Thursday, 10 September 2026
اشترك

حين تقترب حرب إيران وأميركا من لبنان

د. ليون سيوفي/باحث وكاتب سياسي

لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة محصورة في جبهة واحدة، بل امتدت إلى الملاحة والطاقة والقواعد العسكرية، فيما بدأت تداعياتها تطال أكثر من ساحة في المنطقة. ومع اتساع رقعة التصعيد، يصبح انتقال النار بين الجبهات احتمالاً لا يمكن للبنان أن يتعامل معه بإستخفاف.

فلبنان يقع في قلب منطقة تتقاطع فيها الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية، فيما الجنوب يشهد أصلاً تصعيداً عسكرياً، وتبقى مواقع استراتيجية مثل مرتفعات علي الطاهر جزءاً من معادلة الردع والرسائل المتبادلة.

حتى الآن، لا توجد مؤشرات موثوقة، تثبت أن إيران قررت فتح الجبهة اللبنانية مباشرة، لكن استمرار التصعيد قد يضع لبنان داخل دائرة الحرب، من دون أن يكون قد اختارها، خصوصاً إذا اتسعت المواجهة إلى جبهات جديدة.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، أين أصبح اتفاق الإطار؟

فبعد أن قيل إن الاتفاق يشكل خطوة نحو إنهاء النزاع وترسيخ الاستقرار، وفتح الطريق أمام انتشار الدولة، أعلن الجيش اللبناني أن إسرائيل ارتكبت نحو 7700 خرق منذ توقيع اتفاق الإطار في 26 حزيران 2026، مؤكداً أن استمرار الاعتداءات والخروقات يعيق مهمته ويهدد التفاهمات القائمة. كما اعتبر أن وقف هذه الاعتداءات هو العامل الأساسي لاستكمال انتشار الجيش وتنفيذ مهامه.

فإذا كان اتفاق الإطار لا يمنع آلاف الخروقات، ولا يحمي القرى والمدنيين، ولا يتيح للجيش استكمال انتشاره بأمان، فأين هي الضمانات الدولية؟ وأين الجهة القادرة على إلزام إسرائيل باحترام ما تم الاتفاق عليه؟

وهنا تبدأ مسؤولية الدولة اللبنانية.

المطلوب من السلطة أن تتحرك قبل وقوع الكارثة، لا أن تنتظرها، وأن تستخدم أدواتها السياسية والدبلوماسية لحماية لبنان، وتمنع استخدام أراضيه لتصفية الحسابات الإقليمية، وترفض في الوقت نفسه أي اعتداء على سيادته وشعبه.

لقد دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً بسبب الحروب، ولا يجوز أن يبقى لبنان البلد الذي تصل إليه النيران أولاً، وتصل إليه الدولة أخيراً.

المشكلة اليوم ليست في نقص التحذيرات، بل في عجز السلطة عن تحويلها إلى قرار وفعل، فالسلطة التي لا تتحرك إلا بعد سقوط الضحايا، ولا تستنفر إلا بعد تهجير الناس، ولا تملك أمام آلاف الخروقات سوى البيانات والمواقف، لا تدير دولة؛ بل تدير عجزها أمام شعبها،وهذا العجز لم يعد تفصيلاً سياسياً يمكن تغطيته بالخطابات. فعندما يكون لبنان مهدداً، يصبح التردد موقفاً، والتأخر في التحرك مسؤولية، والصمت أمام الخطر تخلياً عن واجب الدولة.

إن حماية لبنان لا تكون بإدارة الأزمات بعد وقوعها، بل بالإستعداد لها قبل أن تتحول إلى كارثة. فالسيادة ليست شعاراً، والقرار الوطني ليس بياناً، والاتفاقات الدولية لا قيمة لها إذا بقيت حبراً على ورق ولم تجد من يفرض احترامها.

وعلى السلطة أن تتحرك، وأن تثبت أن للبنان دولة تقرر وتحمي وتفاوض، لا سلطة تنتظر الآخرين كي يقرروا عنها ثم تطلب من اللبنانيين دفع الثمن.

فإذا كان 7700 خرق لا يكفي لتحريك موقف لبناني ودولي حازم، فماذا تحتاج السلطة أكثر من ذلك كي تدرك أن أمن لبنان وسيادته ليسا موضوعاً للمراقبة وانتظار البيانات؟

فالكارثة، إن وقعت، لن تكون مسؤولية من أشعل النار وحده، ستكون أيضاً مسؤولية من رأى النار تقترب، وامتلك فرصة التحرك، ثم اختار الانتظار.

أما اتفاق الإطار، فالسؤال لم يعد فقط، ماذا ينص عليه؟ بل من يحميه؟ ومن يُحاسب من يخرقه؟ولماذا هذا الاتفاق ؟ وإذا بقيت الإجابة غائبة، فإن الاتفاق يتحول إلى ورقة سياسية بلا حماية، والحدود إلى مساحة مفتوحة، واللبنانيون إلى من يدفعون الثمن.

فقد آن الأوان لأن تفهم السلطة أن السيادة لا تُستعاد بالبيانات، ولا تُحمى بالصمت، ولا تُفرض بالتمنيات. السيادة قرار وفعل ومحاسبة.

وإذا كانت الدولة عاجزة عن حماية إتفاق وقّعته، وعن وقف آلاف الخروقات التي أعلنها جيشها، وعن حماية شعبها من تداعيات حرب تقترب من حدودها، فعليها أن تجيب اللبنانيين بصراحة…

ماذا بقي من معنى الدولة إذا كانت عاجزة عن حماية الاتفاق، عاجزة عن ردع الاعتداء، وعاجزة حتى عن منع لبنان من أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة يدفع شعبها ثمن صراعات الآخرين؟

هذه ليست لحظة بيانات جديدة، إنها لحظة امتحان للدولة. فإما أن تتحرك وتثبت أن للبنان دولة، أو أن يعترف أهل السلطة أمام اللبنانيين والتاريخ بأنهم تركوا الدولة تنهار أمام أعينهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *