حان الوقت لتغيير السردية وتركيز الجهود على بناء مستقبل، يضمن للنساء مكانة يستحققنها
في ظل الحرب الجارية التي تشهدها السودان، تبرز مأساة غير مروية بالقدر الكافي، هي مأساة النساء اللاتي يدفعن ثمنًا باهظا جراء هذه الحرب، ويتم إقصاؤهن في الوقت نفسه من المشاركة في الحوار، حول كيفية إنهاء هذه الحرب. حيث يتعرضن لمختلف أشكال العنف والانتهاكات، من الاغتصاب والاعتداءات الجسدية إلى الخطف وفقدان المعيل، في سياق يتسم بالفقر المدقع ونقص المرافق الطبية.
خلفت الحرب التي اشتعلت في 15 نيسان /أبريل بين الجيش السوداني والدعم السريع أزمة إنسانية، تعتبر هي الأكبر عالميًا حسب تقارير الأمم المتحدة، التي تقول أنّ هناك أكثر من 8 مليون نازح جراء الحرب %88 منهم نساء وأطفال، وهناك أكثر من 4 ملايين سيدة وطفلة، تواجه خطر الاعتداءات الجنسية، وهناك تقارير عن وجود أسواق لبيع النساء في السودان.
أحد أكبر العوائق التي تقف حائلًا أمام تحقيق السلام وحماية النساء والفئات الضعيفة، هو أنّ البلد لديه تاريخ طويل من الإفلات من العقاب. إنّ عدم محاسبة مرتكبي الفظائع لا يشكل عائقًا أمام العدالة الانتقالية فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى استمرار دائرة العنف هذه، حيث أصبحت العديد من الانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان، التي وقعت في إقليم دارفور منذ سنوات، تتكرر في الخرطوم والجزيرة وأماكن أخرى.
إنّ الاعتراف بمعاناة النساء أصبح مطلبًا ملحًا، حيث تجري حاليًا مفاوضات وجهود لعدد من المبادرات، لتحقيق انتقال سلمي في السودان. ومع ذلك، يبدو أنّ السياسيين لم يستفيدوا من تجارب الماضي، فقضايا النساء لم تحظ بالأولوية المستحقة ضمن جدول أعمال المفاوضات، وهو ما يشير إلى استمرارية التهميش والإقصاء. رغم حجم التضرر البالغ جراء الحرب، والذي انعكس أثره على النساء هذا الواقع يعكس نقًصا في الإرادة السياسية لضمان تمثيل عادل وفعّال، للنساء في المستقبل السياسي والاجتماعي للسودان.
ووصلت شهادات النساء اللواتي تعرضن لاعتداءات جسدية في السودان، حسب التقارير التي تم توثيقها من قبل لجنة الأطباء إلى 417 حالة. وبالطبع، لا تعبّر هذه الأرقام عن الأرقام الحقيقية، والتي تكون في أكثر الأوقات مضاعفة. وذلك؛ بسبب صعوبة الوصول للجهات، التي ترصد البلاغات، في ظل انقطاع وسائل الاتصالات والوضع الأمني الخطر. وفى السياق نفسه، صرح الخبير الأممي المعني بحالة حقوق الإنسان في السودان “رضوان نويصر” في بيان له أنّه “استمع لروايات مقلقة للغاية عن عنف جسدي ضد النساء والفتيات، يُزعم أنّ عناصر قوات الدعم السريع والجهات المتحالفة معها ارتكبوا معظمها”. وتشير التقارير إلى أنّ 70 في المئة من الانتهاكات، تحدث أمام أسر الضحايا كنوع من الإذلال، واعتبار أنّ انتهاك حقوق النساء، هو وسيلة عقاب وسلاح قوي، لإضعاف الآخر من خلال هذه الممارسات التي يبقى أثرها النفسي لأجيال. والمقلق أيضًا، زيادة نسب الانتحار التي ارتفعت في السودان، بسبب عدم توفر العلاج النفسي والطبي، فلا يوجد جهات تعمل على الدعم بعد حدوث هذه الانتهاكات.
الكتل النسائية التي أبت على الحديث عن حقوق النساء في ومعاناتهن، كانت تتعرض في أغلب الأوقات، لهجوم المجتمع نسائه ورجاله الذي يخلط ما بين حقوق النساء المشروعة، وبين العادات والتقاليد.
من الضروري الآن أكثر من أي وقت مضى، العمل على تضمين قضايا النساء بشكل فعّال، في محادثات السلام والمفاوضات الانتقالية، وضمان تمثيلهن بنسب تتناسب مع واقعهن ومساهماتهن في المجتمع. النساء لسن مجرد ضحايا، فهن أيضًا، قائدات ومحركات رئيسية للتغيير والسلام، ويجب اعتبارهن شريكات في عملية بناء سلام مستقبل الدول والمجتمعات. وعلينا أن نعلم، أنّ تحقيق السلام والاستقرار لن يكون ممكنًا، دون معالجة جذور المشاكل، التي تعاني منها النساء وضمان حقوقهن بشكل كامل.