التغييرات المناخية حول العالم.. هل نحن مستعدّون لها؟

لبنى بن عبد الله/إعلامية تونسية
ما فعله الإنسان بالأرض والبيئة في المئتيْ سنة الأخيرة، لم يفعله سكانها منذ نشأتها قبل مليارات الأعوام، من تلوث وإستهتار بالبيئة وإفساد الأراضي بالأسمدة الكيميائية وإستنزاف كل طاقات الكون برا وبحرا وجوا، فقد أعلن الأمريكان عن إطلاقهم برنامجا نوويا في الجو وكذلك سيفعل الروس، لكن الطبيعة لم تعد تتحمل كل هذا العبث، لذا بدأت تتمرد على الإنسان بتغييرات مناخية مخيفة أعاصير في غير زمانها ومكانها وجفاف وفياضانات غير معهودة، فلم يعد مكان آمن في الكرة الارضية من هذه الإنقلابات..فهل إستعد الإنسان لذلك ؟
*التغيرات المناخية تهدّد صحة الإنسان
في ظل موجات الحر غير المسبوقة التي شهدتها أوروبا وشمال أفريقيا التي قاربت 50 درجة، فقد أضرت بصحة الإنسان والحيوان والتوازن البيئي، كما إلتهمت النيران ملايين الهكتارات من المساحات الخضراء مصدر الأوكسجين وحياة الحيوانات وبيوت السكان، في أستراليا وأمريكا فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وتونس والجزائر واليونان وتركيا والبرتغال وأمريكا اللاتينية، في أكبر خسارة فادحة لخزانات الأوكسيجين وموت للحيوانات، ولسكان الجبال والغابات وما جاورها، أناس لا يعرفون العيش، إلاَّ فيها فهي موارد رزقهم الفلاحية والحرفية، كما تسببت الحرائق في وفاة آلاف البشر وحتى من نجا فهو مهدّد صحيا خاصة من يشكو من أمراض مزمنة فالحرارة تهدّد صحة القلب والجلد والكلى والجهاز التنفسي والتلوث الكيميائي هو سبب مباشر لمرض السرطان.
سيعاني العالم من إرتفاع عدد المرضى في العالم وهو ما يجعل القطاع الطبي بمستشفياته وطاقمه وعماله وقطاع التأمين الصحي في ضغوطات ومجهودات مضاعفة في السنوات القريبة القادمة.
*تأثير إقتصادي مباشر
ما بين 2005 و 2011شهدت سوريا موجة جفاف غير مسبوقة، ما تسبّب في هجرة آلاف العائلات من المناطق الزراعية إلى أطراف مدينة دمشق وغيرها من المدن السورية، هذه العائلات المهمشة وذات الدخل الاقتصادي الهش، كان شبابها محركا للثورة على نظام الاسد، وفي غيره من دول العالم تسببت التغيرات المناخية في عدة دول، لموجات نزوح غير منظمة وغير مهيكلة، تسببت في إنتشار الأحياء العشوائية، حيث تنتشر البطالة والمخدرات والإستقطابات المتطرفة، وموجات الهجرات السرية التي أزعجت دول شمال القارة، وفي دلتا مصر قلب الزراعة المصرية إرتفعت نسبة الملوحة في مياه الري، فلم تعد الأراضي صالحة للزراعة، فنزح المزارعون للمدن وأطرافها ولم ينجح أغلبهم في الحصول على شغل قار.
في تونس أين إرتفعت درجة حرارة المتوسط الى3.5 درجة.؟
أفاد الأستاذ أحمد غديرة خبير في الأوساط البحرية البيئة، أن هذا الإرتفاع الكبير سيقضي على طحالب وأعشاب غذاء الحيوانات البحرية، التي ستموت تدريجيا، وبذلك فإن مهناً بحرية كصيد السمك ستتأثر كثيرا في السنوات القادمة، وهذا يعد كارثة إقتصادية ومالية على آلاف الأسر ف46ألف أسرة مهددة بفقدان مورد رزقها من البحر.
وفي إيران أعلن الرئيس مسعود بيزكشيان، أن مدينة طهران لم تعد صالحة للسكنى، وأنه يجب التفكير في عاصمة جديدة، بسبب التلوث أما شح المياه وخطر العطش تعاني منه كل ايران، فكيف سيكون التلوث في إيران بعد هذه الحرب، والكم المهول من الأسلحة التي إستهدفتها، وهذا سيلحق أضرارا بكل المنطقة.
*لم يسلم حتى ما تحت الأرض
بإنحسار المساحات الخضراء الزراعية، كنتيجة بديهية لتراجع الأمطار والجفاف مع تزايد الحرائق وإرتفاع درجات الحرارة، ما بات يهدد بلد كتركيا بلد الأمطار والثلوج بإتساع مساحات التصحُّر، ووضعها ضمن قوائم حزام الجفاف، كما يشير تقرير بؤر الجفاف حول العالم 2023/2025 ، الصادر عن المركز الأمريكي للتخفيف من آثار الجفاف، الذي إستنزف مياهها الجوفية، مما تسبّب في تشكل حفر ترابية، تهدد المجتمعات والبنى التحتية، ففي ظاهرة غريبة، فقد تعرَّت البحيرات الجوفية وأصبحت ظاهرة للعيان، وهذا يؤدي إلى تقليل السّعات التخزينية للمياه الجوفية بشكل دائم، فلم يستبعد رئيس مركز الفكر للدراسات بإسطنبول باكير أناجان، وصول تركيا إلى العتبة الحرجة مائياً، وإدراجها ضمن الدول الفقيرة مائياً خلال العقد المقبل، فالثلوج والأمطار مصدر المياه لم تعد تتساقط مثل العادة تركيا المتأثرة بمنابع المياه وممراتها في منطقتها ببناء السدود وتحويل وجهتها، بذلك ستصبح أنهارا مثل دجلة والفرات مجرَّد جداول، فالعراق وسوريا هما في قلب هذا المشهد من الجفاف وشح المياه، كذلك فعلت أثيوبيا بمصر ببناء سد النهضة، فبلد النيل حرم من خيراته فمن أين سيشرب 120 مليون مصري.
*”النينيو” محرّك مناخي خطير
النينيو هي ظاهرة مناخية تتمثل في إرتفاع حرارة مياه السطح في وسط وشرق المحيط الهادئ الإستوائي، تؤدي إلى حركة كبيرة في الغلاف الجوّي وتوزيع الحرارة والأمطار، تترافق غالباً مع إرتفاع في درجات الحرارة العالمية فوق معدلاتها الطبيعية، النينيو يؤثر في البحر الأبيض المتوسط، بإرتفاع درجات حرارته مع تسجيل فترات رطوبة مطولة، وإلى إضطراب توزيع الأمطار، حيث تشهد فترات جفاف طويلة تتخللها أحيانا أمطاراً رعدية غزيرة مفاجئة في وقت قصير، وزيادة التقلبات الجوية بإضطرابات قوية، فترتفع نسب التبخر مع الحرارة العالية، لكن يبقى النينيو عاملا مؤثراً ضمن منظومة مناخية معقدة، وليست السبب الوحيد في التغيرات الجوية
* الأمن الغذائي مهدد
العالم أمام موجات جفاف قاتلة، وأعاصير وفياضانات، ومن ينجو من الأولى فلن ينجو من الثانية، وفي الحالتين تهديد مباشر للمحاصيل الفلاحية والزراعية، وهذا خطر على الأمن الغذائي للإنسان، فمثلا مدينة قونيا هي سلة تركيا الغذائية، مهددة بالجفاف، لذلك غذاء تركيا يستأثر كثيرا بذلك، ومحاصيل شمال العالم تحت خطر الفياضانات السنوية، أو ما هو أخطر الغرق ببداية ذوبان المحيط المتجمّد الجنوبي والشمالي، الذي يسعى الأمريكي والصيني والروسي، للإستحواذ عليه لما يحتويه من ثروات كبيرة، وحين يصل الإنسان إليها، سيفسد كل شيء هذه المرة، الذوبان يعني لا نجاة من الغرق، فالعالم أمام صدمة غذائية نتيجة الجفاف والحرائق والفياضانات والأعاصير.
*لا ضمان للإستقرار السياسي
لو سلمنا جدلاً أن السياسة هي مجموعة القرارات والأفعال التي تتخذها الحكومات أو الجماعات، لتنظيم شؤون الدولة وإدارة المجتمع، وان الأحزاب المتعددة في المجتمعات الديمقراطية أو الحزب الواحد في الدول الديكتاتورية، أو حتى حكم الفرد، ستُعيق التغيرات المناخية تنفيذ البرامج الإقتصادية والمالية والغذائية للمجتمعات، فماذا ستفعل مع غضب الإنسان المتضرر الذي سيكون عنيفاً وناقماً على الدولة والساسة والأحزاب، هل جدولت الدول في مخططاتها القريبة والمتوسطة والبعيدة، تأثير المناخ على المجتمعات ساسة كانوا أو مواطنين، فقد شاهدنا عنفاً غير مسبوق في بعض الدول الأوروبية، في أزمة الطاقة حين لم تتوفر لهم التدفئة، أو غضب المزارعين في الفياضانات وفساد محاصيلهم.
يقول المؤرخ والكاتب مايك دونكان، أن المؤرخين لاحظوا منذ فترة إرتباطاً بين الطبيعة ومصير الحضارات، والمثال الأوضح على ذلك الفترة المحيطة بالثورة الفرنسية والتغييرات المناخية الحالية تهدّد بتأثيرات إجتماعية كبيرة وحاسمة، فالثورة الفرنسية تعتبر حكاية تحذيرية، لكن تبقى الفوضى المناخية التي حدثت في ذلك العصر، نتيجة لعمليات طبيعية في حين أن أزمة الإحتباس الحراري التي نعيشها اليوم، ناجمة عن أفعال بشرية وإن لم تتخذ الخطوات الفورية لإيقافها، سيزداد الأمر دمارا، لذلك ما لم تتوفر هياكل سياسية قادرة على الإستجابة للأزمات الإجتماعية الحتمية الناجمة عن تغييرات المناخ، وتكون من الكفاءة والجدية والمسؤولية تجاه الطبيعة والبشر، وأن يقرّوا الإقتصاد الأخضر ويسعون لتثبيت بنى تحتية قوية ولتوازن غذائي عالمي والعمل العالمي المشترك للخروج بأقل الخسائر والأضرار، فالفوضى ستكون عالمية.