Tuesday, 15 September 2026
اشترك

من سلطة الأب إلى سلطة الخوارزمية: تحوّل مصادر التأثير في المجتمع العربي

العميد الركن الدكتور بهاء حلال

لم تعد السلطة في المجتمع العربي تُمارس بالطريقة التي كانت تُمارس بها في الماضي، كما لم يعد التأثير الاجتماعي والسياسي يمر بالضرورة عبر القنوات التقليدية التي اعتادت المجتمعات العربية أن تنتج من خلالها القيم والمعايير والمواقف والولاءات. فقد شهدت بنية التأثير خلال العقود الأخيرة تحولًا عميقًا، انتقلت معه مصادر صناعة الوعي تدريجيًا من المجال العائلي المباشر إلى المؤسسات التعليمية والاجتماعية، والسياسية والمدارس والجامعات، ثم إلى وسائل الإعلام الجماهيرية، وصولًا إلى البيئة الرقمية التي أصبحت فيها المنصات والخوارزميات طرفًا فاعلًا في تشكيل الإدراك والسلوك، وفي تحديد ما يُرى وما يُحجب وما يكتسب القدرة على الانتشار.

وإذا كانت سلطة الأب قد مثّلت، في سياقات عربية عديدة، نموذجًا مكثفًا للسلطة التقليدية التي تستمد مشروعيتها من العمر والقربى والمكانة الاجتماعية، فإن سلطة الخوارزمية تمثل نمطاً مختلفاً من السلطة؛ سلطة لا تقوم بالضرورة على الأمر والنهي، ولا تحتاج إلى سلطة معلنة أو شخصية محددة، وإنما تعمل من خلال تنظيم المجال الذي يتشكل داخله الوعي نفسه.

من هنا، فإن التحول من سلطة الأب إلى سلطة الخوارزمية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد انتقال تقني من وسيلة اتصال إلى أخرى، بل بوصفه تحولًا في البنية الاجتماعية والسياسية لإنتاج التأثير.

 فالسؤال لم يعد فقط: من يملك السلطة؟ وإنما أصبح أيضًا:

من يملك القدرة على تشكيل البيئة التي تتكون داخلها اختياراتنا ومواقفنا وتصوراتنا عن الواقع؟

من السلطة الأبوية إلى التنشئة السياسية :

كانت الأسرة، في المجتمعات العربية التقليدية، المؤسسة الأولى لإنتاج المعنى الاجتماعي والسياسي. فمن خلالها يتعلم الطفل مفهوم الطاعة، وحدود المسموح والممنوع، وطريقة التعامل مع السلطة، ومكانة الأكبر سنًا، والانتماء إلى الجماعة، وصورة الرجل والمرأة، وكذلك الموقف من الدولة والمجتمع والدين والسياسة.

ولم تكن سلطة الأب منفصلة عن النظام الاجتماعي المحيط به، بل كانت انعكاسًا مصغرًا له. فالأب لم يكن مجرد فرد يمارس سلطة داخل المنزل، وإنما كان يجسد، في كثير من البيئات، منظومة أوسع من القيم التي تمنح الشرعية للتراتبية والعمر والخبرة والمكانة الاجتماعية. ولذلك كانت العلاقة بين الأب والابن تحمل، بصورة غير مباشرة، دلالات تتجاوز المجال الأسري إلى تصور الفرد للسلطة خارج الأسرة.

فالطفل الذي يتعلم أن السلطة لا تُناقش، وأن الاختلاف معها نوع من العصيان، وأن الأكبر سنًا يمتلك بحكم موقعه حقًا إضافيًا في تحديد الصواب والخطأ، قد يحمل هذه التصورات معه إلى المدرسة والعمل والمؤسسات العامة والمجال السياسي. وبالمقابل، فإن الأسرة التي تسمح بالحوار والتفاوض والاختلاف يمكن أن تساهم في إنتاج فرد أكثر استعدادًا للمشاركة والنقاش والمساءلة.

وهنا تبرز أهمية مفهوم التنشئة السياسية، باعتباره عملية لا تبدأ عند دخول الفرد إلى الحياة السياسية، وإنما تبدأ في سنواته الأولى، من خلال الأسرة والمدرسة والبيئة الاجتماعية والثقافية المحيطة به. فالطفل لا يتعلم السياسة فقط عندما يسمع اسم حزب أو يشاهد انتخابات، وإنما يتعلمها من الطريقة التي يتعامل بها والداه مع السلطة، ومن مقدار الحرية المتاحة له في التعبير، ومن طبيعة الحوار داخل المنزل، ومن حدود الاختلاف المقبول.

وبهذا المعنى، فإن تحول السلطة الأسرية من نموذج أبوي صارم إلى نموذج أكثر تفاوضًا لا يمثل مجرد تغير في العلاقات داخل الأسرة، وإنما يمكن أن يكون مؤشرًا على تحول أوسع في الثقافة الاجتماعية والسياسية المتعلقة بمفهوم السلطة ذاته.

وهنا يظهر أمامنا

نموذج المدرسة: الذي انتقل من إنتاج المعرفة إلى إنتاج المواطن:

مع نشوء الدولة الحديثة، لم تعد الأسرة المؤسسة الوحيدة القادرة على إنتاج المعنى الاجتماعي. فقد دخلت المدرسة بوصفها مؤسسة مركزية في عملية التنشئة، وأصبحت تؤدي وظيفة تتجاوز نقل المعرفة إلى المساهمة في تشكيل المواطن اجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا.

فالمدرسة لا تعلم الفرد القراءة والكتابة والعلوم فقط، وإنما تنقل إليه أيضًا تصورًا عن التاريخ، والوطن، والمواطنة، والهوية، والقانون، والانتماء، وعلاقة الفرد بالجماعة والدولة. ومن خلال المناهج التعليمية والانضباط المدرسي والرموز الوطنية، يتعلم الفرد ليس فقط ماذا يعرف، وإنما كيف ينبغي أن يرى المجتمع الذي ينتمي إليه.

وهكذا انتقلت عملية إنتاج السلطة تدريجيًا من المجال العائلي إلى مؤسسات أكثر تنظيمًا. لم يعد الأب وحده مصدرًا للمعرفة والشرعية، بل أصبحت المدرسة والدولة والمؤسسات التعليمية شريكة في تشكيل الوعي العام.

غير أن هذا الاحتكار النسبي للمعرفة لم يستمر طويلًا. فظهور الإعلام الجماهيري نقل عملية التأثير إلى مستوى أوسع بكثير.

ومع انتشار الصحافة والإذاعة والتلفزيون، لم يعد إنتاج الرأي العام محصورًا في الأسرة أو المدرسة أو الجماعة المحلية.

فالإعلام اصبح موئلاً لصناعة الواقع العام،

 فأصبح بالإمكان الوصول إلى ملايين الأفراد برسالة واحدة، وأصبحت الدولة والأحزاب والمؤسسات الإعلامية قادرة على الدخول إلى المجال الخاص للمواطن عبر الصحيفة أو المذياع أو الشاشة.

وقد أدى ذلك إلى ظهور مرحلة جديدة في العلاقة بين السلطة والمجتمع، أصبح فيها التحكم بالمعلومة والتحكم بالرواية العامة جزءًا من الصراع على تشكيل الوعي.

وفي كثير من المجتمعات العربية، ارتبط الإعلام لفترات طويلة ببنية الدولة ومؤسساتها ومراكز النفوذ فيها، الأمر الذي جعل الإعلام الرسمي والصحافة التقليدية جزءًا من منظومة إنتاج الشرعية السياسية وصياغة الرواية العامة للأحداث. ولم يكن تأثير الإعلام قائمًا فقط على المعلومات التي يقدمها، وإنما أيضًا على القضايا التي يختار أن يضعها في مقدمة اهتمام الجمهور.

وهنا يمكن الاستفادة من مفهوم وضع الأجندة في دراسات الإعلام، الذي لا يفترض بالضرورة أن وسائل الإعلام تملي على الناس ماذا يفكرون، بقدر ما تستطيع التأثير في القضايا التي يفكرون فيها وفي درجة الأهمية التي يمنحونها لها.

كما يمكن استحضار مفهوم صناعة الموافقة لدى نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان ( المفكرين السياسين) لفهم الكيفية التي يمكن من خلالها لبنية الإعلام ومصالحه الاقتصادية والسياسية وعلاقاته بمراكز القوة أن تؤثر في طبيعة المعلومات التي تصل إلى الجمهور. إلا أن إسقاط هذا المفهوم على المجتمعات العربية يحتاج إلى مراعاة الخصوصيات السياسية والمؤسساتية لكل دولة، وعدم التعامل مع الإعلام العربي باعتباره بنية واحدة متجانسة.

في هذه المرحلة، كان المواطن لا يزال، إلى حد كبير، متلقيًا للرسالة. المؤسسة تنتج، والجمهور يتلقى. وكان النفوذ الإعلامي يرتبط بامتلاك المنبر والقدرة على الوصول إلى الجمهور.

لكن الإنترنت قلب هذه المعادلة.

من المتلقي إلى المنتج

فمع ظهور الإنترنت ثم الشبكات الاجتماعية، انتقل الفرد من موقع المتلقي إلى موقع المنتج والموزع للمحتوى. لم تعد الرسالة تسير في اتجاه واحد من المؤسسة إلى الجمهور، بل أصبح الجمهور نفسه منتجًا للرسالة ومشاركًا في صياغتها وإعادة توزيعها.

وهنا حدث تحول جوهري في بنية السلطة.

لم تعد الصحيفة وحدها قادرة على تحديد ما يقرأه الناس، ولم يعد التلفزيون وحده قادرًا على تحديد ما يشاهدونه، ولم تعد المؤسسة السياسية هي المصدر الوحيد القادر على إنتاج الخطاب العام. أصبح الهاتف المحمول، الموجود في يد الفرد، منصة إعلامية مصغرة قادرة على التصوير والتعليق والنشر والتعبئة والتأثير.

وبذلك دخل المجتمع العربي مرحلة جديدة أصبح فيها الفرد أكثر قدرة على التعبير، لكنه في الوقت نفسه أصبح أكثر تعرضًا للتأثير.

وهذه المفارقة هي إحدى أهم سمات العصر الرقمي: اتساع قدرة الفرد على الكلام بالتوازي مع اتساع قدرة المنصات على توجيه ما يسمعه ويراه.

فالفرد أصبح حرًا في إنتاج المحتوى، لكن المحتوى الذي يصل إليه ليس بالضرورة نتيجة اختياره الحر وحده.

وهنا تبدأ الخوارزمية في الدخول إلى المشهد.

الخوارزمية: اصبحت هي السلطة التي لا تأمر:

إذا كانت سلطة الأب تقوم على الأمر المباشر، وإذا كانت سلطة المدرسة تقوم على التعليم والانضباط، وإذا كانت سلطة الإعلام تقوم على اختيار المعلومات وترتيب الأجندة، فإن سلطة الخوارزمية تعمل بطريقة أكثر خفاءً.

الخوارزمية لا تقول للفرد صراحة: فكر بهذه الطريقة.

إنها تقوم بشيء أكثر تعقيدًا: تحدد إلى حد كبير ما الذي سيظهر أمامه لكي يفكر فيه أصلًا.

تختار له المحتوى الذي قد يجذب انتباهه، وتعيد ترتيب الأخبار، وتقترح عليه مقاطع مشابهة لما شاهده سابقًا، وتربط اهتماماته بسلوك مستخدمين آخرين، وتتعلم من تعليقاته وتوقفه أمام صورة أو فيديو، ثم تستخدم هذه البيانات لإعادة تشكيل تجربته الرقمية.

وهنا يصبح التأثير أقل مباشرة وأكثر عمقًا.

ففي النموذج الأبوي التقليدي، كان الفرد يعرف مصدر السلطة: الأب أمامه، وصوته واضح، وأوامره معلنة. أما في البيئة الرقمية، فإن الفرد قد لا يعرف أصلًا لماذا رأى هذا المحتوى دون غيره، ولماذا تكرر أمامه رأي معين، ولماذا اختفت عنه آراء أخرى، ولماذا أصبح موضوع محدد يبدو وكأنه القضية الأهم في المجتمع.

إنها سلطة لا تحتاج إلى أن تمنعك من رؤية شيء؛ يكفي أن تجعل الشيء الآخر أكثر ظهورًا.

ومن هذه الزاوية يمكن الاستفادة من قراءة المفكرميشيل فوكو للسلطة. فالسلطة، في تصوره، لا تعمل فقط من خلال المؤسسات التي تأمر وتعاقب، وإنما تنتشر داخل المعرفة والخطاب والممارسات اليومية، وتشارك في إنتاج ما نعتبره طبيعيًا أو صحيحًا أو مقبولًا.

وتبدو الخوارزمية، في هذا السياق، امتدادًا معاصرًا لهذا النوع من السلطة المنتشرة. فهي لا تقف فوق الفرد لتصدر له الأوامر، بل تعمل داخل البيئة التي يتحرك فيها الفرد، فتشارك في ترتيب المعلومات التي يستهلكها، والانتباه الذي يمنحه، والموضوعات التي يناقشها.

وهنا تنتقل السلطة من التحكم بالسلوك إلى محاولة التأثير في البيئة التي يتشكل فيها السلوك.

فتصبح المعادلة من صناعة الرأي إلى هندسة الانتباه

لان التحول الأهم الذي أحدثته الخوارزميات لا يتعلق بالمعلومات وحدها، وإنما بالانتباه.

فالانتباه أصبح موردًا اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا. وكلما بقي المستخدم وقتًا أطول على المنصة، ازدادت قدرة المنصة على جمع البيانات وعرض المحتوى والإعلانات وتحليل السلوك.

ولهذا فإن المنصات الرقمية لا تتنافس فقط على تقديم المعلومات، بل تتنافس على امتلاك وقت الإنسان وانتباهه.

وهنا تظهر ظاهرة شديدة الأهمية في علم الاجتماع السياسي المعاصر:

لم تعد السيطرة على المجال العام تعني فقط السيطرة على وسائل إنتاج الخطاب، بل أصبحت تعني أيضًا القدرة على التأثير في ترتيب الانتباه الجماعي.

ما القضية التي تشغل الناس اليوم؟

ما الموضوع الذي يتحول إلى حديث عام؟

أي شخصية تصبح مؤثرة؟

أي صورة تنتشر؟

وأي حادثة تختفي بعد ساعات؟

هذه الأسئلة لم تعد مرتبطة فقط بقرارات المحررين في الصحف أو مديري نشرات الأخبار، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بأنظمة تقنية قادرة على تحليل ملايين السلوكيات في لحظات قليلة.

ومن هنا، قد تكون الخوارزمية قد نقلتنا من عصر صناعة الرأي العام إلى عصر هندسة الانتباه العام.

هل تحرر المجتمع أم أعادت إنتاج السلطة؟

قد يبدو في البداية أن الثورة الرقمية حررت الفرد من السلطات التقليدية. فقد أصبح بإمكانه التعبير عن رأيه دون المرور عبر صحيفة أو محطة تلفزيونية، وأصبح بإمكان المواطن العادي أن ينافس المؤسسة الإعلامية في سرعة نقل الحدث.

وهذا صحيح إلى حد كبير.

لكن التحرر من السلطة التقليدية لا يعني بالضرورة التحرر من السلطة.

فقد تكون السلطة قد تغيرت في شكلها وموقعها وأدواتها.

كان الفرد في الماضي يسأل: من يمنعني من الكلام؟

أما اليوم فقد يصبح السؤال الأكثر تعقيدًا: من يقرر من يسمع كلامي؟

وهذا اختلاف جوهري.

فحرية التعبير لا تضمن وحدها القدرة على التأثير. في البيئة الرقمية، قد يستطيع ملايين الأشخاص التعبير، لكن عددًا محدودًا من الخوارزميات والمنصات يستطيع أن يحدد إلى حد كبير أي من هذه الأصوات سيصل إلى جمهور واسع.

وهكذا انتقل مركز الصراع من حق الكلام إلى القدرة على الوصول.

لذا فالمجتمع العربي اضحى أمام سلطة جديدة.

تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في المجتمعات العربية، حيث تتداخل التحولات الرقمية مع تحولات اجتماعية وسياسية عميقة. فالشباب العربي أكثر اتصالًا بالعالم الرقمي، والأجيال الجديدة أكثر استعدادًا لاكتساب المعرفة من مصادر متعددة خارج الأسرة والمدرسة والمؤسسات التقليدية.

وهذا يضع السلطة التقليدية أمام تحدٍ غير مسبوق.

الأب لم يعد المصدر الوحيد للمعلومة.

والمعلم لم يعد المرجع الوحيد للمعرفة.

والدولة لم تعد المصدر الوحيد للرواية العامة.

والإعلام التقليدي لم يعد الحارس الوحيد لباب المجال العام.

لكن في المقابل، ظهرت سلطات جديدة لا تقل تأثيرًا، وربما كانت أكثر تعقيدًا لأنها أقل وضوحًا وأصعب مساءلة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كلما اتسعت حرية الفرد في اختيار المحتوى، ازدادت الحاجة إلى فهم القوى التي تختار له ما يظهر أمامه.

إن المجتمع الذي ينتقل من سلطة الأب إلى سلطة الخوارزمية لا ينتقل بالضرورة من السلطة إلى الحرية، وإنما ينتقل من سلطة واضحة يمكن مواجهتها ومساءلتها إلى سلطة أكثر انتشارًا وأقل ظهورًا.

اي ممكن ان تكون  الانتقال من الطاعة إلى التخصيص

وربما يكون الفرق الأعمق بين النموذجين أن السلطة التقليدية كانت تسعى إلى إنتاج فرد متشابه مع الجماعة، بينما تستطيع الخوارزمية أن تنتج تجربة مخصصة لكل فرد.

الأب يقول: «هكذا يجب أن تكون».

أما الخوارزمية فتقول، بصورة غير مباشرة: «سأريك ما يتناسب معك».

والفرق بين العبارتين عميق.

الأولى تقوم على فرض معيار عام، والثانية تقوم على تخصيص البيئة المعلوماتية وفق السلوك السابق للفرد.

لكن التخصيص الذي يبدو في ظاهره تعبيرًا عن الحرية قد يتحول إلى نوع جديد من العزلة المعرفية. فإذا كان الفرد لا يرى إلا ما يتفق مع اهتماماته السابقة، فقد يجد نفسه داخل بيئة فكرية مغلقة تعزز قناعاته بدل أن تختبرها.

وهنا تظهر ظواهر مثل فقاعات الترشيح والاستقطاب الرقمي وغرف الصدى، حيث يمكن أن يعيش أفراد المجتمع الواحد داخل عوالم معلوماتية مختلفة، وأن يقرأ كل طرف الواقع من خلال مجموعة مختلفة تمامًا من المعلومات والصور والتفسيرات.

وعندما يحدث ذلك، لا يعود التحدي الأساسي هو نقص المعلومات، بل اختلاف الواقع المعلوماتي نفسه بين جماعة وأخرى.

وتصبح الحاجة نحو فهم جديد للسلطة،لأن الإنتقال من سلطة الأب إلى سلطة الخوارزمية لا يعني اختفاء الأب أو الدولة أو المدرسة أو الإعلام. فالسلطات القديمة لم تختفِ، وإنما دخلت في علاقة جديدة مع سلطات رقمية صاعدة.

الأب ما زال مؤثرًا، والمدرسة ما زالت مؤسسة مركزية، والدولة ما زالت تمتلك أدوات هائلة، والإعلام التقليدي ما زال قادرًا على صناعة الأجندة. لكن هذه القوى أصبحت تعمل داخل بيئة جديدة تتداخل فيها السلطة السياسية مع السلطة الإعلامية والاقتصادية والتقنية.

ولهذا فإن دراسة السلطة في المجتمع العربي المعاصر لم تعد ممكنة من خلال دراسة المؤسسات التقليدية وحدها. نحن بحاجة إلى الانتقال من سؤال من يحكم؟ إلى سؤال أكثر تركيبًا: من يحدد البيئة التي يتشكل داخلها وعي من سيحكم ومن سيُحكم؟

وهنا تصبح الخوارزمية موضوعًا اجتماعيًا وسياسيًا، لا تقنيًا فقط.

فهي ليست مجرد مجموعة من التعليمات البرمجية، وإنما أصبحت جزءًا من البنية التي تنظم علاقتنا بالمعلومات، وبالآخر، وبالمجتمع، وبالسياسة، وبأنفسنا.

لقد كان الأب في النموذج التقليدي يملك سلطة تحديد ما ينبغي أن نفعله.

أما اليوم، فقد أصبحت الخوارزمية تملك قدرة متزايدة على تحديد ما الذي نراه، وما الذي ننتبه إليه، وما الذي نناقشه، وما الذي نعتبره مهمًا.

وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا في علم الاجتماع السياسي اليوم ليس: هل انتهت سلطة الأب؟

بل:ماذا يحدث عندما يتراجع صاحب السلطة الذي نعرفه، لصالح سلطة لا نراها؟

إن مستقبل السلطة في المجتمع العربي قد لا يكون في الانتقال من سلطة إلى أخرى فحسب، وإنما في الصراع بين سلطات متعددة: الأسرة، والدولة، والمؤسسة، والإعلام، والمنصة، والخوارزمية، والفرد نفسه.وفي هذا الصراع، قد تكون المعركة الحقيقية ليست على امتلاك المعلومة، بل على امتلاك القدرة على ترتيبها، وعلى تحديد ما يستحق أن يُرى، وما يستحق أن يُسمع، وما يستحق أن يبقى في الوعي الجماعي.وهنا تحديدًا تبدأ ملامح مرحلة جديدة من السلطة: سلطة لا تجلس على كرسي، ولا ترفع صوتها، ولا تصدر أمرًا؛ لكنها تعرف عن الفرد أكثر مما يعرفه عن نفسه، وتستطيع أن تضع أمامه عالمًا مصممًا وفق ما تعرفه عنه.

من سلطة الأب إلى سلطة الخوارزمية، لم تختفِ السلطة؛ لقد تغيّر موقعها، وتغيّرت أدواتها، وربما أصبح التحدي الأكبر أن نتعلم كيف نرى السلطة حين لا تعلن عن نفسها بوصفها سلطة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *