هرمز يهزّ خريطة النفط.. ممرّ جديد بعد الحرب.. لبنان والفرصة التاريخيّة

نوال الأشقر/إعلامية لبنانية
يُعيد إضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز رسم حسابات الدول المنتجة والمستهلكة، ويدفعها إلى البحث عن طرق وأنابيب وموانئ بديلة، تقلّل مخاطر الاعتماد على منفذ واحد. ولا يبدو هذا البحث مجرّد إجراء طارئ، بل بداية مسار قد يعيد تشكيل خريطة الممرّات النفطيّة في المنطقة. فالمنافسة لم تعد تقتصر على من يملك النفط، بل تتعداها إلى من يملك الطريق الأكثر أمناً، والأقل كلفة، والأقدر على بلوغ الأسواق العالميّة.
العراق.. الأكثر تضرراً تبحث عن مخارج
يبرز العراق في مقدّمة الدول التي دفعتها أزمة هرمز إلى الإسراع في البحث عن منافذ تصدير إضافيّة، نظراً إلى اعتماد اقتصاده بدرجة كبيرة على عائدات النفط، وتركّز الجزء الأكبر من قدرته التصديريّة في الجنوب. من هنا، تحرّكت بغداد نحو إحياء مسارات برّية، تتيح لها تصدير نفطها بعيداً عن الاعتماد الكامل على هرمز، وتواكب حاجتها إلى زيادة طاقتها التصديريّة.
ولا يأتي هذا التوجّه من فراغ، إذ يمتلك العراق شبكة من المشاريع والمسارات النفطيّة، التي ربطته تاريخيّاً بالأسواق الإقليميّة والمتوسطيّة. وفي هذا السياق، يبرز مشروع خط أنابيب النفط المقترح بين البصرة وبانياس، مع إمكانية ربطه بمنشآت طرابلس اللبنانيّة، التي كانت تاريخيّاً جزءاً من شبكة نقل النفط العراقي.فهل يمكن أن يشكّل هذا التحول فرصة لإعادة إحياء الممر النفطي نحو المتوسط، وما الذي يحتاجه لبنان ليكون جزءاً من هذا المسار؟
يحتاج المشروع إلى ترتيبات قانونيّة وتجاريّة وأمنيّة، إلى جانب تقييم جاهزية المنشآت اللبنانيّة. وفي هذا السياق، تشرح الخبيرة في شؤون حوكمة الطاقة ديانا القيسي، في حديث لـ”مركز إنشاء للمعلومات والأخبار” الشروط اللازمة لنقل المشروع من مجرّد طرح إلى مسار قابل للتنفيذ.
وبحسب القيسي، يتجاوز المشروع فكرة إعادة تشغيل خطّ نفطي قديم، ليطرح إمكانيّة قيام ممرّ طاقة إقليمي متكامل، ينطلق من البصرة–حديثة، ويتّجه غرباً عبر سوريا وصولاً إلى البحر المتوسط.مع إمكانيّة ربط طرابلس بهذا النظام، سواء عبر المسار التاريخي القائم، أو من خلال إنشاء وصلة جديدة.وقد انتقل العراق إلى دراسة أكثر جديّة لهذه الشبكة، من البصرة إلى بانياس، فيما بدأ لبنان التحضير لدوره المحتمل، ولا سيّما الاستفادة من منشآت طرابلس كمركز للتخزين وإعادة التصدير.
لكنّ الانتقال من التفاوض إلى اتفاق قابل للتنفيذ، لا يرتبط بالعقبات التقنيّة أو التمويليّة، وفق القيسي، إذ يمكن معالجة الأولى وتأمين الثانية، متى أثبت المشروع جدواه التجارية. أمّا التحدي الحقيقي، فيتمثّل في تحويل المشروع من تفاهم لبناني–عراقي إلى مشروع إقليمي متكامل.وهذه الخطوةتحتاج إلى تحضير وتنسيق كبيرين، لأنّ المطلوب ليس مجرد إعادة تشغيل مسار نفطي، بل تنظيم عملية عبور عابرة للحدود. وكما خلصت الدراسة التي أُعدّت في معهد باسل فليحان من قبل القيسي ورئيسة المعهد لمياء المبيض فإن “الحلقة المفقودة” ليست بالضرورة خطّاً جديداً، وإنّما إطار رسمي ثلاثي للعبور، يحدد حقوق الدول الثلاث وواجباتها والتزاماتها.
لبنان وإختبار الجهوزيّة
يحتاج لبنان إلى العمل على خمسة مسارات بالتوازي، تبدأ بإدارة المشروع من خلال جهة حكوميّة واضحة “عبر لجنة وطنيّة بصلاحيات محدّدة، تضم رئاسة الحكومة،برئاسة وزارة الطاقة ومشاركة وزارات الماليّة والأشغال والخارجيّة والبيئة، إلى جانب فريقين تقني وتجاري”تلفت القيسي.أمّا المسار الثاني، فيتمثّل في إجراء تدقيق تقني شامل لمنشآت طرابلس والزهراني لتحديد القدرات الفعليّة. فمنشآت طرابلس كانت مجهّزة لاستقبال النفط الخام العراقي، وكانت خطوطها الثلاثة تصل سابقاً إلى قدرة نقل تقارب 900 ألف برميل يوميّاً، لكن هذه القدرة لم تعد متوافرة اليوم.وعليه، يجب فحص الخزانات والأنابيب ومحطات الضخ والقياس وأنظمة التحكم والسلامة، إلى جانب مسح مسار الخطوط ومعالجة أيّ تعديات، إذ “لا يمكن البناء على القدرات التاريخيّة للمنشآت قبل التحقق من وضعها الحالي” تقول القيسي، معتبرة أنّ التدقيق الفني يحدّد ما يمكن للبنان استعادته فعليّاً.
ويأتي النموذج التجاري في المرتبة الثالثة، إذ يحتاج المشروع إلى تحديد حصّة لبنان وبدلات العبور والتخزين والمناولة، وإمكان استخدام الخزّانات والقدرات التخزينيّة،إلى جانب دراسة بدائل التحميل والمحطّات البحريّة. كما ينبغي حسم الحواجز التعاقديّة، ولا سيّما وضع عقد “روسنفت”الذي منح فيه لبنان حقوق استخدام منشآت تخزين في طرابلس والزهراني ومواقع أخرى.
ولا ينفصل ذلك عن تحديد الحدّ الأدنى من الكميّات التي يلتزم العراق بضخّها، إذ أنّ حجم التدفّقات يشكّل عنصراً أساسيّاً في قرار المستثمر. وفق القيسي” يحتاج المستثمر إلى ضمانات واضحة بشأن حجم النفط الذي سيعبر أو يُخزّن، كي يتمكّن من احتساب العائد المتوقّع على استثماره”.
أما المساران الرابع والخامس، فيتعلّقان بالاستثمار والحوكمة. فبعد استكمال التدقيق الفني، يجب تحديد حجم الاستثمار المطلوب، وآلية تمويله، وكلفة إعادة التأهيل، والجدوى الاقتصاديّة. بالتوازي مع وضع إطار للحوكمة والشفافيّة، يشمل تتبّع الكميات والإيرادات والبدلات وإخضاع العمليّات لرقابة مستقلّة، منعاً لتحوّل المشروع إلى مصدر جديد للهدر.
مخاطر العبور
على المستوى الخارجي، يحتاج المشروع إلى اتفاق حكومي ثلاثي بين العراق وسوريا ولبنان، يترافق مع اتفاق تجاري طويل الأمد، يحدّد الكميات والتعرفة وحقوق والتزامات كل طرف، وفق القيسي. غير أنّ هذا المسار يصطدم بتحدّيات سياسيّة وأمنيّة، وبيئة إقليميّة لا تزال محفوفة بالمخاطر في الدول الثلاث”وهذه المخاطر ستدخل حكماً في حسابات شركات التأمين والممولين والمستثمرين، إلى جانب أيّ قيود أو عقوبات دوليّة لا تزال مفروضة على جهات أو أفراد في هذهالدول. لذلك، ورغم أنّ المشروع يبدو تقنياًّ في شكله، فإن قابليته للتنفيذ ترتبط بدرجة كبيرة بعوامل سياسيّة وجيوسياسيّة وأمنيّة، إلى جانب جدواه الاقتصادية.”
طرابلس مركز لوجستي للطاقة
لا تقف الفائدة المحتملة عند حدود عبور النفط، إذ ترى القيسي أنّ طرابلس ولبنان قادران على تحقيق استفادة اقتصاديّة حقيقيّة، قد تحوّل المدينة إلى مركز إقليمي للطاقة، “شرط ألا يُنظر إلى طرابلس كمحطّة نهائيّة للخط، بل كمركز لوجستي متكامل”.في المرحلة الأولى، لا ينبغي أن تكون الأولوية لإنشاء مصفاة جديدة، بل لإعادة تأهيل البنية التحتية القائمة، وتفعيل وظائف العبور والتخزين والمناولة والتحميل وإعادة التصدير. “فالمصفاة مشروع مستقل يحتاج إلى استثمارات كبيرة، فيما يمتلك لبنان أساساً بنية تحتيّة يمكن توظيفها كمركز لوجستي”.
وتتمثّل العائدات المباشرة في رسوم العبور والتخزين والمناولة والتحميل البحري، فيما يتوقّف حجمها على نتائج التدقيق الفني والكميات التي سيتعاقد العراق على نقلها عبر لبنان. أما الأثر الأوسع، وفق القيسي، فيتمثّل في خلق فرص عمل وتنشيط اقتصاد طرابلس والشمال، واستقطاب شركات النفط والشحن والتأمين، والخدمات اللوجستيّة والمختبرات، بما يتيح نشوء منظومة اقتصاديّة متكاملة حول قطاع الطاقة. في حين أنّالاستثمارات، تبدأ بحسم الوضع التعاقدي للمنشآت، ثم إعادة تأهيل الخزّانات ومحطات الضخ والقياس والأنابيب وأنظمة التحكّم، والكشف عن التسرّب ومكافحة الحرائق، وصولاً إلى خطوط التحميل والمحطات والمراسي البحريّة والطرق والمعابر وأنظمة الرقابة البيئيّة.
وهنا تضع القيسي الكرة في ملعب الدولة، انطلاقًا من دورها في أن تسبق المستثمر بخطوة، عبر معالجة التحدّيات الأساسيّة، وإظهار جهوزيّة فنيّة وقانونيّة وتنظيميّة واضحة، ليجد المستثمر مشروعاً قابلاً للتنفيذ والاستثمار. وترى أنّ لبنان أمام فرصة استثنائيّة لإعادة تعريف موقعه في سوق الطاقة الإقليمي، والانتقال من دولة مستهلكة للطاقة إلى دولة عبور وخدمات وتخزين وتجارة “في فرصة قد لا تتكرر مرة أخرى”.
في المحصّلة، لا يبدو الطريق معبّداً أمام لبنان، فالمشروع يبقى محكوماً بتقاطعات سياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة تتجاوز حدوده، فيما يظل العبور عبر سوريا عاملاً أساسيّاً في تحديد مآلاته. ليبقى الرهان على أن يكون لبنان حاضراً لتلقّف التحوّلات التي تفرضها إعادة رسم ممرات الطاقة في المنطقة.