Tuesday, 15 September 2026
اشترك

مأرب ومفاتيح الاقتصاد والطاقة خطة إسرائيل: ضغط عسكري لسلام إبراهيمي

بقلم رئيس التحرير

تعتبر سيطرة جماعة الحوثي على مضيق باب المندب، غير كافية، وليست نهاية المطاف، بل هي خطوة طال إنتظارها لإستكمال الترتيبات العسكرية والسيطرة على محافظتيْ تعِز ومأرب النفطية جنوب وشرق اليمن، وهي خطة جاهزة للتنفيذ، فمصادر في قيادة الحوثي كشفت، عن تفاصيل خطة مكتوبة أقِرَّت بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني، لإعادة رسم الخريطة الميدانية وإستهداف معاقل الحكومة اليمنية ومقدراتها الإقتصادية، إذ أن التحركات العسكرية الأخيرة في الساحل الغربي ومدينة المخا لم تكن مجرَّد هجوم عسكري طارئ، بل جرت بإعتبارها مرحلة أولى من خطة مكتوبة نُفّذت بترتيب مسبق، ومن يسيطر على باب المندب يمكنه أن يسد البحر، ومن يسيطر على تعز ومأرب، يمكنه أن يغلق باب الشمال بأكمله.

فقد عقد المجلس الجهادي التابع لجماعة،إجتماعاً مطولاً في صنعاء، وهو يتولى وضع الخطط الإستراتيجية للتوسع والسيطرة وتحديد أولويات المسارات المختلفة، والذي يضم قيادات عسكرية مخضرمة،بحضور مستشارين من الحرس الثوري الإيراني، أقرّ خلاله خطة عملياتية قائمة على مرحلتين:

الأولى تتتمثَّل في إسقاط الساحل الغربي ومدينة المخا وصولاً إلى مضيق باب المندب.

أما المرحلة الثانية، فتعتد على فتح جبهات عسكرية جديدة في مناطق جنوبي مأرب والجوبة وحريب، بالتزامن مع ممارسة ضغط ميداني مكثف على محافظة الجوف المحاذية، وفتح معركة في تعز للسيطرة على الجبهة الغربية والجنوبية منها.

إذن، مأرب ليست مجرد محافظة، فهناك حقول النفط والغاز، وهناك آخر معاقل ما يسمَّى الحكومة الشرعية في الشمال، ومن يملك مأرب يملك مفاتيح الاقتصاد والطاقة، ويجبر الرياض على إعادة حساب كل شيء،وجماعة الحوثي تنظر إلى مأرب كمصدر كانت وما زالت تُدار منه الحرب ضدها، وإبقاء مأرب تحت الضغط العسكري المستمر قد يؤدي الوظيفة نفسها حتى لو لم تسقط بالكامل، لأن تعطيل الموارد واستنزاف القوات لا يقل أهمية عن احتلال الأرض.

أما حول التهديدات الصادرة عن السعودية، يلوّح الحوثيون بأوراق الضغط البحرية والبرية التي باتوا يمتلكونها، ومأرب ستكون الوجهة المقبلة، أما في تعز، يهدف الحوثي منها، قطع خطوط الإمداد الرابط بين مناطق سيطرة ما تسمى الشرعية ومحافظة عدن.

وهعلى المقلب الآخر، تعرف إسرائيل جيداً في مسارها العسكري في لبنان وسوريا، إستخدام التسريبات، والتلاعب في المفاوضات، فهو جزء من حروبها ومساراتها، من المشرق العربي إلى الخليج العربي، فاللبنانيون، الذين إنشغلوا كثيراً  بالتسريبات حول إستعداد إسرائيل للإنسحاب من بعض قرى الخط الأصفر، والتراجع إلى الخط الرمادي،سرعان ما فجّر الإسرائيليون علي الطاهر، وبعدها أعلن نتنياهو ووزير أمنه يسرائيل كاتس أنَّ إسرائيل ستبقى في المناطق التي وصلت إليها، فهي لعبة يديها نتنياهو، ويعرف كيف ينقلها عبر التركيز على تطورات الخليج العربي، ولا سيما  فيما يجري في اليمن، وسعْي الحوثيين للسيطرة على مضيق باب المندب والتحكم بالملاحة في البحر الأحمر، حيث ضجت وسائل الإعلام الإسرائيلية بتسريبات كثيرة، حول قلق تل أبيب مما يجري، لإرتباط ذلك بالأمن الدولي والإقليمي، وصولاً إلى تسريبات تشير إلى أن إسرائيل تدرس إمكانية التحرك هناك، لتأتي بعدها تسريبات أخرى عن أنَّ السعودية طالبت إسرائيل عبر القيادة المركزية في الجيش الأميركي بإمكانية مساعدة إسرائيل إستخبارياً  وعملياتياً، ضد الحوثيين في اليمن لمنعهم من السيطرة على باب المندب.

هنا الهدف الإسرائيلي واضح، يتعلق بإستغلال العمل العسكري الذي تقوم به بنفسها، في لبنان أو في أي منطقة أخرى، لأجل تكريس النتائج السياسية المتعلقة بإتفاقات السلام، التي ستقود لاحقاً إلى إتفاقات إقتصادية تريدها وتعمل عليها، وهو تماماً ما تمارسه تل أبيب في متابعته لتطورات حرب اليمن وباب المندب، فقد خرج قبل أسابيع ف مسؤولون إسرائيليون وأعلنوا أنهم يريدون الوصول إلى إتفاقات مع السعودية ومع دول الخليج، لأن من مصلحة إسرائيل تصدير النفط الخليجي عبر مرافقها إلى أوروبا، فجراء إندلاع الحرب في اليمن والبحر الأحمر، وفي ظل الحرب المستمرة في مضيق هرمز، ستكون دول الخليج بحاجة للبحث عن ممرات جديدة لتصدير النفط، تريد إسرائيل أن تكون هي الوجهة الأساسية والوحيدة، كما ترغب بإستغلال أي إهتزاز أمني في الخليج، لتعلن تدخلها لتثبيت حضور أمني وعسكري هناك، تمهيداً للوصول إلى حضور سياسي وإقتصادي، وهذا يعني أن أي استعداد إسرائيلي للتدخل ضد الحوثيين في اليمن، سيكون مرتبطاً بإدخال السعودية ودول أخرى في مدار الإتفاقات الإبراهيمية.

وهنا، تبقى سوريا عنواناً أساسياً للصراع والتنافس ومعها لبنان، إذ أن دمشق تشكل ممراً أساسياً للخطوط البديلة عن هرمز والبحر والأحمر،وإسرائيل تسعى إلى تكثيف عملياتها فيها، وتعزيز تحركاتها العسكرية وتوسيع إحتلالها لزيادة الضغط العسكري، بهدف الإستثمار سياسياً بعد ذلك، ولقطع طريق الحجاز الذي يربط بين السعودية وتركيا عبر الأراضي السورية، فيريد نتيناهو أن يكون هو المتحكم بكل هذه الطرق والمسارات، إستناداً إلى عملياتها العسكرية لفرض وقائع سياسية وإقتصادية جديدة.

وعليه، ستواصل إسرائيل حربها في المشرق العربي، وتحديداً سوريا ولبنان، وقد تُنفِّذ عمليات عسكرية على الحدود بين البلدين، وستركز أيضاً على محاولة خلق مشكلات داخلية، سواء في لبنان عبر الضغط أكثر على الدولة اللبنانية، لدفعها إلى مواجهة حزب الله من خلال طرح شرط سحب السلاح شمال الليطاني، وهذا سيكون أحد الشروط الأساسية في أي مفاوضات مقبلة، وهو الذي سيتحكم بإجتماع سفيري لبنان وإسرائيل في أميركا لتحضير جدول أعمال الجولة الثامنة من المفاوضات، وهو الأمر الذي سيعكس مزيداً من الإنقسام الداخلي اللبناني حول هذا الملف، الذي سيكون عنواناً لتوتر كبير في الداخل بدءاً من جلسة مساءلة الحكومة في مجلس النواب ،وقد يمتد إلى الشارع.

أما في سوريا، فستسعى إسرائيل إلى تغذية المشكلات الداخلية، إما في السويداء لتوتير الأوضاع على الطريق إلى دمشق، أو من خلال إستغلال أي إنقسامات سورية لإضعاف السلطة الجديدة، من دون إغفال مساعٍ إسرائيلية لإقناع الأميركيين بضرورة تنفيذ عملية عسكرية جديدة في الجنوب السوري، ونشر قوات عسكرية ونقاط أمنية فيها، وتوسيع نطاق الأراضي التي تحتلها، أما في الخليج العربي، فستستمر تل أبيب بالمراقبة والمتابعة، بإنتظار لحظة الإنقضاض أو إنتهاز الفرصة المناسبة، ولحظة تعلن فيها عن شروطها للتدخل، وهي لن تكون أقل من المطالبة بإنضمام دول خليجية إلى مسار الإتفاقات الإبراهيمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *