الكرد خميرة الديمقراطية والتغيير في الشرق الأوسط

محمود فقيه/صحافي وكاتب سياسي لبناني
إذا كانت شعوب الشرق الأوسط هي غلال هذه الأرض وعجينة مجتمعاتها الممتدة، فالكرد هم خميرة هذه الشعوب التي لا يكتمل نضج الجسد الاجتماعي من دونها. إن المنطق الحضاري والسياسي يقضي بألا يُفسَد العجين بنبذ الخميرة أو محاولة إقصائها، بل يصبح دمجها واجباً ومساراً حتمياً، ومزجها بالماء والسكر لإنتاج حلاوة العيش المشترك ومياه الحياة التي تحتاجها جغرافيا منهكة بالصراعات.
عاشت منطقة الشرق الأوسط طوال القرن العشرين وما تلاه، تحت وطأة أنظمة شمولية إستبدادية، اعتادت فيها المجتمعات على نمط الحكم الديكتاتوري القائم على القمع والمركزية الصارمة. وفي هذه الجغرافيا التي توزعت بين سلطويات عربية، وإيرانية، وتركية، كان الكرد يتواجدون كعنصرٍ يتلقى الصدمات التاريخية الأقسى، ولا سيما عقب سقوط الإمبراطورية العثمانية؛ إذ سُلب الكرد حقهم الناجز في تقرير المصير بموجب “اتفاقية لوزان” عام 1923، والتي استُبدلت بها التزامات اتفاقية “سيفر” لتقسيم الجغرافيا الكردية وتكريس حرمانهم من كيانهم المستقل.
غير أن هذا الإجحاف التاريخي لم يُحِل الكرد إلى الهامش السياسي، بل تحولوا عبر عقود من الكفاح المتواصل إلى روادٍ حقيقيين لحركات التحرر الوطني والسياسي في المنطقة. انخرطوا بفاعلية في تأسيس التحركات المدنية والشعبية، وشاركوا في قيادة المسارات الديمقراطية في بلدان تواجدهم؛ ويكفي النظر هنا إلى الدور التاريخي للحركة اليسارية والشخصيات الفكرية والنقابية الكردية فيها، ناهيك عن تاريخهم الناصع في مقاومة الانتداب الفرنسي، وحتى انخراطهم المبكر في الكفاح المسلح الفلسطيني دفاعاً عن القضايا العربية العادلة.
عكس تيار التسلط: الحداثة كخيار استراتيجي بينما كانت سفن الأنظمة المستبدة تسير في اتجاه تكريس الشمولية، كان الكرد –وبالإنصاف بمشاركة أقران ونخب تنويرية من مختلف مكونات مجتمعاتهم– يسيرون عكس تيار التسلط. وفي الوقت الذي اتجهت فيه دول تواجدهم نحو الشرق الاستبدادي للتحصن خلف قوالب حكم الفرد، أو الحزب الواحد، أو السلطة الدينية المغلقة، كان الكرد ينظرون نحو الغرب لاستدراج مفاهيم الحداثة والتطور، وسيادة القانون، وبناء المؤسسات.
لم يكن الكرد يوماً طائفيين أو مؤطَّرين بأيدولوجيا دينية معتمة، حتى إن النزعة القومية لديهم لم تكن خياراً أيديولوجياً بقدر ما جاءت كإنعكاس طبيعي ورد فعل مشروع على عقود من الاضطهاد، وتهميش الهوية، والمنع القسري من التعبير عن الذات.
ولعل النظر إلى الواقع السوري الراهن يقدم نموذجاً صارخاً لهذه الفجوة الثقافية والسياسية؛ فبعد سقوط نظام البعث وإنحراف بنية الدولة المتشكلة نحو الأسلمة والتشدد، جاء إعلان دمج وتأطير قوات “قسد” والإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية ليضع الجميع أمام مفصل تاريخي. كيف لمجموعة تمتلك كتائب عسكرية كاملة من النساء أن تندمج في مؤسسات تطغى عليها صور الملتحين والخطاب الديني المتشدد؟ وكيف لإدارة ذاتية استطاعت على مدى سنوات أن تفرض نظاماً قضائياً مدنياً وقوانين عصرية، أن تندمج مع محاكم شرعية وقضاء ديني؟
إن هاتين الصورتين المتقابلتين تفصحان عن جوهر المعركة على شكل الدولة المستقبلية. فإذا نجح هذا الاندماج بشروط الحداثة والتمثيل الصحيح، فإن صورة النظام ذي الطابع الإسلامي المباشر ستتغير حكماً؛ إذ إن حضور المرأة الكردية وقوانين الإدارة المدنية سيفرض نافذة واسعة للتنوير داخل مؤسسات الدولة الجامعة.
من تجربة الإقليم إلى إعادة بناء الدولة المدنية
تتجاوز التطلعات الكردية مجرد الانتظام السياسي إلى الاستثمار المباشر في تطوير القوانين، وتصميم الإدارة على قواعد الحداثة، والحوكمة الإلكترونية، وتكريس الطابع الممدّن على أركان الدولة. ويمكن الوقوف هنا على تجربة إقليم كردستان العراق، الذي نجح في تحويل جغرافيته إلى منطقة متقدمة عمرانياً، وإدارياً، واقتصادياً، ومتفوقة بفوارق شاسعة عن بقية مناطق العراق، بفضل الانفتاح على العصر ومأسسة الإدارة.
إن هذه “الخميرة الكردية”، إذا أحسنت القوى الوطنية والإقليمية استخدامها واحتضانها، ستنشر مبادئ الحريات في كافة أرجاء الدولة، وتكرس صحة التمثيل النيابي والمجتمعي، وتنهي عصر الصور الأحادية في الحكم وإنعزال المجتمعات. كما أنها ستساهم في إعادة بث الروح الوطنية الحقيقية في مؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسة العسكرية، وتكرس موقع المرأة وحقوق الإنسان بما يرفع هذه الدول إلى مصاف المجتمعات المتقدمة.
وحين يتحقق ذلك، فإن الخزاعات والأوهام التي كانت تستخدمها الأنظمة الشمولية كذريعة لقمع الشعوب –مثل فوبيا “التقسيم” أو الحساسية المفتعلة من “الفيدرالية”– ستغدو مع الوقت مشاريع بلا محرك؛ لأن الناس حينها ستملك الأهلية الكاملة، والوعي الحر، والحريات المصانة لاختيار صيغة العيش والنظام الصالح لهم عبر ممارسة حقهم في تقرير المصير بكل حضارية.
المرأة الكردية: من ثنائية الهامش إلى طليعة الثورة الاجتماعية (جني، ژيان، أزادي)
لا يمكن تفكيك شفرة “الخميرة الكردية” أو فهم سر تميز تجربتهم دون التوقف عند النقطة الأشد نصاعة وإشراقاً: المكانة الطليعية للمرأة الكردية. ففي مجتمعات شرق أوسطية رزحت عقوداً تحت وطأة الذكورية الهيكلية والأنظمة الدينية المغلقة، لم تكتفِ المرأة الكردية بالمطالبة بحقوقها، بل انتزعت دورها كشريك قيادي ومُكافئ في صناعة القرار الميداني والسياسي.
إن تجربة الوحدات النسائية والإدارة الذاتية لم تكن مجرد استعراض شكلي لمفهوم “الجندر”، بل كانت إعادة تعريف عميقة لمفهوم التحرر؛ إذ تحولت المرأة من ضحية للتهميش المزدوج (القومي والاجتماعي) إلى نادّةٍ (الندّ) للأنظمة الاستبدادية والتنظيمات الظلامية على حدٍّ سواء. هذا الحضور الذي يُجسّد شعار “المرأة، الحياة، الحرية” (جني، ژيان، أزادي) يقدم للشرق الأوسط أجمع نموذجاً لا مفر منه لبناء أي دولة مدنية حديثة: دولةٌ لا تُقصي نصف مجتمعها، وتُدرك تماماً أن أي ديمقراطية لا تضع حرية المرأة وتمكينها في صلب عقدها الاجتماعي، هي ديمقراطية مشوهة ومحكومة بالفشل.
واجب الاحتضان: استحقاق المستقبل
إن احتضان الكرد والاعتراف بمشروعهم الحضاري والتنويري ليس مجرد استجابة لعدالة قضية تاريخية، بل هو ضرورة استراتيجية لبناء شرق أوسط جديد ومستقر. فبدلاً من التعاطي مع الطروحات الكردية بمنطق التوجس والريب، حريٌّ بالبيئات الوطنية المحيطة أن ترى في التجربة الكردية حليفاً طبيعياً لتحديث مجتمعاتها وتفكيك العقلية الشمولية.
إن احتضان هذه “الخميرة” والاعتراف بخصوصية مشاريعهم العمرانية والسياسية هو المدخل الفعلي لإعادة صياغة العقد الاجتماعي في المنطقة؛ عقدٍ يخرج الشعوب من زنزانة الدولة الأمنية إلى رحاب الدولة المدنية الجامعة، حيث تحترم التعددية، وتصان الحقوق، وتغدو المواطنة المعيار الوحيد للانتماء.