العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة: من الردع إلى الهجوم الاستباقي وإعادة تشكيل الإقليم

د.حسين المولى/كاتب سياسي
لم يعد التحول في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر مجرد تعديل في أساليب المواجهة العسكرية، بل بات يعكس توجهاً استراتيجياً نحو نقل المعركة إلى خارج حدود الكيان، وتوسيع نطاق الضربات الاستباقية، وإعادة تعريف التهديدات بما يتيح لإسرائيل استهداف ما تراه يشكل خطراً مباشر عليها، مع تقليص الاعتبارات السياسية التي كانت تؤخذ في مراحل سابقة. ولم يعد الأمر مقتصراً على الرد على الهجمات بل أصبح يشمل المبادرة إلى استخدام القوة لمنع تشكّل التهديدات وفقاً للتقديرات الأمنية الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، يندرج الطرح الذي قدّمه رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن الانتقال من سياسة الردع إلى العمل العسكري الفعّال، بوصفه تعبيراً عن مسار أخذ يتبلور تدريجياً في الممارسة الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب.
ويأتي إعلان نتنياهو عن هذا التحول في سياق توظيف سياسي داخلي، إذ يسعى إلى تقديم العمليات العسكرية والنتائج الميدانية بوصفها دليلاً على قدرته على تغيير البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل وفرض معادلات جديدة على خصومها. وبذلك، يتداخل البعد الاستراتيجي للعقيدة الأمنية مع الحسابات الانتخابية، من دون أن يعني ذلك أن التحول العسكري نفسه مجرد شعار سياسي؛ فهو مسار تجلّى في الممارسات الميدانية وتوسّع نطاق العمليات خارج الحدود.
غير أن الانتقال من الردع إلى الهجوم الاستباقي لا يقتصر أثره على طبيعة المواجهة الإسرائيلية مع خصومها، بل يفتح الباب أمام تداعيات إقليمية واسعة، أبرزها تصاعد سباق التسلح وإعادة تقييم الدول العربية لمتطلبات أمنها القومي. فحين تصبح الضربات الاستباقية أداة مركزية في السياسة الأمنية لدولة الكيان الغاصب، وتُعرّف التهديدات المحتملة باعتبارها مبرراً للتحرك العسكري المباشر، تجد الدول المجاورة نفسها أمام بيئة استراتيجية أكثر اضطراباً، ويجب عليها أن تفرص مراجعة قدراتها الدفاعية وتحالفاتها الأمنية.
وفي هذا الإطار، تتزايد احتمالات انعكاس العقيدة الإسرائيلية على منظومات التسلح في المنطقة، ولا سيما في مصر، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع المخاوف من اتساع نطاق العمليات الإسرائيلية وتداعياتها على التوازنات الإقليمية، حيث تشكّل التداعيات المحتملة للعقيدة الإسرائيلية الجديدة تحدياً مباشراً للأمن القومي المصري، ولا سيما في ظل المخاوف المرتبطة بمشاريع تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وما يمكن أن يترتب عليها من ضغوط سياسية وأمنية وديموغرافية. وقد أظهرت الحرب أن تداعيات المواجهة في الأراضي الفلسطينية تتجاوز حدودها الجغرافية، لتطال الاستقرار الإقليمي والتوازنات المحيطة بمصر.
ولا تنحصر المخاوف المصرية في مسألة التهجير وحدها، بل تشمل أيضاً اتساع نطاق العمل العسكري الإسرائيلي، وتبنّي سياسة استباقية قد تجعل الدول المحيطة عرضة للاستهداف وفقاً للتقديرات الأمنية الإسرائيلية، فضلاً عن النظرة التي تتعامل مع البيئة الإقليمية بوصفها مجالاً معادياً ينبغي إخضاعه لترتيبات أمنية تحدد إسرائيل شروطها.
إلى ذلك يمثّل إنشاء المناطق العازلة في لبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية أحد أبرز تجليات التحول في التفكير الأمني الإسرائيلي، إذ تسعى إسرائيل كما تدعي من خلالها إلى إبعاد مصادر التهديد عن حدودها وفرض واقع ميداني يمنحها هامشاً أوسع للتحرك العسكري. لكن هذه السياسة تطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة إسرائيل على الاحتفاظ بمناطق عازلة دائمة، ومدى إمكانية تحويلها إلى ترتيبات أمنية مستقرة بدلاً من بقائها بؤراً مفتوحة للصراع.
وتقوم المقاربة الإسرائيلية على تقليص المخاطر الأمنية من خلال توسيع نطاق السيطرة الميدانية، إلا أن كيفية تحقيق ذلك وحدود استخدام القوة تظلان موضع تباين داخل المشهد السياسي الإسرائيلي. فثمة فرق بين السعي إلى تفاهمات أمنية تضمن عدم استخدام الأراضي المجاورة لشن هجمات، وبين فرض سيطرة عسكرية مستمرة على مناطق خارج الحدود أو إبقائها تحت تهديد دائم.
وتتأثر الخيارات الإسرائيلية المقبلة بالتطورات السياسية الداخلية، ولا سيما نتائج الانتخابات واتجاهات تشكيل السلطة. فقد يفتح حدوث تغيير سياسي المجال أمام تسويات ذات طابع أمني، وربما إطلاق مسارات سياسية في لبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية، إلى جانب قطاع غزة.
أما استمرار الحكومة الحالية أو عودة نتنياهو إلى السلطة، فقد يدفع إلى مواصلة المشروع الأمني القائم وتعزيزه عبر ترسيخ الوقائع الميدانية وتوسيع نطاق السيطرة الأمنية، بدلاً من الانتقال إلى تسويات سياسية تعالج جذور الصراع.
لكن المناطق العازلة، مهما وفّرت من مزايا عسكرية مؤقتة، لا تعني بالضرورة تحقيق الأمن المستدام. فاستمرار السيطرة على أراضٍ خارج الحدود أو فرض ترتيبات أحادية بالقوة قد يؤدي إلى إنتاج بيئة من عدم الاستقرار، ويزيد دوافع المواجهة، ويحوّل المناطق الحدودية إلى ساحات مفتوحة للاستنزاف المتبادل. كما أن غياب الحلول السياسية يترك أسباب الصراع قائمة، حتى عندما تتغير خطوط الانتشار العسكري أو تتراجع وتيرة العمليات.
ولا يقتصر التحدي الذي تطرحه العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة على مستقبل المواجهات العسكرية، بل يمتد إلى مفهوم السلام نفسه وطبيعة النظام الإقليمي الذي تسعى إسرائيل إلى تكريسه. فقد ارتبطت السياسة الإسرائيلية تقليدياً بالاعتماد على التفوق العسكري والأمني لفرض شروط التسوية، بما يجعل ميزان القوة عنصراً مركزياً في تحديد طبيعة العلاقات مع الفلسطينيين ودول المنطقة.
وتكمن المشكلة في أن هذا التصور يختلف عن المقاربة التي تنطلق منها دول عربية وإسلامية عديدة، والتي تربط تحقيق السلام بإزالة التهديدات المتبادلة، واحترام السيادة، وضمان الحقوق، ومنع الاعتداءات، بدلاً من إخضاع الأطراف الأخرى لمعادلات تفرضها القوة العسكرية.
وتتجاوز تداعيات السياسة الإسرائيلية المواجهات العسكرية المباشرة إلى مستقبل الدولة ومؤسساتها في المنطقة. ففي لبنان وسوريا، تثير التدخلات العسكرية ومحاولات فرض الوقائع الميدانية مخاوف بشأن قدرة الدول على ممارسة سيادتها واستعادة الاستقرار. وفي الأراضي الفلسطينية، يؤدي استهداف المؤسسات وتقييد إمكان قيام دولة مستقلة إلى إضعاف فرص بناء تسوية سياسية قابلة للاستمرار، وهذا ما تريده اسرائيل.
كما أن إضعاف مؤسسات الدولة وتوسيع رقعة الفوضى يخلقان بيئة يصعب فيها تحقيق الاستقرار، ويعززان احتمالات استمرار الصراع وتعدد مراكز القوة. وفي المقابل، يشكّل وجود دول مستقرة ومؤسسات فاعلة قادرة على ممارسة سيادتها واتخاذ قراراتها الوطنية عاملاً أساسياً في بناء توازن إقليمي أكثر استدامة.
إذاً تكشف العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة عن تحول يتجاوز تطوير الأدوات العسكرية إلى إعادة صياغة العلاقة بين الكيان الإسرائيلي ومحيطه، عبر توسيع مفهوم التهديد، وتقديم الضربات الاستباقية بوصفها وسيلة مركزية لحماية الأمن القومي، وربط الاستقرار الإقليمي بقدرة إسرائيل على فرض الوقائع الميدانية. لكن تحقيق مكاسب عسكرية لا يعني بالضرورة نجاح هذه المقاربة في إنتاج سلام مستدام. فالتفوق العسكري قد يتيح فرض ترتيبات مؤقتة، لكنه لا ولن يضمن قبولها سياسياً، ولا يزيل أسباب الصراع المرتبطة بالأرض والسيادة والحقوق وتوازنات القوة