صراع الأمم ومصلحة الشعوب في ميزان التحليل الاستراتيجي

د.حسين المولى
يكتب الدكتور حسين المولى لـ#مركز_إنشاء_للمعلومات_والأخبار في قراءة للندوة التي أقامتها الجمعية الثقافية للشعوب الديمقراطية تحت عنوان “صراع الأمم ومصلحة الشعوب”:
في محاضرة فكرية بعنوان «صراع الأمم ومصلحة الشعوب: الشرق الأوسط نموذجاً» والتي أقامتها الجمعية الثقافية للشعوب الديمقراطية، قدّم العميد الركن الدكتور بهاء حلال قراءة تحليلية تربط بين خبرته العسكرية ورؤيته الأكاديمية والسياسية، واضعاً الإنسان في قلب النقاش حول الصراعات الإقليمية وموازين القوة. وتميّزت مقاربته بالانتقال من سؤال مَن ينتصر في الحرب إلى سؤال أكثر عمقاً: مَن يتحمل كلفتها، وهل تنعكس قوة الدولة على أمن مواطنيها وحقوقهم، أم تتحول إلى أداة لحماية السلطة وتوسيع النفوذ؟
لم يكتفِ حلال بإستعراض الأزمات التي تعصف بالشرق الأوسط، بل سعى إلى تفكيك جذورها البنيوية، موضحاً أن فهمها يقتضي دراسة العلاقة المتشابكة بين الدولة والمجتمع والسلطة والهوية والمصلحة العامة. ومن هذا المنطلق، بنى محاضرته على فكرة محورية مفادها أن الدولة التي تنشأ لحماية المجتمع قد تنقلب على وظيفتها عندما يصبح بقاء النظام السياسي ومصالح النخب الحاكمة أولوية تتقدم على حقوق المواطنين.
حلال: قراءة تتجاوز التفسير الأحادي للصراعات
أبرز ما ميّز طرح العميد حلال اعتماده مقاربة متعددة المستويات، لا تختزل أزمات المنطقة في التدخلات الخارجية وحدها، ولا تحمل المجتمعات المحلية وحدها مسؤولية ما تواجهه. فقد دعا إلى فهم الصراع بوصفه نتاجاً لتفاعل عوامل سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية، تتداخل فيها مصالح القوى الدولية والإقليمية مع طبيعة الأنظمة السياسية وبنية المؤسسات وآليات توزيع الثروة والنفوذ.
وفي هذا السياق، شدّد على ضرورة الفصل بين الدولة والنظام السياسي والمجتمع، محذراً من التعامل معها باعتبارها كياناً واحداً متجانساً. فمواقف الحكومات لا تعبّر بالضرورة عن مصالح جميع المواطنين، والسياسة الخارجية ليست دائماً انعكاساً لإرادة المجتمع، كما أن الدفاع عن الدولة لا يعني تلقائياً الدفاع عن كل خيارات السلطة القائمة.
وتمنح هذه التفرقة طرحه بعداً نقدياً مهماً، إذ تتيح تحليل مواقف الدول من دون اختزال شعوبها في أنظمتها، وتساعد على التمييز بين المصلحة الوطنية والمصالح الخاصة التي قد تتخفّى وراء شعارات السيادة أو الأمن أو الهوية.
الهوية والسلطة: تفكيك آليات الصراع الداخلي
في تناوله لمسألة الهوية، ركّز حلال على الكيفية التي تتحول بها الانتماءات الدينية والطائفية والقومية من عناصر للتنوع الاجتماعي إلى أدوات للتنافس على الشرعية والموارد ومراكز القرار. فالمشكلة، وفق تحليله، لا تكمن في تعدد المكونات، بل في تحويل هذا التعدد إلى نظام للامتيازات والتمثيل الحصري، بحيث تتقدم هوية الجماعة على المواطنة وحقوق الأفراد.
ولدعم هذه المقاربة، استحضر مفهوم «الرغبة المحاكية» لدى الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار، موضحاً كيف يمكن أن يتحول سعي الجماعات إلى امتلاك ما لدى منافسيها من نفوذ وامتيازات إلى دائرة متصاعدة من التنافس والاستقطاب. لكنه لم يجعل هذه النظرية تفسيراً وحيداً للصراعات، بل وضعها ضمن منظومة أوسع تشمل المصالح الاقتصادية والحسابات الأمنية والتاريخ والتدخلات الخارجية.
وتتضح أهمية هذا التحليل في انتقاله من وصف الانقسامات إلى تفسير الآليات التي تعيد إنتاجها: فالخوف من الآخر يعزز الالتفاف حول الزعامة، والاعتماد على الزعامة يضعف المؤسسات، وضعف المؤسسات بدوره يزيد حاجة المواطنين إلى شبكات النفوذ للحصول على الخدمات والحقوق.
لبنان والعراق: عندما تتحول الدولة إلى ساحة لتقاسم النفوذ
في الحالة اللبنانية، سلّط حلال الضوء على التناقض بين الغاية الأصلية للتوافق الطائفي، المتمثلة في حماية التوازن بين المكونات، وبين إمكان تحوله إلى وسيلة لترسيخ الزعامات وتوزيع المنافع. فعندما يصبح الوصول إلى الحقوق والخدمات مرتبطاً بالزعيم بدلاً من المؤسسات العامة، تتراجع المواطنة الجامعة لمصلحة الولاءات السياسية والطائفية.
أما في العراق، فركّز على مخاطر تحول الدولة إلى ساحة لتقاسم الحصص بين الجماعات والأحزاب، بدلاً من كونها مؤسسة مشتركة لجميع المواطنين. وفي الحالتين، لا يضع الحلال التعددية نفسها موضع الاتهام، بل يوجّه نقده إلى البنية السياسية التي تجعل الانتماء مدخلاً إلى السلطة والثروة، وتحدّ من قدرة المؤسسات على ضمان الحقوق بصورة متساوية.
وتكشف المقارنة بين التجربتين عن أحد المحاور الأساسية في محاضرته: ضعف الدولة لا يُقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، بل أيضاً بمدى استقلال مؤسساتها عن الزعامات وشبكات المصالح.
سوريا والقضية الكردية وإيران والخليج: اختلاف التجارب ووحدة الأسئلة
وسّع حلال نطاق تحليله ليشمل تجارب إقليمية متباينة، رابطاً بينها بأسئلة السيادة والمواطنة والتمثيل السياسي.
في سوريا، تناول تحول الصراع الداخلي إلى ساحة للتنافس الإقليمي والدولي، وما يترتب على تعدد الأطراف المتدخلة من تراجع قدرة المجتمع على تحديد أولوياته الوطنية بصورة مستقلة.
وفي القضية الكردية، طرح إشكالية العلاقة بين التجانس القومي واستقرار الدولة، متناولاً بدائل تشمل الاستقلال والحكم الذاتي والاندماج الديمقراطي في دولة متعددة القوميات. وركّز على أن معيار الحكم على هذه الخيارات ينبغي أن يكون قدرتها على ضمان الحقوق السياسية والثقافية وتحقيق الاستقرار، لا مجرد توافقها مع طموحات السلطة المركزية.
أما في الحالة الإيرانية، فاستعاد أهمية التمييز بين الدولة والنظام والمجتمع، في ظل تداخل الهوية القومية والتعدد الإثني والمرجعية الدينية والمشروع الإقليمي. وفي دول الخليج، ناقش العلاقة بين الثروة والاستقرار والمشاركة السياسية، مبيناً أن القدرة على توفير الخدمات لا تحسم وحدها مسألة مشاركة المواطنين في صنع القرار.
ومن خلال هذه الأمثلة، قدّم حلال إطاراً مقارناً يتيح قراءة اختلاف النماذج السياسية من دون إخضاعها لتفسير واحد، مع إبراز السؤال المشترك بينها: إلى أي مدى تخدم مؤسسات الدولة المجتمع، وتتيح للمواطنين المشاركة في تحديد مستقبلهم؟
الدولة العميقة والديمقراطية: اختبار فاعلية المؤسسات
انتقل حلال من تحليل البنى السياسية والاجتماعية إلى مناقشة آليات عمل السلطة. فتناول مفهوم الدولة العميقة، مميزاً بين المؤسسات الرسمية وشبكات النفوذ غير الخاضعة للمساءلة، التي قد تؤثر في القرار السياسي من خارج الأطر القانونية.
كما ناقش حدود الديمقراطية الانتخابية، مؤكداً أن إجراء الانتخابات لا يكفي وحده لضمان التداول الفعلي للسلطة. فالديمقراطية تحتاج إلى قضاء مستقل، وإعلام حر، ومساءلة، وسيادة للقانون، ومؤسسات تحمي الحقوق وتحدّ من احتكار القرار.
وتكمن أهمية هذا المحور في ربطه بين شكل النظام السياسي وواقع حياة المواطنين؛ إذ لا تُقاس فاعلية الديمقراطية بمجرد وجود صناديق الاقتراع، بل بقدرة الناس على محاسبة الحكام وتغييرهم، بعيداً عن الخوف والتبعية وشبكات المصالح.
اليمن: من حسابات السيطرة إلى الكلفة الإنسانية
في تناوله للصراعات الإقليمية، استشهد حلال باليمن لإبراز التفاوت بين السيطرة الجغرافية والتوزع السكاني، مستنداً إلى أرقام أوردها خلال المحاضرة حول مناطق سيطرة الأطراف المتنازعة. وتحتاج هذه الأرقام إلى تحقق مستقل قبل اعتمادها إحصائياً، لكن المثال يخدم الفكرة التي أراد توضيحها: أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة تمثيل السكان أو التعبير عن مصالحهم.
ومن خلال هذا المثال، أعاد الحلال النقاش إلى الكلفة الإنسانية للصراعات، حين يتحول السكان إلى عناصر في حسابات النفوذ، ويصبح الأمن مبرراً لتقييد الحريات، وتُستخدم الانتماءات الاجتماعية أوراقاً في التفاوض والتنافس الإقليمي.
وهنا تتجلى بوضوح زاويته التحليلية؛ فهو لا ينكر وجود المصالح الاستراتيجية للدول، بل يطرح ضرورة إخضاعها لسؤال المسؤولية عن آثارها على المجتمعات، والتمييز بين متطلبات الأمن المشروعة وتوظيفه لتبرير الإقصاء أو إدامة الصراع.
خلاصة حلال: قوة الدولة في قدرتها على حماية الإنسان
في ختام المحاضرة، جمع العميد الركن الدكتور بهاء حلال خيوط تحليله حول معيار أساسي: لا يمكن الحكم على نجاح الدولة من خلال اتساع نفوذها أو قدرتها على فرض الولاء وحدهما، بل من خلال قدرتها على حماية كرامة مواطنيها وتحقيق المساواة وصون الحقوق وإدارة التعدد ضمن مؤسسات عادلة وفاعلة.
وبذلك، تجاوزت المحاضرة استعراض الصراعات إلى مساءلة البنى التي تنتجها وتعيد إنتاجها، من احتكار السلطة والثروة إلى توظيف الهوية، ومن ضعف المؤسسات إلى التدخلات الخارجية. وقد أتاح الربط بين التجارب اللبنانية والعراقية والسورية والإيرانية والخليجية واليمنية إبراز أوجه التشابه والاختلاف في مسارات الأزمات، من دون ردّها إلى سبب واحد.
وتتمثل الرسالة المركزية التي انتهى إليها الحلال في أن مستقبل الشرق الأوسط لا ينبغي أن يُقاس بانتصار محور على آخر، أو جماعة على أخرى، بل بقدرة شعوبه على الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، ومن الخوف إلى المواطنة، ومن دولة تطلب الولاء إلى دولة تستحق الثقة.
فالأمم قد تتصارع على القوة والنفوذ، لكن قيمة الدولة تُختبر في ما توفره لمواطنيها من أمن وحرية وكرامة. وهذا هو السؤال الذي وضعه الحلال في صدارة محاضرته: ليس فقط من ينتصر في الصراع، بل ماذا يبقى للإنسان بعد انتهائه؟