مبادرة بريطانية جديدة حول لبنان يرفضها الحزب
رئيس التحرير
تعقيدات جبهة لبنان مع إسرائيل، باتت تنال إهتمام الدول كلها عربياً وأوروبياً، من خلال سلسلة لقاءات عبرت من لندن إلى أنقرة وبيروت ودمشق،حيث دخلت بريطانيا على خطّ الأزمة مستعينة بأحد أكثر رجالها خبرة في إدارة النزاعات، إنه مستشار الأمن القوميّ جوناثان باول، فإذا توافرت كل الظروف السياسيّة والأمنيّة المناسبة، فقد يؤدي ذلك لبلورة صيغة واضحة للترتيبات السياسيّة والأمنيّة في الجنوب اللبنانيّ.
ليس لدى بريطانيا صيغة مبادرة متكاملة بديلة للدور الأميركيّ، بل هي تعمل على طرح مقاربة بهدف تثبيت وقف إطلاق النار، وفتح مسار يؤدّي لإنسحاب إسرائيليّ تدريجيّ من الجنوب، بالتوازي مع خطوات لبنانيّة قابلة للتحقّق في ملفّ حصريّة السلاح، وتعزيز انتشار الجيش وترسيخ سلطة الدولة.
إن عملية إختيار باول لهذه المهمّة، كأحد أبرز مهندسي المسار البريطانيّ، الذي ساهم في وضع حدٍّ لثلاثة عقود من النزاع الدمويّ في إيرلندا الشماليّة، بين قوميّين سعوا إلى الوحدة مع جمهوريّة إيرلندا، ووحدويّين تمسّكوا ببقائها ضمن المملكة المتّحدة، حيث نجح الإتفاق وأرسى صيغة لتقاسم السلطة وعالج ملفّات شائكة في مقدّمها السلاح والأمن.
ولذلك فقد بدا بدأ الإهتمام البريطانيّ يتظهر عملياً من خلال مسارين متوازيَين، الأوب يتعلق بالمتابعة السياسيّة والأمنيّة المباشرة التي أجراها باول مع رئيس الجمهوريّة جوزف عون خلال المرحلة السابقة، والثاني يتعلق زيارة باول لبيروت، التي عكست إنتقال لندن من المتابعة إلى محاولة المساهمة في صياغة أفكار عمليّة للحلّ، وخلال زيارته بيروت، أجرى باول لقاءات مع رئيس الجمهوريّة جوزف عون، ورئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، ورئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام، ونائب رئيس الحكومة طارق متري.
فقبل ذلك بأسابيع، إلتقى باول في لندن قائد الجيش العماد رودولف هيكل، وإستمع منه بصورة مباشرة إلى تصوّرات المؤسّسة العسكريّة بشأن الجنوب، وإنتشار الجيش هناك، ومتطلّبات تنفيذ أيّ ترتيبات أمنيّة جديدة، من هذه الخلفيّة، طرح باول في الملفّ اللبنانيّ مجموعة من الأفكار تتعلّق بطبيعة الدول التي يمكن أن تشارك في ترتيبات الجنوب، وبآليّات التحقّق والضمانات التي تطالب بها إسرائيل،من دون أنأأن تقتصر على توفير ضمانات للجانب الإسرائيلي، إذ تشمل الأفكار أيضاً بحث الضمانات السياسيّة والأمنيّة المطلوبة للبنان وللبيئة الشيعيّة، لمنع تحوّل أيّ ترتيبات جديدة إلى مصدر تهديد لها.
إحدى المرتكزات الأساسيّة في المقاربة تتعلق بالبحث عن ترتيبات توازِن بين تثبيت وقف إطلاق النار، ومسار الإنسحاب الإسرائيليّ من جهة، وبين الخطوات اللبنانيّة القابلة للتحقّق في ملفّ حصريّة السلاح وتعزيز انتشار الجيش وترسيخ سلطة الدولة من جهة أخرى، ضمن صيغة تأخذ في الاعتبار الضمانات والهواجس الأمنيّة والسياسيّة المتبادلة لكل الأطراف، كذلك لم يكن تحرك باول على الساحة اللبنانيّة بمعزل عن ما يدور في الإقليم، فقد سبقت زيارته بيروت زيارة لتركيا، وإلتقى وزير الخارجيّة هاكان فيدان ورئيس جهاز الإستخبارات إبراهيم كالن، وناقش معهما التصوّرات التركيّة للحلّ في لبنان وسوريا، وإمكانية إيجاد نقاط تقاطع بين المقاربات الإقليميّة المختلفة، كما زار باول دمشق، وإلتقى الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجيّة أسعد الشيباني، وناقش معهما بصورة موسّعة الملفّ اللبنانيّ والعلاقة اللبنانيّة – السوريّةن وعلى الرغم من هامش توسُّع نطاق الحركة البريطانيّة، لا يبدو هذا التحرّك حتّى الآن مسار وساطة مستقلّاً أو بديلاً من الدور الأميركي
بالتوازي مع تحرّك باول بصفته مستشاراً للأمن القوميّ البريطانيّ، شهدت بيروت تحرّكاً آخر لافتاً، عبر زيارة وفد من منظّمة Inter Mediate برئاسة مديرتها كلير حجاج، تكتسب المنظّمة أهميّة إضافيّة نظراً لإنخراطها في جهود الوساطات وفتح القنوات الخلفيّة وتسوية النزاعات بالتعاون مع جهات حكوميّة وغير حكوميّة في عدد من بؤر الأزمات، إذ شملت لقاءات الوفد الرؤساء ومسؤولين سياسيّين، ونائب رئيس الحكومة، ومسؤولين أمنيّين وعسكريّين، في محاولة لبناء صورة تفصيليّة وشاملة عن المواقف اللبنانية، وتقدير إمكانات التحرّك، إنطلاقاً من مقاربة تقوم على معالجة الإنقسامات الداخليّة بإعتبارها مدخلاً ضروريّاً لأيّ تسوية خارجيّة عبر المساعدة في تقليص الفجوة الداخليّة بشأن مستقبل السلاح والترتيبات الأمنيّة ودور الدولة في الجنوب، وكذلك إختبار إمكان بناء تفاهمات أكثر إستقراراً في العلاقات اللبنانيّة – السوريّة، ولا سيما في الملفّات الأمنيّة والحدوديّة والسياسيّة.
لا تزال المقاربة في مرحلة إختبار الأفكار والمواقف أكثر من كونها مبادرة بريطانيّة مكتملة، وإذا توافرت الظروف السياسيّة والأمنيّة الملائمة، فيمكن لهذه الأفكار والقنوات القدرة على بلورة صيغة أكثر وضوحاً للترتيبات السياسيّة والأمنيّة في الجنوب اللبنانيّ، تقوم على تثبيت وقف إطلاق النار، وفتح مسار لإنسحاب إسرائيليّ تدريجيّ، بالتوازي مع خطوات لبنانيّة قابلة للتحقّق في ملفّ حصريّة السلاح وتعزيز إنتشار الجيش وترسيخ سلطة الدولة، ضمن منظومة من الضمانات السياسيّة والأمنيّة التي تراعي هواجس مختلف الأطراف.