باب المندب والبيادق المستهلكة: حضور إسرائيلي سعودي إماراتي في سنتكوم لمواجهة إيران..
بقلم رئيس التحرير
تجتمع الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم، في ظل أزمات دولية غير مسبوقة، يشتبك فيها الأمن بالأقتصاد على مستوى العالم، إذ تتَّجه الأنظار محو باب المندب الذي يعني المنطقة والعالم أكثرَ بكثير مما تعنيه مشاهد الجمعية العامة، حيث إجتاز العالم الذي عرفناه نقطة اللاعودة، وما يجري سيفضي إلى عالم جديد، يُعاد معه تعريف المصالح الدولية وخرائط النفوذ والتحالفات، على قواعد جديدة من خلال السيطرة على موارد الطاقة وأمن الممرات المائية، في ظل صراعين دوليين لم ترتسم معالم نهايتهما بعد، في كل من أوكرانيا والخليج العربي مع باب المندب، فيما يبدو أنّ حسابات الحرب والسلم مع إيران ليست شأناً أميركياً خالصاً، لتتكشف أبعاد جديدة في علاقة الرئيس ترامب بحلفائه الخليجيين، ولتثبت أنّ واشنطن لن تذهب إلى الحرب في اليمن لوحدها، وسط تبرُّم متصاعد داخل أوساط الدولة العميقة في واشنطن، من سياسات عربية، بدأت تتقاطع فيها ملفات التطبيع والتقارب مع بكين وإسلام آباد.
واليومن لم يعد بالإمكان إعادة إي من الصراعين إلى نقطة الإنطلاق، حيث تجاوزت الحرب الروسية على أوكرانيا مسألة تمدُّد حلف الناتو إلى حدود روسيا، كما تجاوزت المواجهة الأميركية الإيرانية حدود التخصيب النووي المسموح به والصواريخ البالستية، وهنا تحوّلت الحرب الأميركية الإيرانية، إلى أزمة دولية تتعلَّق بأمن الطاقة والممرات البحرية بما يفوق حدود التوافقات الدولية المعروفة، بعد أن صارت تطورات الميدان في اليمن، تطرح أسئلة كبرى لدى المتصلين بالدولة العميقة في واشنطن، بعد إبداء إمتعاضهم من بعض السياسات الخليجية، ففي الشرق الأوسط لا تبدأ الحروب دائماً بصاروخ، وأحياناً تبدأ بتغيير صغير في خريطة الحركة، ميناء يسقط، وجزيرة تنتقل إلى يد قوة مسلحة، وممر بحري يتعطَّل، وسفن تجارية تغيّر مسارها، ثم يظهر صاروخ في سماء عاصمة يعتدي على سكانها.
في المقلب الآخر، رفض التطبيع مع إسرائيل على الرغم من إصرار ترامب عليه بإعتباره جزءاً من حملته الإعلامية المرافقة لحربه ضدَّ إيران، والتي شاركته فيها إسرائيل، كان يُعتقد منه، أنّ دول المنطقة تستفيد ممَّا أنجزه الرئيس الأميركي في إضعاف طهران في صراعها مع جيرانها، وأنّ على الأخيرة ردَّ الجميل بالإنضمام إلى هذه الإتفاقيات التطبيعية، فيما يذهب مؤيدو ترامب إلى حدّ إعتبار رفض التطبيع مع إسرائيل، معاكساً لمصالحه الإنتخابية قبيل الإنتخابات النصفية، لأنه سيعوّض له الإنتقادات الداخلية، بأنه خاض الحرب من دون القدرة على إنهائها، إذ يُعيد بعض المراقبين الأميركيين، لجوء بعض الدول العربية إلى التعاون مع الدولة العبرية في مواجهة المخاطر الإيرانية على أمنها، إلى محاولتها إستدراك الإمتعاض الأميركي من رفضها التطبيع، لذلك كان إجتماع بعض العسكريين العرب والخليجيين في روما مع رئيس الأركان في الجيش الإسرائيلي إيغال زامير في ألمانيا… فالوجدانيات الأميركية الترامبية الحاكمة اليوم، تفضّل أن يتجّه العرب إلى إسترضاء إسرائيل، بدل السياسة المتبعة حالياً.
إذن، لم تعُد اللُّعبة في المعابر البحرية للشرق الأوسط تحدث في الظل، حيث تحولت إلى إستعراض قوة صريح، يمتد خطه من مضيق هرمز وصولاً إلى باب المندب، والعالم صار أمام جبهة مائية واحدة، يُعاد تشكيلها بتسارع، لتحويل التجارة العالمية وحركة الطاقة، إلى ورقة إبتزاز سياسي وميداني، ويعلم المجتمع الدولي أن اليد الإيرانية لم تكن يوماً يداً خفية في الأحداث والمواقع كافة ومنها اليمن، إذ كانت الإصبع التي تضغط على الزناد، حيث تحول الساحل اليمني، تحت رعاية طهران إلى قاعدة إطلاق هجومية، تُستخدم فيها ميليشيات الحوثي كذراعٍ وظيفية، فيما كان السلاح والتخطيط ورسم الأهداف يجري بقرار إيراني مباشر.
وكذلك تجلّت في الأيام القليلة الماضية المفارقة الصارخة، بين الشعارات الحوثية والواقع، تحت شعار “الموت لأميركا والموت لإسرائيل” من أجل التعبئة وحشد الشارع اليمني، لتتَّجه الترسانة الصاروخية والمسيّرات الإيرانية عملياً نحو العمق السعودي، مستهدفة العاصمة الرياض ومكة والمناطق المدنية، وهو شكَّل إعتداء مباشر، ليثبت أن تطاول طهران على أمن السعودية عبر وكلائها، هو محاولة دؤوبة لكسر إستقرار الخاصرة الجنوبية لشبه الجزيرة العربية، وتحويلها إلى منصة إبتزاز دائم تُصرف فواتيرها السياسية في طهران، فالسردية التي تحاول ربط هذا التصعيد البحري، بمجريات الصراع في غزة والقضية الفلسطينية، تكشفت عن حقيقة عملية واضحة، إذ لم تكن إلاَّ غطاء أيديولوجياً للإستهلاك في الشارع اليمني والعربي وكسب تعاطفه، بينما الحقيقة التي تخفيها هذه الشعارات، هي أن الإستهداف الممنهج لأمن الممرات لا يضر بإسرائيل وأميركا، بقدر ما يضر بالأمن القومي والإقتصادي لدول الخليج العربي ومصر، وتعطيل الملاحة في البحر الأحمر.
يراقب العالم اليوم كيف يقوم النظام العالمي بأسره على مسلمة هشّة، وهي أن الممرات المائية الضيقة التي تربط قارات العالم، يجب أن تظل مفتوحة ومحايدة، لتمرَّ عبرها حركة التجارة والطاقة، بعيداً من حسابات الصراعات المباشرة، والتي تحاك في الظل، لكن في الشرق الأوسط، سقطت هذه الفرضية بالضربة القاضية، والمشهد اليوم يقول، إن المساحة الجغرافية الممتدة من مضيق هرمز في الشمال الشرقي إلى باب المندب في الجنوب الغربي، لم تعدْ مجرَّد ممرات عبور دولية، بل تحوَّلت إلى مسرح عمليات حربية، ومناوشات تديرها طهران، فالإعتقاد العالمي الذي كان سائداً وإستمرَّ لأعوام، بأن إيران تمارس ألاعيبها في المساحات الرمادية، وأن يدها في المنطقة خفية، أصبح اليوم مجرّد أداة تخدير فكري يستخدمها المجتمع الدولي للهرب من ضرورات المواجهة الحاسمة، وهي إدارة طهران لإستراتيجية خنق علنية، لتوظيف الممرات المائية كسلاح دمار شامل، يستهدف الشرايين الحيوية للإقتصاد العالمين بحسب ما يورده قادة الرأي والمحللين الدوليين، فقد تجاوزت طهران مرحلة إستخدام الوكلاء كمجرد أدوات إزعاج تكتيكي، إذ حرّكتهم في مسرح العلميات، ورفعتهم إلى مستوى الأذرع الإستراتيجية القادرة على فرض حصار بحري منسّق.
ففي مضيق هرمز، يقف الحرس الثوري الإيراني كقوة تقليدية مهيمنة، تمتلك ترسانة من الزوارق السريعة والغواصات الساحلية، ملوحاً بورقة إغلاق المضيق الذي يمر عبره خُمس إستهلاك العالم من النفط، وفي المقابل، أُوكلت مهمة السيطرة على باب المندب والبحر الأحمر لجماعة ميليشيات الحوثي، فتحولت هذه الجماعة بفضل نقل التكنولوجيا العسكرية الإيرانية، من مجرد ميليشيات منتشرة في الجبال محلية ومعزولة، إلى قوة بحرية تمتلك صواريخ باليستية مضادة للسفن، وطائرات مسيّرة إنتحارية، وهذا التزامن والربط العملي بين المضيقين ليس صدفة بالتأكيد، إذ يشكل نتيجة حركية تشمل الأهداف والإحداثيات لغرفة عمليات واحدة، تديرها يد طهران، لتضع مصير الملاحة الدولية بالكامل عرضة للإستفزاز الإيراني.
إنه المسرح السياسي العبثي، الذي يبرز الحوثيون كشأن يستدعي الدراسة، عبر مسمَّى البيادق المستهلكة، إذ لا تنظر طهران أبداً إلى هذه الميليشيات كشريك عقائدي أو حليف إستراتيجي دائم، فهي تراها مجرد ذخيرة حية قابلة للنفاد في حروبها الإقليمية في المنطقة، وأداة رخيصة لاستنزاف الخصوم بدم يمني خالص، فالحوثي بالنسبة لصانع القرار في الحرس الثوري، ليس سوى قفاز مستعار تُنفذ به المهمات التخريبية، وبمجرد أن تفرض التسويات الكبرى شروطها، أو تستنفد طهران أوراق تفاوضها مع المجتمع الدولي لتأمين مصالحها العليا، سيُلقى بهذا القفاز في سلة المهملات السياسية، من دون أي تردد، إنها النتيجة المتوقعة والمعتادة لوكلاء إيران، فهم يتوهَّمون أنهم يصنعون التاريخ، بينما في الواقع مجرد حطب يُحرق لإضاءة الطريق أمام النفوذ الإيراني، وسيُتركون لاحقاً لمواجهة مصيرهم المحتوم كعبء منتهية صلاحيته، في حقبة ما بعد أية تسويات أو مصالحات.
والمجتمع الدولي الذي يحاول تبرير هذا الشلل الإستراتيجي، عبر التستًّر بحجج منع الإنزلاق نحو حرب إقليمية شاملة، وهذا التردد المحكوم ربَّما بحسابات إنتخابية، وخوف مرَضي من إرتفاع أسعار الوقود، لم يمنع التصعيد بل شرَّعه، فعندما تدرك قوة إقليمية توسُّعية أن خطوطها الحمر تُحترم، وأنَّ ردَّ فعل القوة العظمى يقتصر على إسقاط المقذوفات، أو قصف رادارات فارغة في جبال اليمن، فإنها تندفع بقوة لترسيخ هذا المكسب كأمر واقع، ومن الواضح أن هذا العجز الدولي سيمهد الطريق لسيناريو صادم وكارثي، وهو شرعنة هذا الإبتزاز البحري، إذ يسهم في تحول النظام الإيراني ووكلائه إلى سلطة جباية دولية غير رسمية، وسيكون النظام الدولي قد إنهار فعلياً في أهم ممراته، وستحل شريعة الغاب البحرية محل القانون الدولي.
لقد أصاب الحصار الأميركي المفروض على مضيق هرمز، سلاسل النفط الإيراني المتجهة إلى الصين، فدفعت إيران بالحوثيين إلى باب المندب لتهديد الملاحة في البحر الأحمر.، وأدى تقاطع الأهداف الإيرانية، بتهديد الصادرات السعودية إلى شرق آسيا مع المصالح الأميركية، التي تريد إحكام السيطرة على سلاسل الطاقة المتَّجهة إلى الصين، لإجتياح الحوثيين للمواقع الحكومية في مدينتيّ المخا وذوباب بالقرب من المضيق، وإلى تعزيز سيطرتها على جزيرة بريم الإستراتيجية المعروفة أيضاً باسم جزيرة ميون، الواقعة في وسط المضيق،وقد أعقب ذلك هجمات بالمسيّرات والصواريخ، إستهدفت مدناً ومنشآت طاقة سعودية، إضافة إلى هجمات تبنّتها ميليشيات عراقية مدعومة من إيران...فما هي الحقائق التي كشفتها سيطرة الحوثيين على باب المندب؟
من المؤكد أنَّ عقداً من الجهود العسكرية والدبلوماسية والإقتصادية، التي بذلتها المملكة العربية السعودية ودول الخليج لتطبيع العلاقات مع إيران قد تهاوى في غضون أيام، مع إنهيار القوات الموالية للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أمام هجوم مباغت وسريع شنّه الحوثيون، وفي هذا الإطار يعبّر القبول الأميركي بوصول الحوثيين إلى مشارف باب المندب، عن ردة فعل أميركية واضحة إزاء المسار الدبلوماسي الذي إنتهجته دول الخليج، وفي مقدّمتها المملكة العربية السعودية مع إيران عبر الصين أو عبر منظمة بريكس، والذي رأت فيه واشنطن محاولات لبناء تفاهمات إقليمية لا تتماشى مع مصالحها.
كما أسقطت واشنطن عملياً إتّفاقية مكة للدفاع المشترك، المبرمة حديثاً مع باكستان وتركيا، والتي أثبتت عدم كفاءتها في إستعادة السيطرة على الموقف في البحر الأحمر، فقد رأت واشنطن في تلك الإتفاقية تجاوزاً لجهودها وتمرداً إقليمياً على الإتفاقات الإبراهيمية، وربما رأت أن الرياض بحاجة إلى حلفاء من نوع آخر تشارك في إختيارهم.
أخيراً ربما ترى واشنطن إزاء محاولة الدبلوماسية السعودية الحصول على الدعم الدولي، لمواجهة ما تراه تهديداً لأحد أهم الممرات البحرية في العالم، فرصة سانحة وحاسمة لتأكيد الحضور الإسرائيلي عبر إتّفاق إطار سعودي إسرائيلي إماراتي، لمواجهة إيران وجماعة أنصار الله الحوثية الموالية لها، تحت مظلة القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»..