Tuesday, 15 September 2026
اشترك

باب المندب..وفاتورة الخسائر الحقيقية للحرب

رئيس التحرير

بدأت تتشكل خطورة كبرى من خلال التَّطورات الميدانيّة في الساحل الغربيّ لليمن، حيث وضعت طهران كل ثقلها على مضيق باب المندب الحيويّ، عبر حليفها الحوثيّ الذي إستولى على ميناء المخا وذوباب والجُزر اليمنيّة جنوبَ البحر الأحمر، فلم تعد المعركة حول مدن ومناطق يمنيّة، بل حول موقع جغرافيّ يفرض نفسه على الحسابات الأمنيّة والإقتصاديّة لكل دول الإقليم والقوى الدوليّة والممرات الملاحية وسلاسل التوريدن ولا تعني السيطرة على المخا والمناطق المحيطة بها بأنّ الحوثيّين باتوا يمتلكون باب المندب بصورة كاملة، أو أنّ الطريق صار مفتوحاً أمامهم للسيطرة المطلقة على المضيق، فالجغرافيا العسكريّة للساحل الغربيّ معقّدة، وأمام الجماعة الحوثيّة مهمّات صعبة، تتمثّل في تثبيت مكاسبها الجديدة وحمايتها من الضربات الجوّيّة والبحريّة، وتحويل التقدّم السريع إلى وجود عسكريّ قابل للإستمرارن لكنّ الخطورة هي أنّ الحوثيّين باتوا في أقرب نقطة يمكن منها التأثير في حركة الملاحة الدوليّة، بما يمنح لهم السيطرة على المرتفعات والمواقع المحيطة بها قيمة عسكريّة تتجاوز مساحتها الجغرافيّة بكثير.

وعليه، يبدأ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اليوم زيارة رسمية إلى مصر تدوم يوماً واحدا، يلتقي خلالها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وكبار معاونيه، وعشية الزيارة قال المتحدث باسم الرئاسة المصرية، إن برنامج الزيارة يتضمن عقد لقاء ثنائي بين الزعيمين، يعقبه جلسة مباحثات موسعة بين وفدي البلدين، ثم مأدبة غداء يقيمها الرئيس المصري تكريمًا لولي العهد السعودي، موضحاً أن المباحثات المرتقبة تتناول سبل تعزيز أوجه العلاقات الثنائية بين مصر والمملكة العربية السعودية في مختلف المجالات، فضلًا عن تبادل الرؤى بشأن التطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، حيث أن المباحثات ستتطرق إلى تأمين حرية الملاحة في باب المندب لمنع تحول الوضع في مدخل البحر الأحمر إلى تهديد دائم للملاحة الدولية، وحماية تدفق حركة السفن في مضيق هرمز وباب المندب، ودعم تحرير اليمن بالكامل، فالتطورات التي تشهدها المنطقة ستهيمن على المحادثات المصرية والسعودية، وخصوصاً سبل مواجهة الاعتداءات الإيرانية ووكلاء طهران على دول مجلس التعاون الخليجي، ودعم الجهود لوقف التصعيد بالمنطقة.

اليوم، يبقى الموقف الأميركيّ عاملاً حاسماً،في هذا التمدد السريع للحوثي في اليمن، فواشنطن تبدو، غير راغبة في فتح جبهة عسكريّة جديدة، في ظلّ إستمرار المواجهة مع إيران، فهي تفضّل تقديم الدعم الإستخباريّ واللوجستيّ لحلفائها، مع الإبقاء على وجودها البحريّ في المنطقة، لكنّ عدم الرغبة في التدخّل المباشر، لا يعني أنّ الولايات المتّحدة ستقبل بسيطرة حوثيّة غير مقيّدة على باب المندب، وتبدو هناك ثلاثة تطوّرات يمكن أن تغيّر الحسابات الأميركيّة، منها تعرّض القوّات الأميركيّة لهجوم مباشر، أو تهديد واسع ومستمرّ للسفن التجاريّة، أو نجاح الحوثيّين في نشر قدرات صاروخيّة ثابتة قرب المضيق، وعند ذلك، قد تنتقل واشنطن من سياسة المراقبة والدعم إلى سياسة أكثر هجوميّة، لأنّ المسألة لن تعود مرتبطة باليمن وحده، بل بحرّيّة الملاحة الدوليّةن فكلّما تمكّن الحوثيّون من تثبيت وجودهم قرب باب المندب، إزدادت قيمة هذا الموقع كورقة ضغط إيرانيّة في مواجهة الولايات المتّحدة وحلفائها، فليس ضروريّاً أن تغلق جماعة الحوثي المضيق فعليّاً حتّى تصبح السيطرة ذات قيمة إستراتيجيّة، بل يكفي إمتلاك القدرة الموثوقة على تهديد السفن لرفع تكاليف التأمين والنقل والطاقة، وإعادة توجيه التجارة، وزيادة الضغط على قناة السويس، وهنا يتحوّل باب المندب من جبهة يمنيّة إلى عقدة في شبكة صراع أوسع، تمتدّ من الخليج ومضيق هرمز إلى البحر الأحمر وقناة السويس.

وهنا، لا يمكن فصل هذه التطوّرات عن الحسابات المصريّة، فباب المندب ليس مجرّد ممرّ بحريّ بعيد عن القاهرة، بل إنّه المدخل الجنوبيّ إلى البحر الأحمر، وأيّ إضطراب مستدام فيه، يمكن أن ينعكس مباشرة على حركة الملاحة المتّجهة إلى قناة السويس، ومن هذه الزاوية، فإنّ التقدّم الحوثيّ يضع مصر أمام معادلة تتجاوز الحرب اليمنيّة، وكلّما إزدادت المخاطر في باب المندب، إزدادت أهميّة أمن البحر الأحمر بالنسبة إلى الأمن الاقتصاديّ المصريّ، خصوصاً في ظلّ حساسيّة إيرادات قناة السويس تجاه اإضطراب حركة التجارة العالميّة، وقد لا تكون القاهرة راغبة في الإنخراط في حرب يمنيّة جديدة، لكنّها لن تستطيع تجاهل تحوّل باب المندب إلى منطقة نفوذ عسكريّ ثابت لجماعة قادرة على تهديد الملاحة، ذلك لأنّ باب المندب يشكّل المدخل الإلزاميّ لأيّ سفينة قادمة من آسيا أو شرق إفريقيا أو الخليج، تريد الوصول إلى قناة السويس المصريّة، فبدون المرور عبر باب المندب أوّلاً، لا يمكن لأيّ سفينة الوصول إلى البحر الأحمر ومنه إلى القناة.

في نهاية الأمر، لا تبدو المعركة المقبلة في الساحل الغربيّ واليمن وحنوب السعودية، مجرّد سباق لإستعادة بعض المناطقن بل أصبح جوهر الصراع مرتبطاً بمنع الحوثيّين من الإنتقال من السيطرة على الأرض إلى امتلاك قدرة مستدامة على التحكّم بالممرّ البحريّن ومن هنا فإنّ باب المندب قد يصبح خلال المرحلة المقبلة، إختباراً جديداً للنظام الأمنيّ في البحر الأحمر كلّه، فالسعوديّة ستنظر إليه من زاوية أمن الطاقة، ومصر من زاوية أمن قناة السويس، والولايات المتّحدة من زاوية حرّية الملاحة والمنافسة مع إيران، فيما سيراه الحوثيّون وإيران بإعتباره ورقة ضغط تتجاوز حدود اليمن، على وقع إستمرار أزمة مضيق هرمز، أدت سيطرة الحوثيين الجمعة على كامل الساحل اليمني المطل على مضيق باب المندب الإستراتيجي، إضافة إلى جزر إستراتيجية داخل المضيق وفي محيطه، إلى إرتفاع أسعار النفط إلى أكثر ومن 100 دولار للبرميل.

وعليه، فإن دول المنطقة بدأت بالفعل مراجعة إستراتيجيّة شاملة لسياساتها المحليّة والإقليميّة والدوليّة، لإمصالح_إسرائيل لإثبات من هو الحليف الذي يمكن الرهان عليه، وما هو شكل التحالفات الإقليميّة والدوليّة الجديدة، وكيف يمكن بناؤها؟

وهذا يفرض ضرورة الفهم الصحيح لمبدأ المراجعة الإستراتيجيّة نظريّاً قبل تطبيقه عمليّاً، وهي مراجعة لم تفرضها الرغبة في الإصلاح، لكن لإنقاذ النفس وإنقاذ المنطقة من فوضى سياسات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، وحتّى الحرب مع إيران، كانت دول المنطقة تؤمن بأنّ الرهان الإستراتيجيّ على الحليف الأميركيّ هو رهان مضمون، له عوائد إستراتيجيّة، ويحقّق حمايةً وإستقراراً أكثر من أيّ تكاليف تتحمّلها المنطقة.

فقد جاءت حرب الولايات المتّحدة الأميركيّة مع إيران، وكانت الإعتداءات الإيرانيّة على دول المنطقة، وتمّ تقويم سياسات الرئيس ترامب المتضاربة والمرتبكة والمتناقضة تجاه السلوك الإيرانيّ، ممّا حفَّز دول المنطقة لإعادة قراءة العلاقة التاريخيّة مع واشنطن في عهد ترامب التي طالما شكلت بوليصة التأمين الإستراتيجيّة التي يمكن الاعتماد عليها بثقة، وكلّ ذلك أصبح أيضاً مرتبطاً بحجم فاتورة الخسائر الفعليّة التي دفعتها المنطقة نتيجة قرار ترامب شنّ الحرب.

فالخسائر الجماعيّة لدول الخليج بلغت 535 ملياراً، مع تراجع الصادرات من 17 مليون برميل يوميّاً إلى 9 ملايين برميل، أي إنخفاض بنسبة 47%، كما تراجعت حركة الناقلات من 150 ناقلة إلى ما بين 5 و60 يوميّاً، والدول الأكثر تضرّراً، هي دول الكويت وقطر والعراق، والأقلّ تضرّراً الإمارات والسعوديّة بسبب وجود الخطوط البديلة، وأنابيب الشرق والغرب، ومصفاة النجرة الإماراتيّة.

فمنذ بدء العمليّات الأخيرة، أُطلق 850 صاروخاً و2,650 مسيّرة على دول الخليج والأردن، إضافة الى ما تعرّضت له مدن السعوديّة وخطوط إمدادها من مسيّرات انطلقت من العراق، يضاف اليها، التحرّكات الحوثيّة في سواحل الحُديدة والإقتراب من باب المندب الإستراتيجيّ، ولا يمكن التغافل عن فاتورة خسائر الخزانة الأميركيّة التي تحمّلت 120 مليار دولار جرّاء ارتفاع أسعار الطاقة، حتّى وصل سعر غالون الكيروسين، لأوّل مرّة، إلى ما يتعدّى 6 دولارات للغالون الواحد.

كلّ هذه الفاتورة الكبيرة دفعت دول المنطقة إلى تحرّكات فعليّة، أدت الى عقد الإتّفاق الإستراتيجيّ السعوديّ مع تركيا وباكستان، والى تفعيل الدور النشط في تجمّع البريكس الأخير في نيودلهي، الذي شاركت فيه مصر والإمارات، والى زيارة الشيخ محمّد بن زايد لألمانيا، وعقد اتّفاقات تعاون بـ 40 مليار دولارن وإستعانة الإمارات بمقاتلات رافال وطيّارين مصريّين على أراضيها، وإستعانة كلّ من السعوديّة والإمارات بمنظومات صواريخ دفاع جوّيّ كوريّة جنوبيّة وأخرى مصريّة.

أخيراً وكما تسرَّب، أن هناك مطلباً سعوديّاً مباشراً من الرئيس الأميركيّ للتدخّل عسكريّاً من أجل مواجهة تحرّكات الحوثيّين ضدّ المملكة، وأنّ ترامب لم يتّخذ أيّ قرار في هذا المطلب، وأوفد قائد القوات المركزية الأميركية إلى السعودية للتشاور بشأن ما طلبه ولي العهد السعودي من الرئيس الأميركي حسب ما نشره  موقع إكسيوس، فكلّ هذه الظواهر والتحرّكات تُفضي إلى أنّ هناك مراجعة إستراتيجيّة حقيقيّة من دول المنطقة للأوضاع الإقليميّة والتحالفات الدوليّة التقليديّة، وأزمة إدارة ترامب تكمن، بأنّ واشنطن ليست هي المنقذ الذي يتدخّل لإنقاذ المنطقة من طالبان أو داعش، لكنّ واشنطن هذه المرّة هي سبب المرض الذي تعاني منه المنطقة، هذه حرب ترامب بدفع من نتنياهو، ولذلك يصعب علينا أن ننتظر الحلّ النهائيّ منه. إنّه مفترق طرق تاريخيّ في العلاقات العربيّة _ الأميركيّة، إذ ليست المشكلة عند العرب الشكّ في نوايا الإختيار الأميركيّ لمصلحة إسرائيل، لكن هذه المرّة الشكّ في صحّة القرار الأميركيّ والشكّ في الكفاءة في تنفيذه، والتخوف الكبير من أن تؤدّي سياسات ترامب إلى إنزلاق المنطقة نحو كارثة وفوضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *