، من خلال قرارها بطلان تمديد ولاية البرلمان، أظهرت أنّ الانتخابات هي السبيل الشرعي الوحيد لتحديد السلطة، وأكّدت أن الاستمرار في الحكم دون انتخابات يتعارض مع المبادئ الديمقراطية وحقوق المواطنين. كما أفضى قرار المحكمة إلى تقليص عدد مقاعد البرلمان من 111 إلى 100، مع تخصيص 5 مقاعد لكوتا المكونات، مما يسهم في تحقيق عدالة أكبر في التمثيل السياسي.

المتحدث الرسمي باسم الاتحاد الوطني الكردستاني سعدي احمد بيره

وكحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، نؤكد على إجراء الانتخابات في موعدها ونَدعو جميع الأطراف المشاركة فيها إلى احترام إرادة الشعب وتوجهاته. يسعى الاتحاد الوطني من خلال صناديق الاقتراع إلى تحقيق أغلبية برلمانية لتشكيل الحكومة القادمة من أجل تصحيح المسار الخاطئ للحكومة الحالية وإعادة تنظيم السلطات في الإقليم، وإنهاء حالة احتكار غير الشرعي للحزب الديمقراطي الكردستاني على جميع مفاصل السلطة في الإقليم.

منذ تشكيل الكابينة الوزارية التاسعة، استغل الحزب الديمقراطي الكردستاني نفوذه في السلطة وانفرد بها، واتخذ قرارات مصيرية خاطئة بشكل انفرادي دون الرجوع إلى الجهات المشاركة في الحكومة. في البداية، شاركنا في الحكومة على أساس اتفاقية اعتمدت على ثلاثة مبادئ أساسية وهي: الشراكة، التوافق، التوازن. إلا أن رئيس الحكومة أدارت ظهره لهذه الاتفاقية، وقاد التشكيلة الوزارية بصورة خاطئة، وتجاوز على مبدأ الشراكة والتوافق، وبسببها قاطع فريق الوزراء للاتحاد الوطني الكردستاني في التشكيلة الوزارية لمدة أكثر من ستة أشهر، وحاولنا تصحيح المسار الخاطئ الذي كان رئيس الحكومة ينتهجه.

نتيجة لهذا الاحتكار والسياسات الخاطئة للحزب الديمقراطي الكردستاني في العملية السياسية، دخل الإقليم في مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية كثيرة داخليًا، وبسبب هذا النهج الخاطئ لرئيس الحكومة المنتهي ولايته، تعمقت الخلافات مع بغداد ودفع شعب الإقليم وموظفيه ضريبة كبيرة.

من ناحية أخرى، فإنّ نتائج هذه الانتخابات ستحدد تشكيل الحكومة المقبلة وتوجهاتها، خاصة فيما يتعلق بالاقتصاد، الأمن، والخدمات العامة، وحل الخلافات مع بغداد. في ظل هذه الظروف، تُمثل الانتخابات أملًا لتجديد الثقة بين الشعب والقيادة السياسية، وتشكيل برلمان يعكس اهتمامات المواطنين وتطلعاتهم. يحاول الاتحاد الوطني الكردستاني تشكيل حكومة شراكة وطنية جديدة في الإقليم لتلبية مطالب الشعب وحل مشاكله والدخول في مفاوضات جدية مع بغداد من أجل إيجاد حل دائم للملفات العالقة والخلافات حول حقوق الشعب الكردي وحكومة إقليم كردستان مع بغداد وفق الدستور الاتحادي في العراق.”

بشكل عام، تُعد الانتخابات المقبلة حدثًا محوريًّا بالنسبة لإقليم كردستان، وقد تحدد مستقبل علاقات الحزبين الكبيرين وتوازن القوى في الإقليم في ظل تعقيدات سياسية وأمنية واقتصادية مستمرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *