Friday, 09 October 2026
اشترك

القوة الناعمة للدول والدعاية السياسية

د.رائد المصري/مدير تحرير مركز إنشاء للمعلومات

شكَّلت على الدوام الحروب العسكرية قوة الدول في عالم تتداخل فيه المصالح، وتتجاوز فيه الحدود الجغرافية، لكن اليوم تستطيع دولة ما أن توسِّع نفوذها، وتؤثر في قرارات الآخرين، وتكسب حلفاء جدد، دون أن حرك جندياً واحداً خارج حدودها، وهذا ما يظهر فيما نسميه هنا مفهوم القوة الناعمة، أحد أبرز المفاهيم التي إستجدَّت في العلاقات الدولية، والذي صاغه عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي، في أواخر ثمانينيات العشرين، ومعناها قدرة دولة على التأثير في الآخرين، وجعلهم أكثر ميلاً بالتوجُّه نحو تبنِّي خياراتها، أو تفضيل التعاون والإصطفاف معها، ليس عبر التهديد أو الإكراه، إنّما من خلال الجاذبية والإقناع.

غالباً، تمنح القوة العسكرية وتسمح للدولة بفرض إرادتها بالقوة، وكانت القوة الإقتصادية تمنحها أدوات الضغط والمكافأة، كذلك القوة الناعمة تمنحها قدرة تجعل الآخرين يرغبون في الإقتراب منها، بل يتبنُّون بعض أفكارها ونماذجها، دون أن يشعروا بأنهم يتعرضون للضغط، حيث تتجلَّى القوة الناعمة في ثلاثة عناصر ونماذج، في الثقافة والبنى الفوقية للمجتمع، وفي القيم السياسية، وفي السياسات الخارجية، عندما يُنظر إليها بإعتبارها مشروعة وذات مصداقية، كما ساهمت على سبيل المثال هوليوود وجامعات أمريكية، وشركاتها التكنولوجية والموسيقى، والمنتجات الثقافية، إذ عمل على تشكيل صورة جذابة عن المجتمع الأمريكي، لدى شرائح واسعة من سكان العالم، في حين أسْهمت الجامعات ومراكز البحث في إستقطاب الطلاب والباحثين من مختلف الدول، وهو ما خلق روابط معرفية ومهنية قد تستمر لعقود، فالأمر لا يتعلَّق إذن بمجرد الترفيه أو التعليم، بل بتأثير أعمق في المخيّلات التصورات وأنماط التفكير، وفي الطريقة التي يرى بها الأفراد المجتمع الأمريكي ومؤسساته ونموذجه الإقتصادي والثقافي، على أنه يحقق نجاحات كبيرة في شتى الميادين.

ففرنسا على سبيل المثال، لطالما إستثمرت بقوة في اللُّغة والثقافة والدبلوماسية الثقافية، من خلال شبكات المعاهد والمدارس والمراكز الثقافية المنتشرة حول العالم، وكوريا الجنوبية، نجحت في تحويل موسيقاها ومسلسلاتها وأفلامها إلى ظاهرة عالمية، جعلت ثقافتها تحظى بحضور متزايد، حتى في مجتمعات بعيدة عنها جغرافياً وثقافياً، فيما الصين، تعمل  اليوم على توسيع حضورها الثقافي والتعليمي والإعلامي، بالتوازي مع نفوذها الإقتصادي المتنامي، عبر مبادرات متعددة، من بينها معاهد كونفوشيوس وبرامج التبادل الأكاديمي والدبلوماسية العامة.

كل هذه الأمثلة تكشف، أن القوة الناعمة ليست حكراً على الدول الغربية، ولا ترتبط بنظام سياسي أو نموذج ثقافي واحد، بل يمكن أن تنشأ من مصادر متنوعة، وفقًا لما تمتلكه أي دولة من عناصر جذب، وما تستطيع بناءه من صورة ومصداقية، فإمتلاك أدوات التأثير لا يعني بالضرورة إمتلاك القوة الناعمة، فربما تنتج دولة أفلاماً ناجحة، وتملك جامعات مرموقة وراقية، وتتمتَّع بإنتشار إعلامي واسع، لكنها لا تحقق بالضرورة تأثيراً سياسياً يتناسب ويتكامل مع هذا الحضور، إذ أن الجاذبية الثقافية لا تتحول تلقائياً إلى نفوذ سياسي، كما أنَّ السياسات الخارجية التي تتعارض مع الخطاب المعلن عن الحرية أو العدالة أو إحترام القانون، قد تضعف مصداقية الدولة، وتحدُّ من قدرتها على التأثير، وهنا تبرز إحدى أهم خصائص القوة الناعمة، التي تعتمد على نظرة الآخرين إليك، وليس فقط على الصورة التي تريد أن تقدمها عن نفسك.

فالدولة لا تستطيع أن تقرر بمفردها ما إذا كانت جذابة، ولا يمكنها شراء الإعجاب كما تشتري الأسلحة أو المعدات، فالدولة تحتاج إلى بناء الثقة، والحفاظ على المصداقية، وتقديم نموذج يجد الآخرون فيه ما يستحق الإهتمام أو الإقتداء والتقدير، ولا يجب أن نخلط بين القوة الناعمة والدعاية السياسية، فالدعاية تسعى إلى توجيه الرسائل والتأثير في المواقف، وقد تعتمد على التضليل أو الإنتقاء، بينما تقوم القوة الناعمة، ، أساساً على الجاذبية التي تنشأ من الثقافة والقيم والسياسات.

ففي عصر المنصات الرقمية وإنتشار السوشيل ميديا بقوة والذكاء الإصطناعي، أصبحت المنافسة على تشكيل الصور الذهنية معقَّدة كثيراً، فالمحتوى الذي ينتشر عبر وسائل التواصل الإجتماعي، والأعمال الفنية التي تعبر الحدود، والنقاشات التي تدور حول القضايا الدولية، كلها تؤثر في الطريقة التي تُرى بها الدول وشعوبها، إن القوة الناعمة ليست بديلاً مطلقًاً عن القوة العسكرية والإقتصادية، بل هي عنصر من عناصر القوة الشاملة للدولة،وقد تتكامل مع الأدوات الصلبة فيما يُعرف بالقوة الذكية، أي القدرة على اإختيار المزيج المناسب من الإقناع والإكراه والحوافز لتحقيق أهداف سياسية محددة، ففي عالم لا تُحسم فيه المنافسة دائماً في ميادين القتال، قد تكون القدرة على كسب العقول والقلوب أحد أهم مصادر النفوذ الدولي، فإ متلاك القوة يمنح الدولة القدرة على فرض حضورها، أما إمتلاك الجاذبية فيمنحها فرصة لأن يصبح حضورها مرغوباً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *