الشرق الأوسط بعد حرب إيران: هل نحن أمام نظام إقليمي جديد؟

لم تكن الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران مجرد جولة جديدة في سلسلة الحروب التي عرفها الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، بل شكّلت اختباراً بنيوياً للنظام الإقليمي نفسه. فالحرب، التي بدأت في سياق محاولة إعادة صياغة ميزان القوة حول إيران، سرعان ما تجاوزت أهدافها العسكرية المباشرة لتفتح سؤالاً أكثر عمقاً: ماذا سيبقى من النظام الإقليمي الذي عرفه الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة، إذا انتهت الحرب من دون أن يتمكن أي طرف من فرض إرادته بصورة نهائية؟
والأهم أن السؤال لا يتعلق فقط بمصير إيران أو إسرائيل أو الولايات المتحدة، وإنما بمصير القواعد التي تنظّم توزيع القوة، والتحالفات، والردع، ومصادر الشرعية، وحدود النفوذ في الشرق الأوسط.
حتى اللحظة، لا يمكن الحديث عن «ما بعد الحرب» بمعناه الزمني الدقيق؛ فالمواجهة لا تزال مفتوحة، والتوتر في الخليج ومضيق هرمز يتصاعد، فيما شهدت الأيام الأخيرة تبادلاً واسعاً للضربات بين إيران والولايات المتحدة، بالتوازي مع استمرار العمليات الإسرائيلية في ساحات إقليمية أخرى. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الحرب تحولت من حملة عسكرية يُفترض أن تكون محدودة إلى أزمة استراتيجية ممتدة ذات آثار على الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.
لكن التاريخ الاستراتيجي لا ينتظر دائماً نهاية الحرب لكي يبدأ في إنتاج نظام جديد. فالنظم الإقليمية تبدأ بالتغير عندما يتغير إدراك الفاعلين لموازين القوة، وعندما تصبح قواعد المرحلة السابقة عاجزة عن تفسير السلوك الجديد للدول.
من هذه الزاوية، فإن الشرق الأوسط يقف اليوم عند عتبة انتقالية: النظام القديم لم يعد قادراً على العودة كما كان، لكن النظام الجديد لم يكتمل بعد.
من توازن القوى إلى إعادة تعريف القوة
ننطلق من الواقعية البنيوية عند كينيث والتز: فإن سلوك الدول في النظام الدولي والإقليمي يتحدد بصورة أساسية وفق توزيع القدرات بين الوحدات الرئيسية.
وبذلك فإن الحرب على إيران لا ينبغي أن تُقرأ فقط من خلال نتائج المعارك أو حجم الأضرار التي لحقت بالبنية العسكرية الإيرانية، وإنما من خلال السؤال الأوسع:
هل أدت الحرب إلى تغيير توزيع القوة بحيث أصبح نظام إقليمي جديد ممكناً؟
الإجابة الأولية تبدو أكثر تعقيداً من القول بانتصار طرف وهزيمة آخر.
فالولايات المتحدة وإسرائيل تمكنتا من إظهار تفوق عسكري وتكنولوجي كبير، لكن التفوق العسكري لا يساوي بالضرورة القدرة على إنتاج نظام سياسي مستقر. وهذه نقطة جوهرية في قراءة مآلات الحرب. فقد أظهرت تجارب العراق وأفغانستان وليبيا أن القدرة على تدمير القدرات العسكرية أو إسقاط أنظمة سياسية لا تعني امتلاك القدرة على بناء ترتيبات إقليمية مستدامة.
والحرب الحالية تؤكد هذه المفارقة بصورة أوضح. فحتى مع الضربات الأميركية والإسرائيلية القاسية، لم يؤدِ الضغط العسكري إلى انهيار إيران كفاعل إقليمي. بل إن قدرة طهران على الاستمرار في إنتاج التهديد، واستخدام مضيق هرمز استراتيجيا
والحفاظ على مساحة النفوذ، تعني أن الحرب لم تُنتج حتى الآن النتيجة التي تحتاجها أي قوة تريد بناء نظام إقليمي جديد:
احتكار القدرة على تحديد قواعد اللعبة.
وقد انعكس ذلك بوضوح في استمرار الضغط حول مضيق هرمز، الذي تحول من ممر تجاري إلى عنصر مركزي في معادلة الردع والتفاوض.
وانخفضت حركة النفط عبر المضيق بصورة حادة، بينما أصبحت أمنية الملاحة والطاقة جزءاً من الصراع السياسي والعسكري نفسه.
وهنا تظهر أهمية الانتقال من مفهوم «القوة العسكرية» إلى مفهوم أكثر شمولاً للقوة. فالقوة في الشرق الأوسط الجديد لم تعد تقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ والقواعد العسكرية، وإنما بالقدرة على التحكم في الطاقة والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، والبنية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والأسواق، والتحالفات، والقدرة على تحمل الحرب الطويلة.
إنها، باختصار، إعادة تعريف لمفهوم القوة الاستراتيجية.
إسرائيل: تفوق عسكري أم هيمنة إقليمية؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الحرب دفعت إسرائيل إلى موقع غير مسبوق من التفوق العسكري. وهذا صحيح جزئياً. إلا أن المدرسة الواقعية تميز بين التفوق في القدرات وبين الهيمنة.
فالهيمنة لا تعني أن الدولة الأقوى قادرة على ضرب خصومها فحسب، وإنما أن الآخرين يعيدون تنظيم خياراتهم وفقاً لقوتها، ويقبلون ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ بالقواعد التي تفرضها.
وهنا تكمن المعضلة الإسرائيلية.
فإسرائيل استطاعت تحقيق تفوق عسكري كبير، وأضعفت قدرات خصومها في أكثر من جبهة، إلا أن ذلك لم ينتج بالضرورة قبولاً إقليمياً بقيادتها للنظام الجديد. بل إن الحرب كشفت عن مشكلة استراتيجية أعمق:
كلما توسعت إسرائيل في استخدام القوة لإنتاج الأمن، زادت الحاجة إلى قوة سياسية ودبلوماسية قادرة على تحويل التفوق العسكري إلى ترتيبات مقبولة ومستدامة.
وقد خلصت تحليلات استراتيجية حديثة إلى التمييز بين «التفوق» و«الهيمنة» في الحالة الإسرائيلية، معتبرة أن تغير توزيع القدرات العسكرية لا يؤدي تلقائياً إلى تغير قواعد السياسة الإقليمية.
ومن منظور الواقعية الهجومية عند جون ميرشايمر، المفكر الجيواستراتيجي: يمكن فهم السلوك الإسرائيلي باعتباره محاولة لتعظيم القوة النسبية ومنع ظهور منافس إقليمي قادر على تحدي التفوق الإسرائيلي. لكن المشكلة أن السعي المستمر إلى تعظيم القوة قد يؤدي إلى النتيجة العكسية: دفع الخصوم إلى تشكيل موازنات مضادة.
وهنا تبدأ إحدى أهم مفارقات المرحلة المقبلة.
قد تكون إسرائيل قد ربحت جولة في ميزان القوة، لكنها قد تكون في الوقت نفسه ساهمت في تسريع بناء توازن مضاد لها.
إيران: ما هو الدور الجيوسياسي
أما إيران، فإن تقييم موقعها بعد الحرب يجب أن يتجاوز الثنائية التقليدية بين «انتصار» و«هزيمة».
إيران تعرضت لضربات عسكرية واقتصادية قاسية، ودمر جزءاً مهماً من المناطق والقدرات لكن المناورة ما زالت حاضرة، كما تضررت بعض من شبكات إيران الإقليمية ( سويا) بدرجات متفاوتة. لكن إيران ما زالت تمثل كتلة جيوسياسية ضخمة تمتلك الجغرافيا والسكان والموارد والطاقة والموقع المطل على الخليج ومضيق هرمز، فضلاً عن خبرة طويلة في إدارة الصراع غير المتكافئ.
وهنا يصبح مفهوم «العمق الاستراتيجي» أكثر أهمية من مفهوم الانتصار التكتيكي.
فالدولة التي تستطيع البقاء بعد حرب واسعة لا تخرج منها بالضرورة بالقوة نفسها، لكنها قد تخرج منها بعقيدة أمن قومي جديدة.
وهذا ما يجعل مرحلة ما بعد الحرب أخطر من الحرب نفسها.
فإذا خلصت النخبة الإيرانية إلى أن سياسة الردع التقليدية لم تعد كافية، فقد تتجه إلى إعادة بناء الردع على أسس أكثر صلابة، سواء عبر تطوير القدرات الصاروخية والمسيّرات، أو توسيع البنية البحرية، أو تعزيز العلاقات مع روسيا والصين، أو إعادة بناء شبكات النفوذ الإقليمي بصورة مختلفة، أو إعادة النظر في العقيدة النووية.
ومن هنا، فإن محاولة إخراج إيران من معادلة الشرق الأوسط بالقوة قد تكون غير واقعية. والأرجح أن السؤال الحقيقي سيكون: كيف ستعاد صياغة الدور الايراني داخل النظام الإقليمي الجديد؟
الخليج: من الحماية الأميركية إلى الاستقلال الاستراتيجي النسبي
ربما يكون الخليج العربي هو المنطقة التي ستشهد التحول الأكثر عمقاً بعد الحرب.
فالدول الخليجية بنت خلال عقود منظومتها الأمنية على أساس الشراكة مع الولايات المتحدة. لكن الحرب على إيران كشفت في الوقت نفسه عن ميزة هذه العلاقة ومخاطرها. فالوجود الأميركي يوفر مظلة ردع كبيرة، لكنه يجعل البنى التحتية والطاقة والموانئ والقواعد العسكرية جزءاً من حسابات الصراع بين واشنطن وطهران.
وهذا يدفع دول الخليج إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن.
لقد بدأت بالفعل تظهر مؤشرات على تنويع العلاقات الاستراتيجية، وعلى البحث عن شراكات مع قوى مثل الصين وروسيا وتركيا وباكستان، إلى جانب الحفاظ على العلاقة الأميركية. وتظهر تحليلات ما بعد الحرب أن دول الخليج تواجه معضلة تتمثل في الجمع بين الاعتماد على المظلة الأميركية وبين الحاجة إلى قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي.
وهنا يمكن الاستعانة بمفهوم الموازنة الناعمة Soft Balancing؛ إذ لا تحتاج دول الخليج بالضرورة إلى الانفصال عن الولايات المتحدة حتى توازن نفوذها، بل تستطيع تنويع الشراكات، وتطوير قدراتها الدفاعية، وتوسيع العلاقات الاقتصادية مع الصين، وتعميق التعاون الأمني مع قوى إقليمية أخرى.
وبذلك قد نشهد انتقال الخليج من سياسة «الاعتماد على الحليف» إلى سياسة إدارة تعدد الشركاء.
وهذا التحول، إذا ترسخ، سيكون أحد أهم مؤشرات ولادة نظام إقليمي جديد.
تركيا والسعودية ومصر: صعود القوى الوسطى
إذا كان النظام السابق يقوم إلى حد كبير على محور أميركي تقابله إيران وشبكة حلفائها، فإن المرحلة الجديدة قد تكون أكثر تعقيداً.
فتركيا والسعودية ومصر لن تقبل بسهولة أن يتحول الشرق الأوسط إلى نظام ثنائي تتحكم فيه إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى.
السعودية تحديداً تمتلك أدوات مختلفة عن الأدوات الإسرائيلية والإيرانية. فهي لا تحتاج إلى بناء نفوذها عبر القوة العسكرية وحدها، وإنما تستطيع استخدام الطاقة والاستثمار والموقع الجغرافي والدبلوماسية والعلاقات الدولية كأدوات للقوة.
ولهذا قد يصبح الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة أقرب إلى نموذج تعدد الأقطاب الإقليمية منه إلى نموذج القطب الواحد.
أما تركيا، فتمتلك عناصر قوة تجعلها مرشحة للعب دور أكبر في صياغة هذا التعدد، خصوصاً في ظل موقعها الجغرافي، وقدراتها العسكرية، وصناعاتها الدفاعية، وعلاقاتها الممتدة بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
وهكذا يمكن أن تنتقل المنطقة من سؤال «من يهيمن على الشرق الأوسط؟»
إلى سؤال أكثر تعقيداً:
من يملك القدرة على تعطيل هيمنة الآخرين؟
وهذا هو جوهر التعددية القطبية.
الشرق الأوسط بوصفه «مركباً أمنياً إقليمياً»
يساعدنا مفهوم «المركب الأمني الإقليمي» عند باري بوزان وأولي ويفر على فهم المرحلة المقبلة بصورة أعمق. فالأمن في الشرق الأوسط لا يمكن تقسيمه إلى أمن إيراني وأمن إسرائيلي وأمن خليجي وأمن لبناني بصورة منفصلة، لأن أمن كل دولة أصبح مرتبطاً عضوياً بأمن الأخرى.
إسرائيل تربط أمنها بإيران وحزب الله وغزة وسوريا.
إيران تربط أمنها بعمقها الإقليمي وبالخليج وبالعراق ولبنان وسوريا.
دول الخليج تربط أمنها بعلاقة الولايات المتحدة بإيران، وبأمن الطاقة والممرات البحرية.
وتركيا تربط أمنها بسوريا والعراق وشرق المتوسط.
أما لبنان، فقد أصبح بصورة خاصة إحدى أكثر الساحات حساسية لهذا المركب، لأن التنافس على توازن القوة بين إسرائيل وإيران ينعكس مباشرة على موقع الدولة اللبنانية وعلى وظيفة الساحة الجنوبية. وتؤكد التطورات الراهنة أن الجنوب اللبناني لا يزال جزءاً من الحسابات الإقليمية الأوسع، وليس مجرد ملف حدودي منفصل.
وهذا يعني أن أي نظام إقليمي جديد لن يستطيع أن يتجاهل لبنان، لكنه قد يحاول إعادة تعريف دوره: من ساحة صراع بين القوى الإقليمية إلى مساحة تُختبر فيها ترتيبات الردع والحدود والسيادة.
الصين وروسيا: النظام الإقليمي لن يبقى أميركياً خالصاً
الحرب الإيرانية كشفت أيضاً أن الشرق الأوسط لم يعد مجالاً أميركياً خالصاً.
الصين لا تحتاج إلى قاعدة عسكرية ضخمة في المنطقة حتى تصبح لاعباً استراتيجياً؛ يكفي أن تكون شريكاً اقتصادياً رئيسياً، ومستورداً للطاقة، وفاعلاً في البنية التحتية، وقادراً على تقديم بدائل سياسية.
أما روسيا، فعلى الرغم من أن لديها قدرات تقارن في بعض الأحيان بقدرات الولايات المتحدة، فإنها ما زالت تمتلك أدوات تأثير عسكرية وسياسية وأمنية، وتملك قدرة على الدخول في الأزمات حيث تتراجع القوى الأخرى.
والأهم أن الحرب دفعت دول المنطقة إلى إدراك حقيقة استراتيجية جديدة: التحالفات لم تعد بالضرورة دائمة، والشراكات أصبحت أكثر مرونة، والمصلحة الوطنية باتت تتقدم على الالتزام الأيديولوجي بالمحاور.
وهذا أحد أهم سمات النظام الدولي المتعدد الأقطاب.
من «محاور» ثابتة إلى «شبكات» متحركة
إذا كان الشرق الأوسط خلال العقود الماضية قد عرف ظاهرة المحاور، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالاً إلى نموذج مختلف: شبكات استراتيجية متقاطعة.
قد تكون الدولة حليفة لواشنطن في المجال العسكري، وشريكة للصين اقتصادياً، ومنفتحة على روسيا سياسياً، ومتفاهمة مع تركيا في ملف إقليمي، وتحتفظ في الوقت نفسه بقنوات اتصال مع إيران.
وهذا يعني أن مفهوم «التحالف» نفسه يتغير.
فبدلاً من الاصطفاف الكامل خلف محور واحد، قد نكون أمام ما يمكن تسميته التحالفات الوظيفية؛ أي أن تتعاون الدول وفق القضية والمصلحة، لا وفق هوية المحور.
وهذه البيئة تجعل النظام الإقليمي أكثر مرونة، لكنها تجعله أيضاً أكثر تقلباً.
هل انتهى النظام القديم؟
الإجابة الأدق هي: لم ينتهِ بالكامل، لكنه فقد قدرته على العودة إلى صورته السابقة.
فالولايات المتحدة لا تزال القوة الخارجية الأكثر تأثيراً عسكرياً في الشرق الأوسط، وإسرائيل ما زالت القوة العسكرية الأكثر تفوقاً في المنطقة، وإيران لم تخرج من المعادلة، ودول الخليج ما زالت تحتاج إلى المظلة الأميركية، بينما تسعى الصين وروسيا وتركيا إلى توسيع هوامش نفوذها.
لذلك فإن ما نشهده ليس انتقالاً من نظام إلى آخر بقرار واحد، بل مرحلة سيولة استراتيجية.
وقد تكون هذه المرحلة أطول مما يتوقعه كثيرون.
فالنظم الإقليمية لا تتغير بمجرد انتهاء حرب، بل عندما تتغير ثلاثة عناصر في وقت واحد: توزيع القوة، وقواعد الردع، وتصورات الفاعلين لمصالحهم.
والشرق الأوسط يشهد بالفعل تغيراً في العناصر الثلاثة.
من نظام الهيمنة إلى نظام التوازن المتعدد؟
إذا أردنا استشراف الشكل المحتمل للنظام الإقليمي بعد الحرب، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس نظاماً إسرائيلياً خالصاً، ولا عودة إلى الهيمنة الإيرانية السابقة، ولا انسحاباً أميركياً من المنطقة، بل نظام توازن متعدد المراكز تحت مظلة أميركية جزئية ومتغيرة.
ستبقى الولايات المتحدة القوة الخارجية الأكثر تأثيراً، لكن قدرتها على فرض إرادتها ستكون أقل من قدرتها على منع الآخرين من فرض إرادتهم.
ستبقى إسرائيل القوة العسكرية الأولى، لكنها ستحتاج إلى ترتيبات سياسية كي تحول التفوق العسكري إلى استقرار.
ستخرج إيران أضعف عسكرياً، لكنها ستظل قوة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها.
ستتحول السعودية وتركيا إلى قوتين أكثر استقلالية.
ستزداد أهمية مصر.
وسوف تستمر الصين في التوسع اقتصادياً، فيما تحاول روسيا الاحتفاظ بدورها الأمني والسياسي.
وفي هذا السياق، يصبح مضيق هرمز مثالاً بالغ الدلالة. فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، وإنما أصبح رمزاً لتحول مفهوم القوة نفسه: دولة لا تستطيع السيطرة على النظام الإقليمي بالكامل قد تستطيع مع ذلك امتلاك القدرة على تعطيل النظام العالمي مؤقتاً. وهذه القدرة وحدها تمنحها وزناً تفاوضياً يتجاوز حجم اقتصادها أو قدراتها التقليدية.
الخلاصة: النظام الجديد لم يولد بعد
إن الشرق الأوسط بعد حرب إيران ـ عندما تنتهي ـ لن يكون بالضرورة شرق أوسط أميركياً أو إسرائيلياً أو إيرانياً. والأرجح أنه سيكون شرق أوسط أكثر تعقيداً، تتجاور فيه القوة العسكرية مع القوة الاقتصادية، وتتقاطع فيه التحالفات التقليدية مع الشراكات المرنة.
والحرب الحالية لم تحسم حتى الآن من يملك الشرق الأوسط؛ لكنها حسمت شيئاً أكثر أهمية: أن النظام الذي كان يحكم المنطقة قبل الحرب لم يعد قابلاً للاستمرار بالصورة نفسها.
لقد تغيرت معادلة الردع، وتغيرت حسابات الخليج، وأعيد تعريف وظيفة مضيق هرمز، وتزايدت أهمية القوى الوسطى، وتعمقت الحاجة إلى تنويع الشراكات، بينما برزت حدود القوة العسكرية في إنتاج نظام سياسي مستقر. وتشير دراسات حديثة إلى أن الحرب سرعت بالفعل عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي، من دون أن تنتج حتى الآن بديلاً مستقراً ومتكاملاً عنه.
ومن هنا، فإن السؤال الاستراتيجي الحقيقي ليس: من ربح حرب إيران؟
بل:
من سيتمكن بعد الحرب من تحويل نتائج القوة إلى قواعد، وتحويل النفوذ إلى شرعية، وتحويل الردع إلى نظام؟
ففي منطق كلاوزفيتز، الحرب ليست سوى امتداد للسياسة بوسائل أخرى؛ لكن اللحظة الأكثر حساسية تبدأ عندما تتوقف المدافع، لأن المنتصر العسكري يكتشف عندها أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة امتلاك المستقبل.
ولهذا قد يكون الشرق الأوسط مقبلاً على مرحلة لا يحكمها «قطب» واحد، بل توازنات متحركة بين عدة قوى. وقد لا يكون النظام الجديد نظام هيمنة، بل نظاماً تنافسياً متعدد الأقطاب، تتعايش فيه الردعيات المتبادلة مع التسويات المرحلية، وتصبح فيه القدرة على منع الآخرين من الانتصار أهم أحياناً من القدرة على تحقيق الانتصار الكامل.
وفي هذه المنطقة تحديداً، حيث تتداخل الجغرافيا مع التاريخ والدين والطاقة والأمن والممرات البحرية، قد لا يكون السؤال في السنوات المقبلة «من يسيطر على الشرق الأوسط؟»، بل «من يستطيع أن يمنع الآخرين من السيطرة عليه؟».
وهنا تحديداً تبدأ ملامح الشرق الأوسط الجديد.
بيروت في ٤ أيلول ٢٠٢٦
العميد الركن الدكتور
بهاء حسن حلال