Sunday, 25 October 2026
اشترك

هل يملك المجلس الدستوري صلاحية تفسيرالقوانين؟

طرح قرارالمجلس الدستوري الأخير بشأن إبطال بعض مواد قانون العفوالعام، وتفسير بعض مواد هذا القانون، وما تبعه من إعتراضات نيابية، طرح إشكالية وصلاحية المجلس الدستوري في تفسيرالقوانين وكذلك التداخل والتشابك في الصلاحيات مع مجلس النواب؟

في هذا المقال، سنُحاول عرض الوقائع والمعطيات المرتبطة بهذا التداخل، حيث يتلخص الجدل بين صلاحيات مجلس النواب والمجلس الدستوري في مسألة الفصل بين سنّ التشريع وتفسيره الأصيل وبين الرقابة الدستورية واعتماد التحفظات التفسيرية الملزمة.

في الوقائع والنصوص، يتولىمجلس النواب بصفته السلطة التشريعية، حصراً بسنّ القوانين وتفسيرها تفسيراً تشريعياً عاماً ومجرداً وفقاً لأحكام مواد الدستور، لا سيما المادة 16 التي تقول:”تتولى السلطة المشترعة هيئة واحدة هي مجلس النواب”.

وبناء على السوابق والتجارب والإجتهادات والمناقشات في بعض الجلسات، فإن تفسير النص الدستوري أو حتى النص القانوني يتطلب أغلبية الثلثين وفقاً للنظام اللبناني، كما أنه لا يجوزلأي جهة قضائية أورقابية أن تحلّ محل المشرّع أو تعدّل في جوهرالنية التشريعية.

في المقابل،فإن المجلس الدستوري يتولى بموجب المادة 19 من الدستوروقانون إنشائه،مراقبة دستورية القوانين والبتّ في الطعون الانتخابية، مع التذكير بأن اتفاق الطائف نص على إنشاء مجلس دستوري يتولى تفسيرالدستورومراقبة دستورية القوانين، إلا أن إعتراضات النواب خلال جلسة تعديل الدستورفي 21 آب 1990 على منح المجلس الدستوري صلاحية تفسيرالدستور، سحبت منه هذه الصلاحية ووضعتها في عهدة مجلس النواب.

إلا ان ما سبق لا يُلغي أن هناك ما يُسمى في الفقه والإجتهادات “التحفظات التفسيرية الملزمة”، حيثيستطيع المجلس الدستوري، أثناء نظره في دستورية قانون مطعون فيه، أن يقرن قراره بتحفظات تفسيرية توضح الكيفية التي يجب أن يُفهم ويطبق بها النصّ لكي يصبح دستورياً، وذلك لتجنّب إبطاله كلياً أو جزئياً، علماً بأن قرارات المجلس الدستوري مبرمة ولا تقبل أي طريق من طرق المراجعة، وتلزم جميع السلطات العامة والمراجع القضائية والإدارية.

ويذهب مؤيدو هذا الفقه إلى القول بأن التحفظ التفسيري هو أداة تقنية لتصحيح العيوب وإزالة الغموض الذي يجعل النصّ عصيّاً على التطبيق السليم، وليس تعديلاً للتشريع.

وبالعودة إلى الإعتراضات النيابية الأخيرة على قرارالمجلس الدستوري بشأن قانون العفو،فقد ركزت على ما أسمته تجاوزدورالرقابة وأنه أصبح يفرض “تفسيراً” يغير نية المشرّع أو يضع قيوداً جديدة توازي تعديل النصّ، وهوما دفع البعض لوصفه بأنه يمارس دوراً يشبه “المشرّع البديل”.

ومن البديهي أو الطبيعي أن يكون الحل عند حصول هذا التصادم هوعودة السلطة التشريعية أي مجلس النواب لإصدار تشريعات جديدة أومعدّلة تصاغ بدقة تتوافق مع منطوق وتحفظات قرارالمجلس الدستوري دون الصدام.

وبمعزل عن تشابك الاعتبارات القضائية والسياسية والطائفية، وبعيداً عن المستفيد من عدمه من قانون العفو، فإن الاعتراضات، مهما كانت مبرراتها، لا تحسم الخلاف القانوني، كما أن احترام صلاحيات مجلس النواب لا يلغي إلزامية القرارات الصادرة عن المجلس الدستوري ضمن اختصاصه.

وقد يكون من المفيد أن يبادرمجلس النواب، بالتنسيق مع الجهات القضائية المختصة وفي حدود الصلاحيات الدستورية لكل منها، إلى دراسة الثغرات التي كشفها التطبيق، وتحديد ما إذا كانت تستدعي تدخلاً تشريعياً جديداً يزيل الالتباس من دون المساس بقرارات المجلس الدستوري أو الالتفاف عليها. فالتوضيح التشريعي، حيث يكون جائزاً وضرورياً، يختلف عن محاولة تجاوزقراردستوري ملزم عبرتعميم أو اجتهاد إداري.

وقد تكون خطوة مدعي عام التمييزالقاضي أحمد رامي الحاج تصب في هذا الإتجاه، عندما زارالمجلس الدستوري وأعلن في مؤتمرصحافي مشترك مع رئيسه القاضي طنوس مشلب، أنه “في موضوع قانون العفوالعام هناك مصطلحات مبهمة وقد عمد المجلس الدستوري الى تفسيرها قانونيا بما يتفق مع أحكام الدستور ونحن نلتزم بهذه التفسيرات، وبالنسبة لموضوع المخدرات هناك تكراربالمفهوم القانوني وهذا يتعلق بالاحكام والمقصود بها بحسب المجلس الدستوري هوأن كل من لديه أكثر من حكمين لا يستفيد من العفو، اما بالنسبة إلى السنة السجنية وعقوبة الإعدام إذا لم يكن حكم الإعدام مبرمًا يكون قد سقط بموجب قانون إلغاء الإعدام انما اصبحت عقوبة الاعدام مؤبدة تُخفّض إلى 28 سنة سجنية أما أحكام الإعدام غيرالمبرمة فمدّتها 17 سنة سجنية”.

من الناحية الدستورية، لا يملك مجلس النواب إلغاء قرارالمجلس الدستوري أو استئنافه، إذ إن قرارات الأخيرنهائية. وبالتالي، فإن القرارالصادر في 12 تشرين الأول الجاري أصبح المرجع الملزم في تحديد كيفية تطبيق قانون العفو العام، بما تضمنه من إبطال جزئي لبعض الأحكام وتحفظات تفسيرية ملزمة.

لكن نهائية القرارلا تعني أن جميع القوى السياسية والنيابية ملزمة بتبنّيه سياسياً، أو أن النقاش في حدود صلاحيات المجلس الدستوري أصبح ممنوعاً. فهناك فرق بين الالتزام بمفاعيل قراردستوري نهائي، وبين الموافقة على كل ما ورد فيه أواعتبار التفسيرالذي اعتمده بمنأى عن النقاش.

ومن هنا، يمكن أن يكون القرار نافذاً وملزماً من جهة، ومرفوضاً سياسياً من جهة أخرى، من دون أن يشكّل هذا الرفض بحد ذاته سبباً لتعطيل تنفيذه.

وهذه المفارقة هي التي تضع مجلس النواب أمام اختبارمؤسسي:كيف يعترض على ما يعتبره تجاوزاً لصلاحياته، من دون أن يتصرف وكأنه يملك حق إلغاء قرار لا يجيز الدستورمراجعته بطريق الاستئناف؟

إن صمت المجلس النيابي، لا يعني نشوء عرف دستوري جديد، ولا يكفي قرار واحد لمثل هذا الاستنتاج، إلا أن غياب أي نقاش مؤسسي أو موقف يوضح حدود الاختصاص قد يترك الباب مفتوحاً أمام تكرارالخلاف نفسه في قوانين أخرى.

في الخلاصة، يبقى النقاش مفتوحاً حول الصلاحيات والإجتهادات، طالما القضايا التي يمسها ويطالها التفسيروالإجتهاد من وزن قانون العفو أوغيره، وفقاً للتركيبة اللبنانية المعقدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *