المجاعات المقبلة حول العالم وتأجيج العنف المسلح
يشهد العالم اليوم مواجهات بين القوى الكبرى، كما يشهد تحولات مناخية وسباقات تسلح تكنولوجية، ناهيك عن الجوع العالمي الذي يتسبب بمشاكل بالغة الأهمية، حيث أكثر من ملياري إنسان، أي أكثر من ربع سكان الكوكب، من إنعدام الأمن الغذائي، أي إن الطعام فُقد منهم في مرحلة ما خلال هذا العام، أو إضطروا إلى خفض جودة غذائهم أو كميته.، كما واجه أكثر من 260 مليون شخص إنعداماً تاماً في الأمن الغذائي، فصارت حياتهم وسبل عيشهم معرضة لخطر داهم، لأنهم لم يتمكنوا من الحصول على ما يكفي من الطعام، وعانى ربع الأطفال في العالم دون سن الخامسة من التقزُّم الدائم بسبب سوء التغذية، ومن المرجح أن يحصلوا على مستويات تعليمية أدنى، وأن يكسبوا دخلاً أقل طوال حياتهم، ليواجهوا مشكلات صحية مزمنة أكثر من الأطفال الذين يحصلون على تغذية سليمة، فهي أرقام صادمة، تعكس أزمات الغذاء التي قد يشهدها هذا العام، نتيجة إرتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، وتراجع صادرات الحبوب من روسيا وأوكرانيا، واشتداد ظاهرة التحولات المناخية.
فإنعدام الأمن الغذائي، هو بحدِّ ذاته كارثة، ويجر عواقب سياسية وخيمة، بإعاقة عملية النمو الإقتصادي، وبزيادة خطر إندلاع النزاعات العنفية، وزعزعة إستقرار الحكومات، وهذه المشكلات تخلق متاعب للعالم بأسره، بمعنى، أن الدول التي لا تعاني من إنعدام الأمن الغذائي تبقى لديها أسباب قوية، إنطلاقاً من مصالحها الذاتية، للتصدي له، والولايات المتحدة واحدة من هذه الدول.
هنا لا تقتصر جهود تقوده الولايات المتحدة، على معالجة الجوع وجعل العالم أكثر صحة وإستقراراً، ففي ظل تراجع الشعبية العالمية تجاه الولايات المتحدة، تحتاج واشنطن إلى أجندة تُعيد من خلالها بناء الثقة العالمية بقيادتها، وتبرهن على قيمة التعاون الدولي وأهميته، ويمكن أن تتصدر معالجة الأمن الغذائي العالمي كخطة مرحلية واجبة، إذ تختلف مناطق العالم في طموحاتها الجيوسياسية، لكن لا تكاد توجد حكومة في مناطق الشمال أو الجنوب، ديمقراطية أو إستبدادية، ترغب في أن ترى هذا العدد الكبير من الناس يعانون الجوع، وربما لا توجد طريقة أفضل لإعادة بناء الثقة في النظام العالمي الليبرالي وفي الولايات المتحدة، بإعتبارها عضواً ملتزماً به، من أن تتصدى واشنطن لهذا التحدي.
فهناك ترابط وثيق بين الأمن الغذائي والتنمية العالمية وأمن الدول، وحتى المنافسة الدولية، حيث أن سوء التغذية يؤدي إلى تراجع التحصيل العلمي، وإضعاف رأس المال البشري، وفقدان الإنتاجية، وهذا يجعل التكلفة عالية على الاقتصاد العالمي بحوالي 3.5 تريليون دولار سنوياً، نتيجة النمو الإقتصادي المفقود، كذلك كلفة الرعاية الصحية الإضافية.، ويمكن أن تؤدي قفزات أسعار الغذاء إلى تفاقم مشاعر السخط وكان قد وفَّر الظروف الملائمة والمناسبة لإحتجاجات الربيع العربي.، وفي المناطق الريفية، يساعد إنعدام الأمن الغذائي الجماعات المسلحة على تجنيد المقاتلين، ويؤجِّج النزاعات على موارد الأرض والمياه الشحيحة، كما يدفع الناس إلى الهجرة نحو الدول الأكثر ثراءً.
فهذه الأسباب وحدها، تعدُّ كافية لأن تقود واشنطن حملة عالمية للحدِّ من الجوع، لأن الريادة في مجال الأمن الغذائي العالمي، تعني المساهمة في تشكيل مستقبل النظام الزراعي العالمي بأسره، وهو أمر تسير الصين على طريق تحقيقه، فهي إستثمرت برؤوس أموال كبيرة، لضمان توليها قيادة منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، وهو دور يتمتَّع بنفوذ كبير في تحديد كيفية تعاون الحكومات في القضايا المتعلقة بالغذاء، كما وتعمل الصين بسرعة على تطوير وسائل أخرى لقيادة العالم في قضايا الأمن الغذائي، وتنفق ضعف ما تنفقه الولايات المتحدة على البحث والتطوير الزراعي بشكل كبير، بينما بقي الإنتاج الأميركي راكداً، وعلى الرغم من ذلك بقيت الولايات المتحدة في موقع جيد، يؤهلها لقيادة العالم في مجال الأمن الغذائي، فهي من أكبر مصدري المنتجات الزراعية في العالم، وتلعب دوراً محورياً في تأسيس منظومة الأمم المتحدة المعنية بالأمن الغذائي، بما فيها منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي وأكبر مانح لها، وفي الواقع، كانت أجندة التنمية الدولية للولايات المتحدة، على مدى عقود، الأكثر طموحاً في العالم، وحظيت بدعم جمهور مستعد لمساندتها.
ولا تزال في الولايات المتحدة تمتلك كثيراً من الأدوات اللازمة لمكافحة الجوع في العالم، عبر زيادة المساعدات الخارجية، وبما يمكنها الإستفادة من السياسات التجارية والإستثمار العام في الإبتكار، بل وحتى من أنظمة جمع البيانات المتطورة التي تمتلكها، لكن تحتاج أيضاً إلى العمل لتعزيز صدقيتها، فأحد الأهداف الكبرى للعمل الجماعي، يكون بزيادة القدرة على التنبؤ كلأكثر، فالنظام الغذائي العالمي يعاني عدم اليقين في مجالات عدة، من الطقس وسلاسل الإمداد والعمالة والتجارة وغيرها، وهذا يسبب عجزاً كبيراً في صنع السياسات والأسواق وسبل العيش، حيث أن القدرة على فهم هذه الإتجاهات بصورة أفضل، ومعرفة الأدوات التي ستكون متاحة لإدارتها، يمكن أن تسهم كثيراً في تدعيم شبكات الغذاء والإستعداد للكوارث.
وينبغي العمل لتعزيز أنظمة الإنذار المبكر حول العالم، فالإنذار المبكر بالصدمات التي قد يتعرض لها النظام الغذائي، مثل الأحوال الجوية القاسية وإضطرابات الإمدادات والإضطرابات الإقتصادية، يتيح وقتاً ثميناً للتحضير والإستجابة، ومعالجة حالات الطوارئ الغذائية تتطلب أكثر من مجرد زيادة التمويل، ويعني ذلك ضمان قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى مناطق النزاع، وحماية البنية التحتية الزراعية من الهجمات، وحظر إستخدام التجويع سلاحاً في الحرب، ولهذه المبادئ أساس راسخ منذ زمن طويل في القانون الدولي، لكن النزاعات في غزة والسودان وأوكرانيا أظهرت الحاجة إلى تعزيزها، وينبغي لواشنطن الدفع بهذه المعايير من خلال القرارات والتحركات في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وإستخدام الدبلوماسية لمحاولة إقناع المنتهكين بتغيير سلوكهم.
وأخيراً، ينبغي قيادة حملة للعمل الجماعي، تهدف إلى حماية النظم الزراعية من تحدي شديد الضرر، هو الآفات والأمراض الزراعية، فالآفات والأمراض تدمر ما يصل إلى 40 في المئة من الإنتاج العالمي للمحاصيل كل عام، فينخفض الدخل في المناطق الريفية، وترتفع الأسعار على المستهلكين، وتُهدر الموارد الطبيعية، لتبقى أنظمة المراقبة والإستجابة الدولية الحالية لهذه الآفات والأمراض محدودة النطاق، فلا شك أن العالم في حاجة إلى تطوير طرق أفضل من أجل إدارة الأزمات والأخطار الغذائية، لكنه يحتاج أيضاً إلى تعزيز النمو المستدام للإنتاج الزراعي، أي القدرة على إنتاج مزيد من الغذاء بموارد أقل، ومثل هذا النمو مهم جداً، خصوصاً في المناطق التي تشهد زيادة سكانية، إذ تنتج السوق المحلية الجزء الأكبر من الغذاء المستهلك، ولا يمكن نقل سوى بعض السلع الغذائية بسهولة عبر مسافات طويلة، ولذلك لا تستطيع التجارة الدولية وحدها حل تحديات إمدادات الغذاء والتغذية بصورة كاملة، فأهم خطوة يمكن للدول أن تتخذها بصورة جماعية هي دعم الإبتكار، ولتحفيز هذه العملية، على المسؤولين التركيز بداية، على مراكز البحوث الزراعية الدولية، مثل المركز العالمي للخضراوات في تايوان والمركز الدولي لتحسين الذرة والقمح في المكسيك،وكثيراً ما شكلت هذه المرافق محركاً للتقدم في مجالات الإنتاجية والأمن الغذائي وإدارة الموارد الطبيعية، لا سيما في العالم النامي.
العالم اليوم، يحتاج إلى الأبحاث ليستبق آخر التحديات، مثل إرتفاع درجات الحرارة والسلالات الجديدة من الأمراض الزراعية القديمة، لكن يجب أن يطمح إلى ما هو أبعد من ذلك، غذ يجب العمل لمعالجة المشكلات الصعبة التي تعود بفوائد كبيرة، والتي لم تتركز الجهود الدولية عليها من قبل، كمحاولة تطوير محاصيل معمرة عالية الإنتاجية أو أو مثبتة للنيتروجين، بما يعزّز صحة النظم الطبيعية، ويقلل الحاجة إلى العمالة والأسمدة، وقد يشمل أيضاً السعي إلى زيادة كفاءة عملية التمثيل الضوئي، بحيث تتمكن النباتات من إنتاج مزيد من ضوء الشمس الذي تتلقاه، ولن تغير هذه الإبتكارات العالم فحسب، بل ستظهر أيضاً قوة الإبتكار الأميركي وتعزز علاقات واشنطن مع شركائها.
ففي ظل تزايد المنافسة العالمية، قلة من القضايا قادرة على توحيد العالم بأسره، والأمن الغذائي هو إحداها، فجميع الحكومات تقريباً تدرك أن الجوع مشكلة، وجميعها تقريباً تعلن رغبتها في معالجتها في الأقل، وإذا تمكنت الولايات المتحدة من قيادة جهود قوية في هذا الصدد، فمن الممكن أن توحد العالم بأسره تحت قيادتها، ونادراً ما تتوافق الضرورات الإستراتيجية والمبادئ الإنسانية لواشنطن بهذا الإنسجام، ونادراً أن تعكس أجندة السياسة الخارجية الأميركية بوضوح ما يريد الشعب الأميركي أن تكون عليه بلاده: ليست قوية فحسب، بل أخلاقية أيضاً، وبعبارة أخرى، يمثل الأمن الغذائي فرصة فريدة للولايات المتحدة، ولا يمكن للبلاد أن تتحمل إهدارها.