Monday, 05 October 2026
اشترك

  أهمية سوريا الإستراتيجية أمام سقوط الجغرافيا الإيرانية

بقلم رئيس التحرير

أنهت القوات الأميركية رحلتها في العراق، وفق ما وصفه دونالد ترامب، إذ استكملت واشنطن سحب قواتها، ورجحت معظم التحليلات التي تداولتها وسائل الإعلام بإتجاه الخشية من جحيم آخر مرتقب، عبر إختلاق جديد لداعش، أو تمدد أكبر لإيران في الساحة العراقية، كما أعلنت في الوقت نفسه، وزارة الدفاع التركية نيتها تسليم قاعدة بعشيقة قرب الموصل شمال العراق للسلطات العراقية بشكل تدريجي، بعد أكثر من 10 سنوات على تأسيس القاعدة التي إستخدمها الجانب التركي، بشكل أساسي في عملياته ضد حزب العمال الكردستاني، حيث جاء الإعلان التركي بعد أيام قليلة فقط من إستكمال القوات الأميركية إنسحابها من العراق، تنفيذاً لإتفاق سابق مع الحكومة الإتحادية، إذ عزا الجانب التركي خطوته تلك، بما أحرزته السلطات العراقية من تقدم في سهل سنجار شمال العراق، ضمن سياق بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها.

في الحدثين هناك تحليلات تستند إلى مقاربتين: المقاربة الأولى، هي المقارنة مع تجربة الإنسحاب الأميركي من العراق عام 2011، والتي نجم عنها صعود تنظيم  داعش والإنهيار الدراماتيكي لقوى الأمن والجيش العراقي، وما تبعها من حرب إقليمية ودولية، ضد التنظيم إستمرت سنوات حتى إنهاء نشاطه العلني، وشملت سوريا والعراق، أما المقاربة الثانية، فتستند إلى نظرية السياسة الدولية والجيوسياسية، المتعلقة بملء الفراغـ من أنه حينما تنسحب قوة دولية أو إقليمية من منطقة، تبادر أخرى لملء الفراغ الناجم عن انسحاب القوة الأولى، وبموجب هذه المقاربة، تبدو إيران الأقدر على ملء فراغ الإنسحاب العسكري الأميركي من العراق، ما سيزيد من قدرة طهران على إستخدام العراق كمنصة لتحقيق مصالحها.

وكذلك، ما يجري بين دمشق وحزب الله ليس مجرد تبدُّل في علاقة سياسية، إنه جزء من إعادة تشكيل الجغرافيا الاستراتيجية للمشرق، حيث تحاول سوريا الإنتقال من كونها عقدة في شبكة نفوذ إيرانية عابرة للحدود، إلى دولة تعيد التفاوض على علاقاتها، وحدودها، وحتى على وجود القوى الأجنبية فوق أراضيها.

المقاربات التحليلية التي أوردناها، تستند وتبني للتنبؤ المستقبلي فالمقدّمات ليست ذاتها التي كانت عام 2011، إذ تغيّرت تركيبتها والكثير من التوازنات والمصالح داخلها، ليبدو بأن الجانب العسكري من النفوذ الأميركي، كان قد تحوّل إلى عبء بدلاً من أن يكون عامل قوة لواشنطن في العراق، إذ أصبحت القواعد الأميركية فيه هدفاً سهلاً من جانب الفصائل الشيعية المقرّبة من إيران، أو من جانب إيران ذاتها، وقد زادت وتيرتها بعد عملية طوفان الأقصى في تشرين الأول/أكتوبر 2023، ومن الأدلة الواضحة على محدودية وزن الوجود العسكري في تركيبة النفوذ الأميركي بالعراق، تظهر تجربة تدخل واشنطن في تسمية رئيس الوزراء ببغداد، مطلع العام الجاري، إذ أن ترمب وضع فيتو صريح على تولي نوري المالكي لهذا المنصب، كونه إمتداداً مباشراً للنفوذ الإيراني. ورغم قوة الإطار التنسيقي الذي يضم قوى شيعية وازنة مقرّبة من إيران، إلاَّ أنه خضع للضغط الأميركي، وتراجع عن ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء، وتم تسمية رجل الأعمال والمصرفي علي الزيدي كتسوية وسط مع واشنطن. بسبب تهديد واشنطن بتجميد عوائد مبيعات النفط العراقي المودعة في بنك الإحتياطي الفيدرالي، والتلويح بوقف تدفقات شحنات الدولار الشهرية إلى البنك المركزي العراقي، وفرض عقوبات مشددة على النظام المصرفي ببغداد، وفرض عزلة مالية عليه تفصله عن النظام المصرفي، مع وقف كافة أشكال الدعم الأمني واللوجستي وتبادل المعلومات الإستخباراتية، مما رفع منسوب المخاوف لدى المنظومة الأمنية العراقية من أن يؤدي ذلك لإنهيار القدرة على متابعة التهديدات الأمنية المرتبطة بداعش.

وهذا يُظهر بأن النفوذ الأميركي في العراق، لا يقوم على التواجد العسكري المباشر، بل على خلطة من عوامل التأثير المالية والإقتصادية والأمنية واللوجستية، تجعل نواة التركيبة الحاكمة عاجزة عن التماسك في مواجهة ضغط أميركي شديد رغم ولائها لإيران، فهي تخشى غضباً شعبياً شبيهاً بإحتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2019، والتي مثّلت أكبر تهديد لإستقرار حكمها.

وعلى الرغم من أن واشنطن تعمل على تأمين القوات الأميركية وإبعادها عن ساحات التصعيد العسكرية المستمرة، لكن يبدو أن قرار الإنسحاب مرتبط أيضاً بإستراتيجية أميركا المتضمنة نزع سلاح الفصائل النشطة خارج إطار الدولة، وإدماجها ضمن المؤسسة العسكرية، وتعزيز دور الحكومة الاتحادية، وقد ألمح المبعوث الرئاسي الأميركي إلى العراق وسوريا، وسفير واشنطن في تركيا طوم براك، لأهمية دخول قوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان العراق، ضمن الجيش العراقي، وقبله أوقفت الإدارة الأميركية الدعم المخصص لهذه القوات، وهذه الخطوات تندرج أيضاً في سياق الحوافز المقدمة للحكومة الإتحادية العراقية برئاسة الزيدي، لتتخذ خطوات جادة فيما يتعلق بنزع سلاح الفصائل.

في المقابل، فإنه من غير المتوقع إنسحاب القوات التركية بشكل كامل ودفعة واحدة من شمال العراق، بما فيها قاعدة بعشيقة الأكبر في المنطقة، إنما سيطبق الجانب التركي غالباً نهج خطوة بخطوة، حيث يحتفظ بقسم من وجوده العسكري والأمني للإشراف على تطبيق إتفاقية قضاء سنجار، بينه وبين الحكومة العراقية التي تتضمن حصر السلاح بيد الدولة، وتفعيل القضاء، وإخراج المقاتلين الأجانب، مما يدفع للإعتقاد بأن تركيا ستحتفظ حالياً بقسم من القاعدة،أو تؤجل التنفيذ بالكامل إلى مراحل لاحقة، لرغبتها في التأكد من الإجراءات على الأرض، وعدم قدرة التيار الرافض للتسويات في العمال الكردستاني، على تعطيل الاتفاق الخاص بسنجار، فأنقرة تطمح على الأرجح لإستدامة نفوذها في العراق، لكن بشكل مقبول لبغداد وغير مستفز لإيران، ولذا ستسعى إلى تحويل دورها إلى إستشاري وتنسيقي مع القوات العراقية، فالإعلان التركي عن الإنسحاب وتسليم القاعدة للعراق، سيقلِّص إلى حد كبير دوافع التنسيق بين الفصائل العراقية المدعومة من إيران، ووحدات حماية سنجار، حيث نسق الطرفان على مدار السنوات الماضية، ضد النفوذ التركي شمال العراق، ومع هذه التطمينات تتوقع أنقرة أن تنتفي الحاجة لمثل هذا التنسيق الأمني ضدها، بالإضافة إلى تخفيض حجم الإعتراض على وجود علاقات رسمية تركية عراقية.

تزامناً، كشفت وكالة رويترز، من مصادر مطلعة، بينها مسؤولان سوريان ومسؤول أميركي ومصدر أمني لبناني رفيع قريب من حزب الله، عن إجتماع عقد في تركيا في أيلول الماضي بين مسؤولين سوريين وممثلين عن الحزب.،فدمشق وأنقرة نفتا الرواية بصورة قاطعة، فيما تمسَّكت الوكالة بمعلوماتهان فلماذا أصبح مثل هذا اللقاء ممكناً، بل منطقياً، بعد سقوط نظام بشار الأسد في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر؟

فالمفاوضات المفترضة لم تتناول إستعادة التحالف السابق، بل ما يشبه تنظيم الإنفصال بين حليفين سابقين أصبحا على طرفي معادلة جديدة، وبحسب المصادر الصحافية التي حصل عليها مركز إنشاء للمعلومات والأخبار، أبلغت دمشق حزب الله أنها لا تعتزم التدخل عسكرياً في لبنان لنزع سلاحه، لكنها طالبت بوقف عمليات التهريب عبر الحدود وتفكيك ما تقول إنها خلايا مرتبطة بالحزب داخل سوريا، أما لجهة الحزب فتعهد، وفق الرواية نفسها، بعدم التدخل في الشؤون السورية من دون تقديم جواب مباشر عن بقية المطالب، فالأمر لا يتعلق بمصالحة، بل بمحاولة تأسيس تعايش أمني إضطراري، وهنا تكمن الأهمية الإستراتيجية لسوريا، على مدى عقود، لم تكن دمشق بالنسبة إلى طهران حليفاً عربياً فحسب، كانت سوريا العقدة الجغرافية التي تسمح بوصل إيران، عبر العراق وسوريا، بحزب الله في لبنان، وقد وصفت مصادر وتحليلات غربية سقوط الأسد بأنه قطع لأهم طريق بري كان يربط إيران بالحزب، فيما تؤكد دراسات حديثة أن نظام الأسد شكّل حجر الزاوية في قدرة إيران على إسقاط نفوذها في المشرق.

لذلك، لم يخسر حزب الله بسقوط الأسد نظاماً حليفاً فقط، لقد خسر بيئة جيوسياسية كانت تؤمن جزءاً أساسياً من عمقه الإقليمي. أما بالنسبة لدمشق، فما كان يمثل للحزب عمقاً إستراتيجياً، تريد الدولة السورية إعادة تعريفه بإعتباره حدوداً سيادية، وهذا التحول ليس نظرياً، فالمباحثات السورية _ اللبنانية الأخيرة، تناولت بصورة مباشرة المعابر، ومكافحة التهريب، وتبادل المعلومات، وتعزيز الإتصال بين الأجهزة المختصة، بعد إنشاء اللجنة العليا المشتركة بين البلدين، فنحن أمام محاولة لنقل العلاقة، ولو تدريجياً، من شبكات القوة العابرة للحدود إلى مؤسسات الدولتين.

هناك ثلاثة من مصادر من وكالة رويترز كشفت أن أنقرة هي التي دفعت بإتجاه الإجتماع، وهذا يتناسب مع الموقع الذي إكتسبته تركيا بوصفها أبرز الداعمين الإقليميين للسلطة السورية الجديدة، ومع محاولتها تقديم نفسها وسيطاً في نزاعات المنطقة، فأنقرة باتت  على ما يبدو تمتلك قدرة متزايدة على التأثير في مستقبل الدولة السورية، وهو ما يضعها في تماس متصاعد مع الحسابات الإسرائيلية، وقد أظهرت تقارير غربية وإسرائيلية، أن إحتمال توسُّع الوجود العسكري التركي، ولا سيما إدخال منظومات دفاع جوي أو إستخدام قواعد سورية، يثير مخاوف إسرائيلية لأنه قد يحد من حرية العمل العسكري الإسرائيلي داخل سوريا.

وهكذا تظهر مفارقة إستراتيجية، تراجع إيران في سوريا لا يعني بالضرورة ظهور فراغ، فقد يعني انتقال مركز الثقل نحو قوى أخرى، وربما تكون المعلومة الأكثر خطورة هي أن إيران لم تشارك في الإجتماع المفترض، وبحسب مصدر أمني لبناني، كان حزب الله قد أطلع طهران على الإتصال، لكن الإيرانيين أبدوا إستياءهم من إستبعادهم، فيما لم يُظهر الرئيس أحمد الشرع إستعداداً لإقامة علاقة مباشرة معهم في المرحلة الراهنة، وهذا يحمل معنى يتجاوز البروتوكول، فالعلاقة بين دمشق وحزب الله كانت لعقود جزءاً من مثلث دمشق _طهران _ الحزب، أما الآن فتظهر إمكانية إدارة دمشق لعلاقتها بالحزب من دون أن تكون إيران طرفاً مباشراً فيه، من دون أن يعني ذلك فك إرتباط حزب الله بإيران، ولا خروج طهران نهائياً من المشرق، لكنه يعني أن إحتكارها السابق لإدارة هذه المساحة الجيوسياسية تعرض لضربة بنيوية كبيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *