Saturday, 10 October 2026
اشترك

السلام الكردي – التركي أمام المنعطف

خورشيد دلي/كاتب كردي سوري

وصلت ( عملية السلام ) بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني إلى نقطة حساسة ؛ هي أشبه بمنعطف تاريخي ؛ وسط قناعة لدى الطرفين باستحالة حل القضية الكردية عسكريا؛ لا في تركيا ولا في خارجها ؛ فالثابت أن نتائج صراع العقود الدامية بين الجانبين ؛ اسفرت عن آلاف الضحايا من الطرفين؛ وتدمير آلاف البلدات والقرى ؛ وتهجير الملايين ؛ وهدر مئات مليارات الدولارات كانت كفيلة بتحقيق نهضة اقتصادية في البلاد .

خلال السنوات الماضية؛ جرت لقاءات سرية وعلنية بين أطراف من الحكومة التركية وزعيم حزب العمال الكردستاني؛ عبدالله أوجلان ؛ أسفرت عن النداء التاريخي الذي وجهه أوجلان إلى أنصاره ؛ وعقبه ؛ أعلن الحزب عن وقف إطلاق النار ومن ثم حل نفسه والاستعداد للحل السياسي ؛ وبذلك اثبت أوجلان أنه ما زال الزعيم الأوحد للحزب رغم وجوده في المعتقل منذ قرابة ثلاثة عقود ؛ في المقابل للمرة الأولى نقلت الحكومة التركية الملف إلى البرلمان ؛ ليكون بذلك المحفل الذي يبحث فيه هذه العملية تحت عنوان : تركيا خالية من الإرهاب ؛ قبل أن يتطور الأمر ويصدر البرلمان القانون الاطاري الذي يهدف إلى نزع سلاح الحزب وقوننة عودة مسلحية إلى الداخل والبدء بإصلاحات سياسية ودستورية ؛ دون أي إشارة إلى القضية الكردية؛ كقضية شعب وهوية وارض ولغة وحقوق ؛ وهو ما يكشف الفارق الجوهري بين رؤية الطرفين ؛ الطرف الكردي الذي يراهن على حل سياسي للاعتراف به ونيل حقوقه القومية ؛ والطرف التركي الذي ينظر إلى الأمر على أنه نهاية للتمرد الكردي .     

* العملية أمام المنعطف

ثمة قناعة دفينة ؛ بأن اعلان الكردستاني عن حل نفسه ووقف إطلاق النار وغيرها من الخطوات ؛ لا تعني أن السلام بات اكيدا ؛ اذ كي يتحقق السلام لا بد من نيل الحقوق وتحقيق العدالة؛ كل ذلك عبر عملية سياسية تؤدي إلى تحقيق السلام والاستقرار ؛ كما حصل في ايرلندا الشمالية وجنوب وأفريقيا وغيرها من البلدان؛ فالثابت أن الهدف من أي عملية سياسية في المناطق التي تشهد صراعات ؛ هو تحقيق السلام حتى لو اختلفت الاساليب ؛ ومن دون ذلك ؛ فإن احتمال تفجر الصراع مجددا وبشكل أعنف يبقى خيارا مرجحا وقويا ؛ خاصة إذا كانت القضية تتعلق بحقوق شعوب ؛ ودفعت من أجلها دماء وأرواح طوال العقود الماضية؛ ولعل تهرب الجانب التركي حتى الآن من الإشارة إلى القضية الكردية صراحة يعمق من هذه المخاوف لدى الكرد ؛ وفي الوقت نفسه يتطلب هذا الأمر ؛ تعريف القضية الكردية في تركيا ؛ وما هي المطالب والحقوق التي تطالب بها الحركة الكردية صراحة؛ اذ ان غياب هذا الأمر يشكل نقطة ضعف خطيرة في عملية التفاوض الجارية ؛ ولا ينبغي ترك هذا الأمر إلى ما لا نهاية؛ خاصة في ظل التطورات التي تشهدها  المنطقة منذ السابع من أكتوبر وصولا إلى الحرب الجارية ضد إيران والتداعيات التي  ستخلفها هذه الحرب على عموم المنطقة ؛ خاصة إذ تم اسقاط النظام الإيراني كما تعلن اسرائيل صراحة ؛ بعد الضربات التي وجهتها إلى كل من حماس في غزة وحزب الله في لبنان ؛ والحرب المندلعة في اليمن واحتمال تطورها إلى حرب يمنية ( حوثية ) – سعودية ؛ بل واتساعها أكثر في ظل الالتزامات التي ولدها حلف مكة ؛ اذا أن تطور الصراع في اليمن قد يتحول إلى حرب إقليمية بين أقطاب حلف مكة من جهة؛ وإيران وحلفاؤها من جهة ثانية ؛ وما يجري على صعيد عملية السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني غير بعيد عن مجمل التطورات الجارية في المنطقة ؛ خاصة في ظل القناعة بأن تركيا تتقرب من هذه العملية على أساس أنها خطوة وقائية لحماية الداخل التركي من التفجر بعد اشتداد الصراع التركي – الاسرائيلي في سوريا ؛ والخوف التركي من أن تمد اسرائيل يدها إلى كرد تركيا ؛ وهو ما بات يشكل هاجسا لتركيا التي بدأت تتحدث عن أطماع اسرائيلية في أراضيها ؛ وعليه فإن مقاربتها للعملية السياسية مع الكردستاني تأخذ طابع الوقاية المسبقة دون أن تكون لديها نية حقيقية في حل هذه القضية سياسيا ؛ وبما تؤدي هذه العملية إلى الاعتراف بالحقوق القومية للكرد في تركيا .

* الدروب بين أردوغان وأوجلان !

على وقع العملية الجارية في تركيا ؛ تتقاطع دروب السياسة بين أردوغان وأوجلان على شكل تطلعات سياسية قابلة للتحقق من خلال الطرف الآخر ؛ فأردوغان يريد من أوجلان تلك الوصفات السحرية التي أفضت إلى إعلان الحزب الكردستاني نفسه ووقف إطلاق النار ؛ وينتظر منه الدور الفاصل في نزع أسلحة المقاتلين الكرد ؛ وأبعد من ذلك يريد أردوغان من العملية الجارية الحصول على أصوات الكرد في الانتخابات المقبلة التي يستعد لها من أجل ولاية رئاسية ثالثة؛ وكذلك تمرير دستور جديد في البرلمان لدعم من أصوات النواب الكرد فيه ؛ بل يطمح أكثر من ذلك ؛ اذ انه يريد من هذه العملية أن تكون مدخلا لكسب دعم الكرد في سوريا والعراق وإيران .. للسياسة الإقليمية التركية في إطار البحث عن مزيد من النفوذ والدور في الملفات والقضايا والمشاريع التي ستؤسس لنظام إقليمي جديد في المرحلة المقبلة. في المقابل يريد أوجلان من هذه العملية أن يكون مانديلا الكرد الذي استطاع من المعتقل تحقيق السلام الكردي – التركي ونيل الحقوق؛ وان تتغير صورته في نظر العالم من زعيم كردي مصنف على لوائح الإرهاب من قبل غالبية الدول المؤثرة إلى رجل صانع للسلام؛ هكذا تتقاطع دروب السياسة بين الرجلين؛ فيما معطيات المشهد التركي – الكردي لا توحي بتحقيق اختراق يؤسس لسلام حقيقي ؛ لا بسبب الإرث السلبي ؛ وغياب الثقة ؛ والايديولوجية القومية التركية الرافضة لهوية قومية كردية؛ حيث اعتادت على إنكارها ورفضها وحتى تجريمها؛ بل لأنه لا يمكن أن تكون أي عملية سياسية ناجحة في تركيا دون الاعتراف بالقضية الكردية ؛ وهو ما لم يقره الجانب التركي إلى هذه اللحظة ؛ لحظة باتت تشكل منعطفا حاسما ؛ أما أن تنتج عملية سياسية حقيقية عبر بوابة هذا الاعتراف وكجسر للعبور إلى دولة ديمقراطية تعددية ؛  أو لحظة سقوط اللاعبين من فوق المسرح في لحظة دراماتيكية يفقد الجميع فيها إمكانية إدارة اللعبة السياسية الجارية من تحت الطاولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *