Saturday, 17 October 2026
اشترك

إبتزاز السعودية:هل التعاون الأمني مقدّمة للتطبيع..أم يكون نتيجة تسوية سياسيّة عادلة للفلسطينيين..؟

د.رائد المصري/رئيس تحرير مركز إنشاء للمعلومات والأخبار

تشتعل جبهة اليمن، ومعها جبهات لبنان وفلسطين وسوريا وإيران، على نار يتقدم فيه موعد الإنتخابات الإسرائيليّة والأميركيّة، إذ يتواصل البحث والجدل حول شكل النظام الإقليميّ وأمنه، الذي تؤسِّس له هذه الحروب، وموقع إسرائيل ومعها إيران فيه، وهنا يُشكِّل إصرار رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، على إقامة علاقة مع المملكة العربيّة السعوديّة، مجرّد محاولة لإضافة دولة عربيّة كبرى وعريقة، إلى جانب الدول العربيّة المطبِّعة أو التي تريد، نظراً لما تمثِّله المملكة من ثقل سياسي وإقتصادي وديني، وموقع إستراتيجي يعطي الإنفتاح على إسرائيل، المزيد من قوة التأثير والهيمنة، ويغيِّر من موقعها في المنطقة، بإعطائها شرعيّة أوسع في إعادة تشكيل شبكات التحالف داخل إقليم الشرق الأوسط.

هنا، لا بدَّ من قراءة العقيدة الأمنيّة الإسرائيليّة الجديدة التي تكشف تصوّرات الإقليم، الذي يقوم فيه أمن تل أبيب على تفوّقٍ دائم، دون أن يشكّل إستقرار البلدان العربيّة وقوّتها مصلحة إسرائيليّة، حتّى مع تلك الدول التي تربطها فيها علاقات سلام وتطبيع، وهنا لم يَعد النقاش حول التطبيع مع إسرائيل متعلِّقاً بالمكاسب الإقتصاديّة والسياسيّة عبر الإتّفاقات الإبراهيميّة، بل برهان واشنطن على تحويلها إلى نواة نظام أمنيّ إقليميّ، تتكامل فيه القدرات الإسرائيليّة والخليجيّة في الإقتصاد والأمن، من أجل إحتواء إيران وتخفيف كلفة أعباء أميركا لهذه الحماية المزدوجة.

فبينما إعتبرت العديد من البلدان العربيّة، أنَّ التفوّق العسكريّ والتكنولوجيّ الإسرائيليّ، يشكِّل فرصة لتعزيز أمنها والحصول على ضمانات أميركيّة أكبر، سَعَت إسرائيل إلى تحويل الإعتراف بها  لفكِّ عزلتها،  نحو إصطفاف سياسيّ وأمنيّ. من هنا يُمكن فهم محاولات نتنياهو إستثمار المواجهة مع جماعة الحوثيّ في اليمن، لإقناع الرياض بالتدخّل الإسرائيليّ في هذه الحرب، لمواجهة  ما يُسمِّيه بالتهديدات المشتركة، بحسب ما جاء في صحيفة هآرتس، حيث تسعى إسرائيل مع إدخال الوسيط الأميركي، لإقناع الرياض بقبول تدخّلها في المواجهة مع الحوثيّين، علّ التعاون يساهم في تطوير العلاقات الثنائيّة، وفتح الطريق أمام التطبيع، وطبعا تمَّ رفض الطلب سعودياً بشدة، إذ أنَّ الرياض تنظر إلى القضية ليس كونها مجرّد تعاون عسكريّ ضدّ خصم مشترك، بل تعتبر أنّ قبول الدور الإسرائيليّ، يعطي نتنياهو الحجّة والمدخل لإعادة تعريف العلاقة، ليصبح التعاون الأمنيّ مقدّمة للتطبيع، بدلاً من أن يكون التطبيع نتيجة لتسوية سياسيّة عادلة تُنصف القضيّة والشعب الفلسطيني.

فإسرائيل تتعامل مع معظم البلدان العربيّة، بأنها كيانات مصطنعة، تتشكَّل من قبائل وطوائف وجماعات إثنيّة، لا تجمعها هويّة وطنيّة مؤصَّلة، والعمل على إضعاف هذه الدول وتفكيكها، يُشكِّل مساراً يمكن لإسرائيل الإستفادة منه وإدارته، فهي تتنكَّر لأحقية القضية الوطنيّة الفلسطينيّة، وترفض قيام دولة فلسطينيّة مستقلة، وفي سبيل ذلك،  تحدّث نتنياهو في إعادة تعريف علاقة إسرائيل بمحيطها الإقليميّ، بأنها دولة وكيان قائم على جعل الحرب دائمة ومستمرّة لأمنه، ويعتبر السلام والتطبيع آني ومرحلة عبور لمشروعه، لكن الخطأ كان ولا يزال في رهان بعض أغلبية العرب، على بناء هويّة تتجاوز الإنتماء الجغرافيّ والتاريخيّ، القائم على الإنفتاح الإقتصاديّ والتحالفات الجديدة، كالتطبيع مع إسرائيل، وبأنه هو الذي يوفِّر الإستقلال الإستراتيجيّ عن/ وضمن توازنات المحيط الإقليمي.

نتنياهو يرغب بالتطبيع مع المملكة العربية السعودية، ليبعث برسالة إلى العالم العربيّ والإسلاميّ، بأنّه تجاوز الصراع الفلسطينيّ _الإسرائيليّ، وبأنَّ تل أبيب إستطاعت فكَ عزلتها، وباتت الشريك الطبيعيّ في ترتيبات أمن المنطقة، محاولاً أن يستفيد من ما تكتسبه السعودية من أهمّية في ثقلها الإقتصاديّ والماليّ، ومن مكانتها في العالم الإسلاميّ وموقعها الجغرافيّ، الذي يربط الخليج بالبحر الأحمر، فإقامة علاقة إستراتيجيّة مع الرياض، يُمكن أن يفتح أمام إسرائيل آفاقاً إقتصاديّة وأمنيّة، ويعزّز موقعها في المنافسة الإقليميّة مع إيران، ويُعطيها أرجحية بالتأثير في الترتيبات الأمنيّة المحيطة في المنطقة والخليج العربي، ليتمَّ العمل على أهداف بعيدة المدى في بناء منظومة إقليميّة، عمادها إسرائيل، وتتقاطع مصالحها في مواجهة إيران وحلفائها، وحماية الملاحة والمنشآت الحيويّة، ولذلك تبدو محاولة إسرائيل دخولها في المواجهة اليمنيّة، أكثر من مجرَّد مبادرة عسكريّة، فهي تسعى للإنتقال من التعاون في ملفّ أمني محدّد، إلى شراكة أوسع، ثمّ نحو تطبيع سياسيّ.

في الختام..#

 فإن التجارب الأخيرة في صراعات المنطقة والإقليم، وبعد تباعد المصالح الخليجيّة في  قضية اليمن، وتعثّر مشاريع إعادة تشكيل التوازنات، تكشف حدود ومخاطر هذا الرهان، فالإنفتاح على العالم يُبقي حقائق الجغرافيا، ولا يمكن أن يحرّر الدول من ضرورات التفاهم مع جيرانها الكبار في الإقليم وعلى الضفّة الأخرى من الخليج، وقد تستطيع الدولة أم تنوّعِ من مروحة شراكاتها الإقتصاديّة والسياسيّة، لكنّها لا تستطيع نقل موقعها الجغرافي، أو إعفاء نفسها من تَبِعات الصراعات التي تدور حولها، فقد كشفت إيران أنّ قدرتها على تهديد جيرانها كبيرة، ولا تقتصر على الترسانة العسكرية، بل تشمل شبكات مسلّحة قادرة على نقل الحرب إلى أراضي الخصم ومصالحه الحيويّة، من حيث إضعاف الدول العربيّة، وهذا يتقاطع للأسف ويتخادم مع العقيدة الإسرائيليّة، في تشجيع زعزعة إستقرار هذه الدول وتفكّكها، فيتلاقى نتائج المشروعين الإيراني والإسرائيليّ عند إضعاف الدولة العربيّة، رغم تناقض أهدافهما وصراعهما على النفوذ الإقليميّ، وإلاّ ما هو تفسير شنّ الحرب وقصف المطارات والبنى التحتية للسعودية، لوضع الرياض تحت ضغط الإبتزاز التطبيعي مع إسرائيل وجرِّ المنطقة نحو إصطفافات تدميرية جديدة..؟ بعد أن كانت أو لا زالت تتحمَّل دول الخليج معظم أكلاف هذه الحرب الأميركية، وستتحمَّل حكماً كلفة أعباء إعادة الإعمار من غزة الى اليمن..؟وهنا تقدّم حرب اليمن الحاليّة، نموذجاً صارخاً لهذا التقاطع في الضغط على السعوديّة، بمنح الهجمات الحوثيّة على المطارات والمنشآت النفطيّة السعوديّة، والتهديدات للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، إيران ورقة ضغط عسكريّة وإقتصاديّة، تسعى من خلالها إلى فرض الإعتراف بها قطباً مقرّراً في الأمن الخليجيّ، وأمن الممرّات البحريّة، وأيضاً تؤدي الى أن تعرض إسرائيل المساعدة العسكريّة في مواجهة الحوثيّين، وقد يفتح هذا في المستقبل الباب أمام وجود عسكريّ إسرائيليّ أكثر تقدّماً وحضوراً، عبر ترتيبات أمنية وإنتشار عسكري، وهو ما ترفضه طبعاً السعودية، وهنا تكشف هذه الحروب حدود ومخاطر الرهان على التطبيع والتكامل الأمنيّ مع تل أبيب لمواجهة إيران، فهناك فرق ما بين علاقات دبلوماسيّة وإقتصاديّة تحقّق مصالح متبادَلة، وما بين الدخول في محور عسكريّ، تتطابق وتستفيد فيه ومنه الأجندات الخارجيّة، من دون توفّير الشراكة الإستراتيجيّة المتوازنة، بل تقوم بالعمل على إضعاف الدولة العربيّة وتفكيكها، كخيارٍ يخدم الأمن الإسرائيليّ مستقبلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *