Saturday, 22 August 2026
اشترك

الإقليم على صفيح ساخن:إسرائيل تستبيح جنوب لبنان وسوريا..وإيران تهدِّد بدخول كردستان

رئيس التحرير

تكشف إسرائيل عن مشروعها بوضوح في سوريا وفي لبنان، ومع التصعيد العسكري في الجنوب، ، والسعي لتوسيع الخط الأصفر بضم مناطق وبلدات جديدة إليه، تعمل تل أبيب على تكثيف عملياتها في جنوب سوريا أيضاً عبر خلق منطقة أمنية موصولة بمنطقة إحتلالها في جنوب لبنان، وهذا النشاط الإسرائيلي يدخل في إطار الحصار العسكري المستكمل الذي تفرضه إسرائيل على حزب الله، إضافة إلى تطويق سوريا ومنعها من الإستفادة من أي مشروع في المنطقة يعزز سيادتها، لا سيما مشروع خط الحجاز الإقتصادي بين تركيا والسعودية، والذي تُشكل الجغرافيا السورية مرتكزاً له، في حين جاءت عقوبات وزارة الخزانة الأميركية وبيان وزارة الخارجية مكملة لحلقات الضغط، حيث تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام واقع لقرارات يصعب تنفيذها بما يحول دون هز الإستقرار الأمني، فماذا يعني، التعامل الأميركي مع حزب الله بوصفه تابعاً للحرس الثوري الإيراني، وهو الشريك في مجلس الوزراء وله تمثيل في مجلس النواب بكتلة نيابية وازنة؟ وما الذي يعكسه موقف كهذا على ملف السلاح؟ وهل يتحول مطلب سحبه إلى تكليف للجيش اللبناني نزعه بالقوة؟ وهل قدّرت واشنطن عواقب محاولة فرض ذلك على الداخل اللبناني في هذا التوقيت الحسَّاس؟

تريد إسرائيل تشديد الخناق العسكري على حزب الله، مع الخناق السياسي والمالي الذي تفرضه واشنطن، عبر إجراءات تتخذها وعقوبات تفرضها شروط تمليها على الدولة اللبنانية، وكل ذلك يأتي ضمن سيناريو الحرب الأوسع مع إيران، التي دخلت مرحلة جديدة من الخنق الإقتصادي، هنا تبرز مساعٍ إسرائيلية لإقناع الأميركيين بأنه في ظلِّ الحصار المشدّد على إيران وعدم اللجوء إلى تجديد الحرب ضدها، فإن نتنياهو يريد من واشنطن منحه الضوء الأخضر لتصعيد العمليات في لبنان، وأن الضغط على حزب الله وضربه بقوة، سيؤثر على إيران ويضغط عليها وهذا ما يدفعها لتقديم تنازلات.

في ظل كل هذه السيولة، قابلت الدولة هذه الأسئلة بالصمت، فيما يراقب حزب الله كيفية تعاطي الحكومة  اللبنانية مع الموقف الأميركي حتى يبني على الشيء مقتضاه،فالمشكلة أن التقارير الأمنية التي تصل إلى بيروت لا تحمل تطمينات كبيرة، فهي تشير إلى أن إسرائيل مستمرة في حربها جنوباً لفرض واقع جديد، وتراهن على الوقت وتعثُّر المفاوضات، لتحويل وجودها الحالي إلى أمر وواقع ثابت ومستمر، فكلما توسعت رقعة الإحتلال، اتسعت معها احتمالات المواجهة، وإزدادت صعوبة إحتوائها داخل الحدود اللبنانية، فلقد إنتهت مهلة الستين يوماً للتسوية، لكنها فتحت مهلاً أكثر خطورة كإختبار قدرة المفاوضات على منع الحرب، وقدرة الدولة على منع تثبيت الإحتلال، وقدرة حزب الله وإيران على منع إسرائيل من تحويل الجنوب مجدداً إلى أرض محتلة.

وفي الجانب الإقليمي، تحمل زيارة رئيس البرلمان الإيرانيّ، وكبير المفاوضين محمّد باقر قاليباف للعراق، أهميّة خاصّة لجهة توقيتها وما تتضمنه المباحثات من قلق لإيران في هذه المرحلة الدقيقة، وهي زيارة أتت إستكمالاً لزيارات قام بها حاكم البنك المركزيّ الإيرانيّ عبدالناصر همتي، وما نتج عنها من تفاهمات وإصدار مذكّرات تنفيذيّة من قبل رئيس الوزراء العراقيّ عليّ الزيديّ تسمح بإستخدام الأموال الإيرانيّة المجمّدة في البنوك العراقيّة، كضمانات ضريبيّة للمقاولين الإيرانيّين العاملين في العراق، وهذا يسمح لإيران بالإلتفاف على العقوبات الأميركيّة الماليّة، ويكشف مدى التزام العراق قرار العقوبات الماليّة وإمتناعه عن تحرير الأموال الإيرانيّة التي تتجاوز أحد عشر ملياراً، وهي موزّعة بين ديون للقطاعين العامّ والخاصّ في إيران، منها نحو 5 مليارات عائدات بيع الغاز والكهرباء.

وكذلك تأتي زيارة قاليباف بالتزامن مع تصعيد  عسكري إيرانيّ واضح، في إتجاه إقليم كردستان، إستهدف مقرّ رئيس وزراء الإقليم مسرور بارزاني، نجل زعيم الحزب الديمقراطيّ مسعود بارزاني، ورغم نفي إيران أيّ تورط  بالوقوف وراء هذا الإعتداء، لكن توقيته يحمل رسالة واضحة بأنّ إيران لن تتساهل في عدم تطبيق الإتفاقيّة الأمنيّة التي سبق أن وقّعتها مع العراق في آذار 2023، وأنّ الإستمرار في تحويل الإقليم إلى قاعدة لإنطلاق الأعمال العدائيّة للأحزاب الكرديّة الإيرانيّة المعارضة بحسب تعبيرهم، يقطع الطريق على لعب دور الوسيط بين الإدارة الأميركيّة وقيادة حرس الثورة، وبالتالي قد يدفع بقاء ما يسمَّى بالتهديد الأمنيّ للداخل الإيرانيّ، طهران إلى خطوات تصعيديّة أكبر والذهاب إلى مغامرة الدخول البرّيّ إلى الإقليم.

بالتوازي، يبدو أنّ الجانب الإيرانيّ إلتقط الإشارات الحقيقيّة لمصادر القرار في التركيبة الحاليّة العراقية، وطهران التي تدرك بأنّ أوضاع منطقة الشرق الأوسط تمرّ بمرحلة غير مسبوقة من التعقيدات والتداخلات، وأن لا مصلحة لأيّ من الأطراف الإقليميّة إتّخاذ خطوات قد تقلب المعادلات، وأنّ الحكومة العراقيّة التي تسعى إلى تقديم خدمة مجانيّة لإدارة الرئيس ترامب في موضوع الفصائل والسلاح، لم تقُم في المقابل بأيّ خطوة تساعد طهران على التقليل من مخاوفها الأمنيّة والإستراتيجيّة على الساحة العراقيّة، خاصّة ما يتعلّق بالأنشطة التي تقوم بها الأحزاب الكرديّة المعارضة إنطلاقاً من إقليم كردستان كما تدَّعي، وهنا يمكن القول أن الزيارة التي قام بها مستشار الأمن القوميّ للحكومة العراقيّة قاسم العبودي لإربيل تتجاوز في أهدافها التضامن مع الإقليم بعد الإعتداء على مقرّ مسرور بارزاني، لتكون إمتحاناً عمليّاً لرئيس الحكومة علي الزيدي وسلطته في تطبيق الإتّفاقيات الأمنيّة الموقّعة مع إيران، خاصة ما يتعلق بالوضع في الإقليم الكردي، وتأثيره على الإستقرار الداخلي في إيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *