Friday, 18 September 2026
اشترك

 التنين الهادىء: هدف بريكس ليس إسقاط الدولار بل إنهاء إحتكاره المطلق

بقلم رئيس التحرير

تستند اليوم قوّة مجموعة بريكس لأرقام تعكس تغييراً عميقاً في خريطة الإقتصاد العالميّ، فقد أصبحت المجموعة تضمّ 11 دولة كاملة العضويّة، هي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، إضافة إلى مصر والإمارات وإيران وإثيوبيا وإندونيسيا، كما عزّز “حضور المملكة العربيّة السعوديّة”، بوزنها الكبير في أسواق الطاقة والإستثمار، أهميّة التوسّع الجديد للمجموعة، خصوصاً ،أنّ الرياض أصبحت من أبرز الشركاء المؤثّرين في حسابات بريكس الإقتصاديّة، ولذلم هي تتعرّض لضغط من إتّجاهين متعارضين ظاهريّاً، لكن متخادمَيْن موضوعيّاً:

الأول، من إسرائيل التي تريد دفعها إلى تطبيع إستسلامي وإدخالها في هندسة إقليميّة تمرّ عبرها، وتحاصرها لهذه الغاية في أكثر من مسرح.

 والثاني، تحاول إيران فيه تحويل ما تعتبره إنتصاراً في الحرب إلى هيمنة إقليميّة تفرض على الرياض القبول بميزان قوى جديد تكون لطهران فيه كلمة مقرّرة في أمن الخليج والبحر الأحمر.

ففي مضيق هرمز، سعت طهران إلى تحويل قدرتها على تعطيل المضيق إلى دور مقرّر في ترتيبات إدارته، فيما كانت الصيغة الإيرانيّة_العُمانيّة المطروحة على دول الخليج تحوّلها إلى ما يشبه الكومبارس، في حفلة تتويج إيران على إقتصاداتهم، أهدرت السعوديّة فرحة المنتصرين بإجهاض الإجتماع فيما لم تعلن تفاصيل الإتّفاق حتّى الآن.

أمّا من الناحية الثانية من الجزيرة العربيّة، فإنّ تقدّم الحوثيّين نحو باب المندب يضع حليفاً لإيران على الشريان البحريّ الثاني، الذي تعتمد عليه السعوديّة ودول الخليج للوصول إلى الأسواق العالميّة، في محاولة لإعادة إحياء الحلم الإمبراطوريّ الإيرانيّ المتهاوي في العواصم العربيّة الأربع، وهو ما يرى فيه كثير من العارفين بشؤون اليمن وقبائله وصراعاته التاريخيّة إحتفالاً مبكراً أيضاً بإنتصار غير محسوم ولم يتحقق بعد.

فالضغط على السعوديّة، لا يستهدف بالضرورة إنتزاع إعتراف بسيطرة الحوثيّين على كامل اليمن، بل يستهدف نحو دفعها إلى التسليم بسيطرتهم على ما يُعرف محليّاً باليمن المفيد، وإذا نجح هذا الأمر الواقع، تكون طهران قد ثبّتت الذراع الإقليميّ الأبرز الذي نجا من حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل، ووضعت حليفاً لها مشرفاً على واحد من أهمّ الممرّات التجاريّة في العالم، في عمليّة إعادة صياغة شاملة لأدوات الردع المتقدّم التي كانت تركّز فيما مضى أكثر على محور الحزب في لبنان وعلى حماس في غزة وعلى سوريا، والأكثر دلالة ومكراً على التخادم الإيراني والإسرائيليّ، أنّ الضغط في باب المندب لا يبدو موجّهاً إلى إغلاق الممرّ أمام الشيطانين واشنطن وتل أبيب، بل إلى إستخدامه ضدّ السعوديّة حصراً.

وهنا نعود الى تشكل البريكس ومدى فاعليته، خصوصاً في الحرب المفتوحة على إيران والسعودية، فوفق تقديرات صندوق النقد الدوليّ لعام 2025، تمثّل دوله نحو 40% من الناتج المحلّيّ الإجماليّ العالميّ وفق تعادل القوّة الشرائيّة، مقابل نحو 30% لمجموعة السبع، كما تسيطر دول المجموعة على حوالي 40% من إنتاج النفط العالميّ وفق وكالة الطاقة الدوليّة، وتمثّل نحو 25% من التجارة العالميّة، فيما تجاوز حجم تجارة هذه الدول البينيّة تريليون دولار سنويّاً.

هذه القوّة الاقتصاديّة لتعطي وزناً متزايداً، لا بدَّ لها من بناء أدوات ماليّة تقلّل الإعتماد على النظام الذي يُهيمن عليه الدولار، ولهذا ركّزت المجموعة على توسيع إستخدام العملات الوطنيّة في التجارة والإستثمار، وتطوير أنظمة دفع مستقلّة، وتعزيز دور بنك التنمية الجديد ، بدلاً من طرح فكرة عملة موحّدة، وهي فكرة تواجه عقبات كبيرة بسبب إختلاف السياسات النقديّة ومستويات التنمية بين الدول الأعضاء.

فمجموعة بريكس ليست مجرّد إطار سياسيّ يجمع الإقتصادات الناشئة للمطالبة بتمثيل أكبر داخل المؤسّسات الدوليّة، بل أصبحت إحدى أبرز أدوات التحوّل في النظام الإقتصاديّ العالميّ، حيث أن قمّة نيودلهي التي إنعقدت، كانت في لحظة تتزايد فيها الحروب التجاريّة، وتتّسع فيها العقوبات الإقتصاديّة، وتتحوّل السيطرة على الطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد إلى أدوات أساسيّة في المنافسة على النفوذ، فلا يتعلّق السؤال اليوم بحجم القوّة التي تمتلكها بريكس، بل بقدرتها على تحويل هذا الحجم الإقتصاديّ إلى مؤسّسات وقواعد قادرة على التأثير في النظام العالميّ،  ذلك أنّ التاريخ الإقتصاديّ يثبت أنّ المؤسّسات والشبكات الماليّة والتجاريّة هي التي تحوّل القوّة الإقتصاديّة إلى قوّة سياسيّة مستدامة.

واليوم وبعد كل هذه التطورات، لا تسعى الصين داخل بريكس إلى بناء تحالف سياسيّ تقليديّ يقوم على وحدة المواقف، بل تعتمد على ما يمكن وصفه بتشبيك الإقتصادات، أي تحويل التجارة والطاقة والإستثمار وسلاسل الإمداد إلى شبكة مصالح، تجعل الإنفصال عنها مكلفاً اقتصاديّاً، حيث تظهر هذه الإستراتيجية بوضوح في العلاقة الصينيّة – الهنديّة، والصين لا تحتاج إلى إزالة الخلافات بين أعضاء بريكس، بقدر حاجتها إلى جعل المصالح المشتركة أقوى من الخلافات، ومن هنا يأتي نموذج ما يمكن تسميته بالتنّين الهادئ، أي النفوذ عبر ربط الإقتصادات، وليس عبر المواجهة المباشرة، فكل هذه التحولات تأتي في ظلّ تصاعد سياسة الضغط الأميركيّة، بعد تلويح الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركيّة تصل إلى 100% على الدول التي تعمل على تقويض هيمنة الدولار، مما دفع مجموعة بريكس إلى تبنّي مقاربة أكثر حذراً، فهي لم تعلن حرباً على العملة الأميركيّة، بل تسعى إلى تقليل الإعتماد عليها تدريجيّاً عبر بناء بدائل تجاريّة وماليّة.

أخيراً ، وفي هذا الإطار، تمثّل إيران نموذجاً واضحاً لكيفيّة إستخدام تخفيف آثار العقوبات، فطهران لا تنظر إلى مجموعة بريكس كوسيلة لإلغاء العقوبات الأميركيّة، بل كمنصّة لإنشاء مسارات إقتصاديّة موازية عبر إعتماد العملات المحلّيّة، وربط أنظمة الدفع بعيداً عن الدولار وشبكة سويفت، وتوسيع إتّفاقيّات المقايضة التجاريّة، والاستفادة من الممرّ الدوليّ شمال_جنوب، الذي يربط الهند بروسيا عبر الأراضي الإيرانيّة، لكنّ قدرة مجموعة بريكس على بناء نظام ماليّ بديل لا تزال محدودة، في هذا الشأن،  فالهند والإمارات لا ترغبان في تحويل المجموعة إلى مواجهة مفتوحة مع الغرب، والصين نفسها ما تزال مرتبطة بشبكة تجارة وإستثمارات ضخمة مع الولايات المتّحدة وأوروبا. لذلك فإنّ الهدف الواقعيّ لبريكس ليس إسقاط الدولار، بل إنهاء إحتكاره المطلق.

في الخلاصة، تشكّل الطاقة أحد أهمّ عناصر قوّة بريكس، لكنّها تكشف في الوقت نفسه تناقضاتها الداخليّة، فالدول المنتجة للنفط، مثل روسيا والسعوديّة والإمارات وإيران، تحتاج إلى أسعار مستقرّة ومرتفعة لدعم إيراداتها العامّة، بينما تحتاج الصين والهند، وهما من أكبر مستوردي الطاقة عالميّاً، إلى أسعار أقلّ للحفاظ على النموّ الصناعيّ،ولذلك،أكّدت قمّة نيودلهي 2026 أنّ بريكس أصبحت لاعباً إقتصاديّاً لا يمكن تجاهله، لكنّها لم تتحوّل بعد إلى بديل كامل للنظام الإقتصاديّ العالميّ. فامتلاك نحو40%  من الاقتصاد العالميّ وفق تعادل القوّة الشرائيّة يمنح المجموعة ثقلاً إستثنائيّاً، لكنّ تغيير قواعد اللعبة لن يتحقّق بالأرقام وحدها، بل ببناء مؤسّسات ماليّة وتجاريّة موثوقة قادرة على توفير بدائل حقيقيّة للنظام الذي يقوده الدولار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *