Thursday, 29 October 2026
اشترك

الصوت العربي في إسرائيل:تجربة تستحق التأمل في دنيا العرب

بقلم رئيس التحرير الدكتور رائد المصري

شكَّلت إنتخابات الكنيست الإسرائيلي، تجربة مبْكية ومضحكة في نفس الوقت، قياساً على ما تعيشه الحالة العربية من دول وشعوب، في ممارسة مشوَّهة للعملية الديمقراطية وتداول السلطة فيها، ففي الوقت الذي تؤجِّل السلطة في لبنان مواعيد الإنتخابات البرلمانية وتقوم بتمديدها لسنتين وأكثر، بسبب إنعدام الظروف الأمنية المناسبة، يقوم الإحتلال الإسرائيلي بتركيب صناديق إقتراع لجنوده داخل منازل لبنانيين في الجنوب، في صورة مخْزية للسلطة ومحازبيها، ولكلِّ الأحزاب التي تناوبت على الحكم والسرقة وإفلاس الدولة، كذلك في فلسطين التي تستنكف السلطة الوطنية فيها عن إجراء أية تغييرات، أو أي عملية إنتخابية لتداول الحكم المفقود، في ظل تأجيل مستمر وأبدي، بينما يقترع عرب ال 48 من الفلسطينيين في إسرائيل، ويشكِّلون كتلة وازنة وصلت الى 19 نائب في الكنيست..فهذا هو حال الخزي والعار بكلِّ أشكاله وفصوله.

فقد أعلنت لجنة الإنتخابات المركزية الإسرائيلية أنَّ النتائج الأولية، بعد فرز 85.6% من الأصوات، تشير إلى حصول معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً لمعسكر غادي آيزنكوت، و19 مقعداً للأحزاب العربية، وبلغت نسبة التصويت 77.7%، وهي النسبة الأعلى منذ انتخابات عام 1999، إذ زعم حزب الليكود أن الإنتخابات في إسرائيل تعرضت للسرقة من قبل قوائم عربية تدعم الإرهاب وتسعى لتدمير الدولة اليهودية، وعليه سيبقى نتنياهو في منصبه كرئيس لحكومة تصريف الأعمال خلال أي مفاوضات لتشكيل إئتلاف، أو إلى حين إجراء إنتخابات جديدة في العام المقبل، وعلى الرغم من أن الحكومة الانتقالية تواجه بعض القيود، فإن خبراء يشيرون إلى أنها تحتفظ بصلاحياتها، بما في ذلك المتعلقة بالحرب مع إيران.

وفي هذا الصدد، يوضح جاي لوري الباحث في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، أن الحكومة الإنتقالية تتمتَّع رسمياً بالصلاحيات نفسها التي تتمتَّع بها الحكومة العادية، لكن يقع على عاتقها في الوقت ذاته واجب ضبط النفس، فضلاً عن أنها تتمتع بهامش حرية أقل في بعض المجالات، وكان نتنياهو دعا في كلمة ألقاها أمام أنصار حزبه في المقر الإنتخابي للحزب بالقدس المحتلة إلى تشكيل حكومة وطنية يمينية قوية، ملوحاً بإمكان إستئناف العمليات المشتركة ضد إيران، بالتعاون مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على عتبار أن البلدين أمام فرصة تاريخية فريدة، للقضاء على سمَّاه التهديد الإيراني بصورة نهائية.

الآن، وبصرف النظر عن النتائج الملتبسة للإنتخابات الإسرائيلية، وعن قدرة نتنياهو على المناورة للبقاء في السلطة، فإنَّ النتيجة الأهم التي أفرزتها صناديق الإقتراع، تتمثَّل في الإقبال الشعبي غير المسبوق، ولا سيّما في المدن والبلدات العربية، وفي التعبير الواضح عن رفض إستمرار حكومة اليمين المتطرف وسياساتها المدمرة، بعد أن أدرك قطاع واسع من الناخبين اليهود، أن نتنياهو وحلفاءه قادوا إسرائيل إلى العزلة والإنقسام والحروب المفتوحة، وبقاءهم في الحكم يعني مزيداً من الدم والإضطراب، لكن الدلالة الأعمق جاءت من عرب الـ48 بفلسطين، الذين واجهوا طوال السنوات الماضية حملات ترهيب وتحريض وتنكيل منهجية، قادها إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وباركها نتنياهو ووظَّفها في صراعه للبقاء في السلطة.

لقد كان المطلوب القيام بالإستفزاز، لدفع المواطنين العرب  للوصول الى اليأس من العمل السياسي، وجرّهم إلى العنف، لتبرير المزيد من القمع والإعتقالات وهدم المنازل والتضييق على الوجود العربي، لكن الرد جاء واضحاً وحصيفاً، عبر الصبر والصمود والتنظيم والمشاركة الكثيفة في الإنتخابات،  فلم يطلق عرب الـ48 رصاصة واحدة، ولم يمنحوا المتطرفين الذريعة التي كانوا ينتظرونها، بل إستخدموا أقوى سلاح متاح لهم، وهي ورقة الاقتراع، وحوَّلوها الى قوة سياسية، ووضعوا الأحزاب العربية في موقع بيضة القبان وحاجة لكل الإئتلافات في تشكل حكومات إسرائيل، والأهم أنهم أثبتوا أن التغيير لا يحتاج دائماً إلى البنادق، وأن الصوت الانتخابي، حين تقترن به وحدة الموقف وكثافة المشاركة، يستطيع أن يُربك أقوى مشاريع الهيمنة والإقصاء،ولا يعني ذلك أن النظام الإسرائيلي براق وتحكمه سياسة التوازن وأن ليس فيه أي تجاهل  في التمييز البنيوي الذي يعانيه المواطنون العرب، لكن هذا يعطي صورة واضحة ومؤكدة، بأن مقاطعة المؤسسات يستبيحها المتطرفون، فيما المشاركة الواعية قادرة على تحويل الوجود الديموغرافي إلى وزن سياسي يصعب تجاوزه.

اليوم ربما ينجح نتنياهو في تركيب إئتلاف جديد، وقد تفضي المساومات إلى صيغة حكومية لا تلبي تطلُّعات دعاة وقوى التغيير، لكن الرسالة وصلت، بأن عرب الـ48 ليسوا كتلة خائفة أو هامشية، بل قوة سياسية قادرة على الصبر والتحرك في الوقت المناسب، فهي تجربة تستحق التأمل عند العرب، فالديمقراطية ليست خطباً ولا شعارات، بل مشاركة ومراكمة وتنظيم، وصندوق الإقتراع، متى حُمي من التزوير وإستُخدم بوعْي، يمكن أن يكون أشد تأثيراً من الرصاص، إذ يمنح صعود الأحزاب العربية الإنتخابات بُعداً إضافياً، عبر تعزيز تمثيلها وموقعها في الكنيست، ويفتح أمامها مجالاً للتأثير في مفاوضات تشكيل الحكومة، خصوصاً إذا عجز المعسكران الرئيسيان عن تأمين الأغلبية، ويبقى تحقيق ذلك مرتبطاً باستعداد أحزاب المعارضة للتعاون مع القوى العربية، في ظل خلافات، فأهمية صعو الكتلة العربية، تكمن في تعقيد حسابات المعسكرات المتنافسة، وتوسيع خيارات التفاوض، وليس في إمتلاك قرار تشكيل الحكومة منفرداً.

من المؤكد، أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية تؤسس لمرحلة جديدة من الخطر على مستوى المنطقة، فنتنياهو سيستشرس أكثر، وربما سيمضي نحو تحقيق مشروعه بالإعتماد على يمينية المجتمع الإسرائيلي، وهي بحد ذاتها مؤشر على تأييد الحروب، وبالإستناد إلى علاقته بدونالد ترامب، الذي تبقى من ولايته سنتان يريد نتنياهو إستغلالهما إلى أقصى الحدود كي يتمكن من تحقيق أهدافه، وكل ذلك يشير إلى أن المنطقة ستكون مقبلة على حروب جديدة، تبدأ مجدداً مع إيران، وتستمر في دول المنطقة، خصوصاً لبنان وفلسطين وسوريا، وربما اليمن أيضاً، ذلكَ بهدف إعادة تركيب تحالفات جديدة، وإنضمام دول جديدة إلى الإتفاقات الإبراهيمية.

إقليمياً، لن تتحدّد ملامح المرحلة المقبلة بمجرد إسم رئيس الحكومة الإسرائيلية، بل بطبيعة الإئتلاف الذي سيقوده ومدى تماسكه، والخيارات التي سيعتمدها في التعامل مع إيران ولبنان وسوريا وغزة، وبين مواصلة الضغط والتصعيد أو البحث عن ترتيبات سياسية وأمنية تحدّ من إحتمالات المواجهة، ستبقى قرارات الحكومة المقبلة عاملاً مؤثراً في رسم التوازنات الإقليمية، من دون أن تكون وحدها المحدد لمسار المنطقة، ولذلك تواجه إدارة ترامب تحدّياً في الموازنة بين دعم إسرائيل والضغط على طهران، من جهة، وتجنّب الإنزلاق إلى حرب إقليمية واسعة يصعب إحتواء تداعياتها، من جهة أخرى، فتداعيات تشكيل الحكومة الإسرائيلية، ربما تتجاوز حدود العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، لتطال حسابات القوى الإقليمية، في ظل ترابط الملفات الأمنية والسياسية من الخليج إلى شرق المتوسط.

لبنان وسوريا وغزة

وهنا يبرز لبنان في صُلب هذه الحسابات، نظراً إلى إحتمال إرتباط الجبهة الجنوبية بأي تصعيد أوسع بين إسرائيل وإيران، فاستمرار النهج المتشدّد قد يرفع مخاطر المواجهة، لكنه لا يجعل الحرب حتمية، وفي المقابل، لا يعني وصول غادي آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة، إذا ما نجح في تأمين الأغلبية، أن يحدث تغيير جذري في السياسة الإسرائيلية؛، إذ يبقى العامل الحاسم في طبيعة القرارات التي ستتخذها الحكومة وحدود إستخدامها للقوة.

وفي سوريا وغزة، ستبقى الخيارات الإسرائيلية مرتبطة بحسابات الأمن والردع، وبمدى قدرة الحكومة المقبلة على التعامل مع الملفات المفتوحة، من دون توسيع نطاق المواجهة، فقد تفرض التوازنات الداخلية قيوداً على بعض القرارات، أو تدفع نحو مواقف أكثر تشدّداً لإرضاء الشركاء السياسيين،لذلك، لا يمكن قراءة نتائج الإنتخابات بمعزل عن تركيبة الإئتلاف الحاكم، أو عن حسابات واشنطن ومواقف الأطراف الإقليمية.

أخيراً..

لقد نجح بنيامين نتنياهو مجدداً في قطع الطريق على خصومه، فهو سيحرج الجميع، بتكليفه بتشكيل الحكومة، وبالمفاوضات التي سيخوضها، خصوصاً أن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ لا يرغب بالذهاب إلى إنتخابات جديدة، ما يعني بقاء رئاسة الحكومة عند نتنياهو، والسَّعي للتفاوض مع قوى المعارضة للإنضمام إلى حكومته، ولهذا إحتمالات عديدة منها أن يعرض الرئيس الإسرائيلي على نتنياهو تشكيل حكومة وحدة وطنية يتولى فيها الرئاسة لمدة سنتين، ثم يخرج منها مقابل حصوله على العفو العام من أي محاكمة، ليفكر في الترشح لمنصب رئيس إسرائيل، فهو لحد الآن يرفض بالمطلق التنحي أو الإعتزال السياسي.

أو أن يبدأ نتنياهو وحزب الليكود بالتصعيد ضد العرب، الذين حقَّقوا أرقاماً قياسية، وهم قادرون على منح الأكثرية لتشكيل الحكومة، بهدف إحراج كل خصوم نتنياهو ومنعهم من القبول بالذهاب نحو تحالف مع القائمة العربية الموحدة، ما دامت القائمة المشتركة ترفض أي مشاركة في الحكومة، لقطع الطريق من خلال إتهام خصومه بأنهم يتحالفون مع قوىً عربية وإسلامية مؤيدة لحركة حماس، وهو ما يشير إلى أن المجتمع الإسرائيلي بغالبيته يميل نحو اليمين، وتكمن المخاطر الحالية والمستقبلية فيما ستتركه من آثار وإجراءات تطويق وتضييق على العرب.

أو أن ينجح نتنياهو في إستمالة بعض الكتل اليمينية في التحالف المعارض، مثل كتلة نفتالي بينيت، أو حتى أفيغدور ليبرمان، مقابل تقديم إغراءات كثيرة لهم، وربما تدخل أميركي على نحوٍ مباشر لإقناعهم بالتعاون مع نتنياهو.

أو السيناريو الأخير والمرجَّح كمخرج، هو أن يكون نتنياهو متأكداً من ذهاب الأمور نحو حرب أميركية إسرائيلية ضدَّ إيران، فيذهب إليها، وعندها يُلزم أحزاب المعارضة بالإنضمام إليه في حكومة وحدة وطنية نتيجة ضغط أميركي أيضاً، أما في حال لم ينجح في ذلك، فسيبقى رئيساً للحكومة طوال الفترة المقبلة بإنتظار إعادة تنظيم عملية إنتخابية جديدة، وعندها سيكون نتنياهو قد عرف نقاط قوته ونقاط ضعفه، وستكون لديه فرصة للعودة بقوة أكبر، خصوصاً أنَّ التحالف المعارض له لا يظهر تجانساً، بخلاف الكتلة الصلبة التي تصطف خلفه.

هنا سيكون لبنان في عين هذه العاصفة المقبلة، فنتنياهو صاحب نفوذ في الولايات المتحدة الأميركية، ولا إمكانية للحصول على دعم أميركي يتعارض مع الوجهة الإسرائيلية، وبعد الانتخابات النصفية، في حال خسرها الجمهوريون أو إندلعت الحرب الأميركية على إيران، لن تكون الإدارة الأميركية متفرِّغة لمتابعة تفاصيل الملف اللّبناني والإهتمام به، وهو ما سيؤدي لتسليم ملف لبنان لنتنياهو كي يهتم به شخصياً، إما عسكرياً أو أمنياً أو عبر الضغوط السياسية والإقتصادية التي سيمارسها، مقرونة بضغوط أميركية تبدأ بالسياسة ولا تنتهي بالعقوبات، ومحملة بشروط ومطالب للدولة اللّبنانية، بالتشدد ضد حزب الله وإتخاذ الإجراءات اللازمة لنزع السلاح، حتى لو أدى ذلك إلى صدامات أو توترات في الداخل، فتبدُّل المشهد السياسي في إسرائيل إنتخابياً، وتغيير تركيبة الحكومة المقبلة، يؤشران الى تشدد محتمل في الإلتزام بتنفيذ إتفاق الاطار، وطرح مسائل وقضايا من خارج الإطار، وهو ما سيطيل في أزمة الإنسحاب أكثر مما هو متوقَّع، في حين تبقى الخشية من تداعيات الإحتلال وتثبيت أقدامه في المناطق المحتلة وعلى حساب لبنان كلِّه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *