Thursday, 22 October 2026
اشترك

      معضلة السلاح والسيادة: لماذا تفشل الحروب في صناعة السلام؟

د.بهاء حلال/ خبير عسكري وإستراتيجي

ليست نهاية الحرب هي بداية السلام دائمًا، بل قد تكون بداية معركة أكثر تعقيدًا، لأنها تنتقل من ساحات القتال إلى طاولات السياسة، ومن موازين القوة العسكرية إلى موازين الثقة المفقودة. هنا تولد إحدى أكثر المعضلات استعصاءً في العلاقات الدولية: هل يُنزَع السلاح أولًا أم ينتهي الاحتلال أولًا؟

هل تتحقق السيادة قبل الأمن أم يُفرض الأمن قبل اكتمال السيادة؟

وبين هذين الشرطين المتقابلين تتوقف اتفاقات كثيرة عند منتصف الطريق، لتتحول إلى هدنات طويلة بدل أن تصبح سلامًا مستدامًا.

هذه ليست معضلة لبنانية فحسب، ولا شرق أوسطية فقط، بل هي نمط متكرر في التاريخ الحديث، إذ إن معظم الصراعات التي امتزج فيها الاحتلال بالمقاومة، والدولة بالقوى المسلحة غير النظامية، واجهت السؤال نفسه: من يقدم التنازل الأول؟

تكمن المشكلة في أن الطرفين غالبًا ما ينظران إلى الخطوة الأولى بوصفها مخاطرة وجودية. فالدولة أو القوة المحتلة ترى أن الانسحاب قبل ضمان الأمن يفتح المجال أمام هجمات جديدة، بينما ترى القوى المحلية أن التخلي عن السلاح قبل استعادة الأرض يعني فقدان آخر أوراق القوة. وهكذا يتحول الشرط المتبادل إلى حلقة مغلقة؛ فلا انسحاب دون ضمانات، ولا ضمانات دون انسحاب.

في علم الاستراتيجية تُعرف هذه الحالة بمعضلة الأمن، حيث يؤدي سعي كل طرف إلى حماية نفسه إلى زيادة شعور الطرف الآخر بالتهديد. والمفارقة أن الإجراءات التي يراها أحد الأطراف دفاعية قد يفسرها الآخر باعتبارها استعدادًا للهجوم، فتتعطل الثقة، ويصبح الجمود أكثر استقرارًا من الحل.

لقد أثبت التاريخ أن هذه المعضلة لا تُقاس بعدد الجنود أو حجم الترسانة، بل بمدى قدرة النظام السياسي على إنتاج ثقة متبادلة. فعندما تغيب المؤسسات الضامنة، يتحول السلاح إلى ضمانة بديلة، وتتحول القوة العسكرية إلى لغة تفاوض، لا إلى أداة قتال فقط.

في أيرلندا الشمالية احتاج اتفاق الجمعة العظيمة سنوات طويلة قبل أن تتحول قضية نزع سلاح الجيش الجمهوري الإيرلندي إلى واقع، لأن العملية جاءت ضمن مسار سياسي متكامل، تضمن إصلاح المؤسسات وتقاسم السلطة والرقابة الدولية. لم يكن السلاح هو البداية، بل كان نتيجة لمسار بناء الثقة.

وفي البوسنة لم يكن اتفاق دايتون مجرد وقف لإطلاق النار، بل إعادة هندسة للنظام السياسي تحت مظلة دولية واسعة، لأن إنهاء الحرب لم يكن ممكنًا بمجرد جمع الأسلحة، بل بإعادة تعريف الدولة نفسها.

أما في كولومبيا، فقد قبلت القوات المسلحة الثورية بالتخلي عن السلاح بعد سنوات من التفاوض، لكنها فعلت ذلك ضمن ترتيبات سياسية وقضائية واقتصادية، لا باعتباره استسلامًا عسكريًا.

هذه النماذج تكشف أن نجاح نزع السلاح لم يكن منفصلًا عن إعادة إنتاج الشرعية السياسية. فحين يشعر الفاعل المسلح بأن الدولة قادرة على حماية الحقوق، يصبح السلاح أقل ضرورة، أما عندما تبدو الدولة عاجزة أو منقسمة أو خاضعة لتوازنات خارجية، فإن السلاح يتحول في نظر أصحابه إلى بوليصة تأمين.

الشرق الأوسط يقدم النسخة الأكثر تعقيدًا من هذه المعادلة، لأن الصراعات فيه لا تدور بين دولتين فقط، بل بين دول وتنظيمات وحدود متنازع عليها وتدخلات إقليمية ودولية متشابكة. لذلك لا يعود السؤال متعلقًا بمن يسلم السلاح أولًا، بل بمن يعيد تعريف الأمن أولًا.

في فلسطين تبدو المعضلة أكثر وضوحًا. فإسرائيل تربط أي انسحاب بضمانات أمنية صارمة، بينما يرى الفلسطينيون أن استمرار الاحتلال يجعل الحديث عن نزع أدوات المقاومة فاقدًا للمعنى. وهكذا تستمر الحلقة نفسها منذ عقود.

وفي سوريا تداخلت الدولة والفصائل والقوى الأجنبية إلى درجة أصبح فيها السلاح جزءًا من بنية النظام الإقليمي نفسه، لا مجرد أداة داخلية. لذلك فإن أي حديث عن تفكيك القوة المسلحة يصطدم بتشابك المصالح الخارجية.

أما في أوكرانيا، فقد أعادت الحرب إحياء نقاش قديم حول الضمانات الأمنية، إذ يرى كثيرون أن التخلي عن وسائل الردع دون ضمانات فعلية قد يؤدي إلى نتائج كارثية، بينما يرى آخرون أن استمرار التسلح يطيل أمد الحرب.

في لبنان تتجسد هذه المعضلة بصورة مركبة، لأن الجنوب لا يمثل مجرد جغرافيا حدودية، بل نقطة تقاطع بين السيادة الوطنية والصراع العربي الإسرائيلي والتوازنات الدولية والداخلية. ولذلك فإن النقاش حول السلاح لا يمكن فصله عن مسألة الاحتلال والحدود والقرار الدولي ودور الدولة.

إسرائيل تنطلق من مقاربة أمنية تعتبر أن أي قوة مسلحة خارج سيطرة الدولة تشكل تهديدًا يجب إنهاؤه. وفي المقابل يرى مؤيدو استمرار السلاح أن بقاء الاحتلال أو استمرار الانتهاكات يجعل التخلي عنه سابقًا لأوانه. وبين هذين التصورين تقف الدولة اللبنانية أمام معادلة شديدة الحساسية، لأنها مطالبة بإثبات قدرتها على احتكار القوة في الوقت الذي تواجه فيه تحديات سيادية وأمنية متراكمة.

لكن المشكلة الأعمق ليست في ترتيب الخطوات فقط، بل في طبيعة الضمانات نفسها. فالضمانات الدولية تبدو في كثير من الأحيان رهينة موازين القوى الكبرى، بينما تبدو الضمانات المحلية أسيرة الانقسام الداخلي. لذلك يصبح الاتفاق معرضًا للاهتزاز مع أول تغير إقليمي.

هنا يبرز سؤال أكثر جوهرية: هل يمكن فرض السلام بالقوة؟

التاريخ يجيب بأن القوة تستطيع إنهاء معركة، لكنها نادرًا ما تنهي أسبابها. فالحروب التي انتهت بانتصار عسكري ساحق ظلت تحمل بذور صراعات جديدة عندما غابت التسويات السياسية العادلة. وحتى في الحالات التي نجح فيها نزع السلاح، فإن النجاح جاء لأن السلاح فقد وظيفته السياسية، لا لأنه انتُزع بالقوة وحدها.

 ولهذا فأن مبدأ الاستراتيجية الحديثة لا تنظر إلى نزع السلاح باعتباره نقطة البداية، بل تعتبره المرحلة الأخيرة في سلسلة تبدأ بالشرعية، ثم الثقة، ثم الضمانات، ثم إعادة بناء المؤسسات، ثم احتكار الدولة للقوة.

غير أن العالم اليوم يبدو متجهًا إلى اتجاه معاكس. فالتنافس الدولي المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، وعودة الجغرافيا السياسية بوصفها محركًا للصراعات، يجعلان الدول أكثر تمسكًا بأوراق القوة، وأقل استعدادًا للمغامرة بتنازلات أحادية.

ومن هنا فإن «المعادلة المستحيلة» ليست مستحيلة لأنها بلا حل، بل لأنها تتطلب تزامنًا نادرًا بين الإرادة السياسية والثقة والضمانات والقدرة المؤسسية. فإذا اختل أحد هذه العناصر، عاد كل طرف إلى منطقه الأول: لا تنازل قبل ضمان الأمن، ولا أمن قبل استعادة الحقوق.

ربما يكون الدرس الأكبر الذي تقدمه التجارب العالمية هو أن السلام الحقيقي لا يبدأ عندما يصمت السلاح، بل عندما يفقد الجميع الحاجة إليه. وهذه لحظة لا تصنعها البنادق وحدها، ولا الاتفاقات الورقية وحدها، بل تصنعها دولة قادرة، وسيادة مكتملة، وضمانات موثوقة، وعدالة تمنح الأطراف سببًا للإيمان بأن المستقبل أقل خطرًا من استمرار الحرب.

وعند هذه النقطة يتجاوز السؤال حدود لبنان والشرق الأوسط ليصبح سؤالًا عالميًا: كيف يمكن تحويل القوة من أداة لفرض الوقائع إلى أداة لحماية النظام السياسي؟ لأن الأمم التي تنجح في هذا التحول هي التي تنتقل من إدارة الصراع إلى صناعة السلام، أما التي تبقى أسيرة شرط «قدّم أنت أولًا»، فإنها تظل تدور داخل الحلقة نفسها، حيث يصبح انتظار التنازل الأول هو السبب الدائم في تأجيل السلام الأخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *