شبح الحرب الإقليمية يخيم على المنطقة لبنان..والسبب..
بقلم رئيس التحرير
تسير المنطقة اليوم على مسافة خطٍّ فاصل من الإنفجار الكبير، ولبنان على مسافة قرار واحد من الكارثة، والمطلوب اليوم موقف لبناني رسمي وحاسم يعلن أن هذا البلد لن يكون ساحةً لحرب إقليمية، ولا ضحيةً جديدة في صراع لا علاقة له به، إذ بلغت مرحلة حبس الأنفاس ذروتها، بعدما تحوّلت التصريحات المتناقضة بين واشنطن وطهران إلى جزء من حرب الأعصاب السابقة للحسم، فالرئيس دونالد ترامب يهدّد بإستمرار بتوجيه الضربة القاضية إلى إيران، ثم يعود ليعلن أن المفاوضات تحقق بعض التقدم، يقابله تحذيرات المرشد الإيراني مجتبى الخامنئي من حرب مدمّرة وردٍّ بلا حدود جغرافية.
إنه شبح الحرب الإقليميّة الذي يتقدَّم مجدّدًا على المشهد اللبنانيّ، وسط تهديدات إسرائيليّة تتجاوز حدود الجنوب إلى عمق البلاد ومرافئها وبناها التحتية، وترقّب لما ستُفضي إليه الإنتخابات النصفيّة الأميركيّة، بعد إنتخابات إسرائيليّة لم تُنتج أكثريّة حاكمة واضحة، وهنا كشفت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية عن خطط عسكريّة تشمل إحتلال صور وصيدا والنبطيّة، وفرض حصار بحريّ على بيروت وطرابلس، ووفق معلومات دبلوماسيّة،فقد تلقى تحذيرًا من إحتمال إستئناف ضربات واسعة قد تتجاوز في مدّتها وكثافتها ما شهدته العاصمة خلال الحرب الأخيرة، ولذلك تتحرّك الحكومة في بيروت على مسارين، أمنيّ داخليّ يتقدّمه ضبط المعابر وملاحقة شبكات التهريب والسلاح، ودبلوماسيّ إقليميّ عنوانه إعادة تنظيم العلاقة مع دمشق وتوسيع التعاون العربيّ، بيد أن المسألة السياسيّة الأكثر إلحاحًا تبقى متّصلة بقرار الحرب نفسه، ومن يملكه، وما إذا كان لبنان سيجد نفسه مجدّدًا أمام مواجهة تُقرَّر خارج مؤسّساته، حيث لم تكن المعلومات التي نشرتها صحيفة “معاريف” الإسرائيليّة مجرّد تهديد عسكريّ تقليديّ، فالسيناريو الذي عرضته الصحيفة، نقلًا عن مسؤولين إسرائيليّين، يتضمّن توسيع العمليّات إلى مدن لبنانيّة رئيسيّة، في حال قرّر “حزب الله” الانخراط في مواجهة إلى جانب إيران.
وتحمل هذه السيناريوهات دلالات تتجاوز نطاق العمليّات العسكريّة المحدودة، فإستهداف المرافئ والمدن الكبرى، يعني توسيع الضغوط إلى المرافق الحيويّة والمدنيّة، وإدخال الإقتصاد اللبنانيّ وحركة الإمدادات ضمن حسابات المواجهة، مع ذلك، فإنّ نشرها في هذا التوقيت يحمل رسالة ردع موجّهة إلى “حزب الله”، وضغطًاً سياسيًّا على الدولة اللبنانيّة، في ظلّ إحتمالات تجدّد المواجهة الإسرائيليّة الإيرانيّة، لكن الأخطر أنّ التهديد لا يقتصر على الردّ على تحرّك عسكريّ محتمل، بل يطرح إعادة توسيع نطاق السيطرة الإسرائيليّة على الأراضي اللبنانيّة. وهنا يتجاوز الخطر مسألة حجم الضربات إلى احتمال فرض وقائع احتلال جديدة يصعب تفكيكها دبلوماسيًّا
المعلومات الدبلوماسيّة لم تكشف قرارًا إسرائيليًّا نهائيًّا، ولم تحدّد موعدًا لأيّ عمليّة، وفي هذا المناخ، يصبح السؤال اللبنانيّ متّصلًا بكيفيّة تجنّب الإنخراط في مواجهة إقليميّة جديدة، وبمدى قدرة الإتّصالات الدبلوماسيّة على منع إسرائيل من إستغلال أيّ تطوّر عسكريّ لتوسيع إعتداءاتها، لم يكن ما سرّبه الإعلام الإسرائيلي منفصلاً عن رسائل التهديد والتحذير التي يتبلّغها لبنان، وكانت إحداها قبل فترة قصيرة، ومفادها أن إسرائيل ستستغل إعلان حزب الله تبنّيه شحنة المتفجرات التي كان يُفترض نقلها إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، في إطار بناء قدراته العسكرية وضرب أهداف إسرائيلية، لتجد تل أبيب المبرر لضرب الضاحية مجدداً، بعد إعتراف الحزب، وإقناع الولايات المتحدة الأميركية بسرديتها، ولم يتأخر المسؤولون الإسرائيليون عن إعلان أهدافهم وخطتهم، وهي توسيع الاحتلال والدخول إلى النبطية وصور، والتهجير حتى نهر الأولي.
هذ تطورات تُمهِّد لإسقاط كل الضمانات التي تحمي بيروت والضاحية الجنوبية،كما لا توجد أي ضمانات بعدم إتساع الحرب في لبنان في حال إندلاعها في المنطقة، ولا ضمانات بعدم إنخراط حزب الله فيها، تماماً كما هو الحال بالنسبة إلى غياب الضمانات الجدية لمسار المفاوضات الإيرانية الأميركية، إذ إن الطرفين يبحثان عن ضمانات وجهات ضامنة وموثوقة، لتطبيق أي إتفاق يتم التوصل إليه، وسط إنعدام الثقة بين الولايات المتحدة وإيران، وهذه الثقة منعدمة أيضاً بين لبنان وإسرائيل، وبين إسرائيل ودول المنطقة ككل، وبين دول المنطقة وإيران.
فحالة انعدام الثقة والضمانات، تجعل المنطقة كلها في حالة غليان، وقابلة للإنفجار في أي لحظة ومن خلال أي ساحة، على الرغم من مواصلة المفاوضات والمساعي التي يبذلها الوسطاء، خصوصاً دولة قطر، التي تواصل العمل في سبيل تقريب وجهات النظر وتقليص المسافات، ويأتي ذلك خصوصاً أن مصادر ديبلوماسية أشارت لــ #مركز_إنشاء_للمعلومات_والأخبار، وكشفت عن وجود خلافات على الأولويات بين الإيرانيين من جهة، والأميركيين من جهة أخرى، فطهران لا تزال تتمسَّك بضرورة فك الحصار عنها والإفراج عن الأموال، مقابل فتح مضيق هرمز خلال يومين وتجنّب الضربة العسكرية الأميركية، أما واشنطن، فلا تزال تتمسك بضرورة تقديم تنازلات إيرانية جدية في الملف النووي وإخراج اليورانيوم العالي التخصيب.
إذن لا تزال الفجوة كبيرة في المفاوضات، بينما يتحضّر الطرفان لإحتمال إندلاع الحرب في أية لحظة، أما دول المنطقة، فتسعى إلى تحييد نفسها وعدم الإنخراط، لكن عناصر التهديد وإنعدام الثقة وغياب الضمانات تُبقي إحتمال إتساع الحرب قائماً، وتجعل دخول دول جديدة إليها مسألة ممكنة جداً، خصوصاً بعد النقاشات والرسائل واللقاءات التي عُقدت بين مسؤولين إيرانيين ومسؤولين من دول المنطقة.
فلا تزال إسرائيل تضغط في سبيل شن الحرب على إيران، والعمل على قطع أي طريق أمام أي تقارب بين طهران ودول المنطقة، كما أن مصلحة إسرائيل ترتكز على تفكيك تحالف مكة وإفشاله، ولذلك، ستستثمر أي حرب أميركية إيرانية جديدة لتعزيز دورها وحضورها في الخليج، كما ستستثمر في وضع اليمن والبحر الأحمر لتوسيع نفوذها هناك، وبناء تفاهمات جديدة مع دول خليجية وعربية، وللمفارقة، يتزامن ذلك مع معلومات تتحدث عن إحتمال انضمام سوريا إلى حلف مكة، وهذا بالتأكيد ما لا تريده إسرائيل، التي تسعى إلى منافسة النفوذ التركي في سوريا، وقطع الطريق على أنقرة وتوسيع نفوذها هناك، كما لا تريد أي تكامل عسكري أو أمني أو اقتصادي بين تركيا والخليج، خصوصاً السعودية، عبر سوريا، لذلك، تكثّف تل أبيب ضغوطها على دمشق، عبر السويداء، ومن خلال مواصلة الإعتداءات والتوغُّلات، أو حتى من خلال السعي إلى خلق مشكلة بين سوريا والأردن، ولا يمكن فصل ما جرى بين الأردن وسوريا في الأيام الماضية عن هذا السياق، إذ بدا كأن هناك سعياً متعمداً لضرب العلاقات السورية الأردنية وخلق مشكلة، بدءاً من حادثة الكرك، مروراً بالإستهداف الأردني لدرعا، وصولاً إلى إطلاق النار على شبان سوريين على الحدود،ولا تزال إسرائيل تسعى إلى تحقيق أهدافها في جنوب سوريا، وهي توسيع الإحتلال وفتح طرق بين بعض المناطق، من السويداء إلى القنيطرة، باتجاه الجولان وبعض القرى الدرزية في جنوب لبنان. وهذا يحتاج إلى عملية تهجير في درعا.
وبالإضافة الى التركيز الإسرائيلي على إيران، يبقى هدف تل أبيب في المشرق العربي وصولاً إلى البحر الأحمر، فإذا كان مضيق هرمز والخليج مسألة أميركية مباشرة، وفي حال تم التوصل إلى إتفاق إيراني أميركي، فإن إسرائيل تريد التعويض عن ذلك في المشرق العربي، والإستثمار في ساحاته لتوسيع نفوذها وتثبيت مشروعها وتطويق دول حلف مكة، خصوصاً تركيا، التي تريد تطويقها من سوريا ولبنان، ومن خلال اختلاق مشكلة مع أذربيجان، والسعودية، التي تريدها إسرائيل متضررة من أي اتفاق أميركي إيراني ومن نشاط الحوثيين في اليمن.