شحنة ضهر البيدر تستحضر سابقة 1994: هل تقود إلى حلّ حزب الله؟

نوال الأشقر/إعلامية وكاتبة سياسية لبنانية
لم تعد المواجهة بين الدولة اللبنانيّة وحزب الله محصورة بالخلاف السياسي حول مستقبل السلاح، بل امتدّت، على خلفيّة شحنة المتفجّرات المضبوطة في ضهر البيدر وما تلاها من مسار قضائي، إلى اختبار قدرة الدولة على المضيّ في تنفيذ قراراتها، وفرض مرجعيّتها القانونيّة والأمنيّة، في ظلّ الضغوط الدوليّة المتزايدة، والمحاذير الداخليّة من انزلاق الخلاف إلى مواجهة مع الحزب.
وفي صلب هذا التحوّل، جاء إقرار النائب حسن فضل الله بملكيّة الحزب للشحنة ومطالبته باستعادتها، ليضع القضيّة أمام أبعاد تتجاوز ملابسات ضبطها، حيث انتقل النقاش من تحديد الجهة التي تقف خلفها إلى البحث في مشروعيّة حيازتها ونقلها. كما أنّ تأكيد الحزب أنّها مخصّصة لمواجهة الاعتداءات الإسرائيليّة لا يحسم، في حدّ ذاته، مسألة قانونيّة حيازتها، ولا يعفي من التحقيق في ظروف نقلها وضبطها والجهات المسؤولة عن استخدامها، ومدى انسجام هذه الوقائع مع القرارات الحكوميّة ذات الصلة، المتعلّقة بحصريّة السلاح وحظر نشاطات حزب الله الأمنيّة والعسكريّة.
المجلس العدلي: تحقيق مركزي وأحكام مبرمة
لا تقف القضيّة لا عند حدود الشحنة المضبوطة، إذ برزت في موازاتها مطالبات من قوى سياسيّة بإحالة الملف إلى المجلس العدلي، في خطوة قد تشكّل محطّة مفصليّة في مسار القضيّة، بالنظر إلى طبيعة الجرائم التي تدخل ضمن اختصاص هذا المرجع القضائي، ولا سيّما تلك التي تمسّ أمن الدولة. وتكتسب الإحالة، إذا أُقرّت في مجلس الوزراء وتوافرت شروطها، أهميّة إضافيّة كون أحكام المجلس العدلي مبرمة من حيث المبدأ، ولا تخضع لطرق الطعن العاديّة، ما يضفي على المسار القضائي طابعًا خاصًّا، لجهة النتائج القانونيّة التي تترتّب على أحكامه.
في هذا السياق، يرى المحامي والخبير القانوني والدستوري سعيد مالك، في حديث خاصّ لـ«مركز إنشاء للمعلومات والأخبار»، أنّ إحالة ملف متفجّرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي من شأنها أن تضفي مزيدًا من الجدّيّة على الملاحقة القانونيّة لهذا الفعل الجرمي، موضحًا أنّه «سندًا لأحكام المادّة 355 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة، تُحال أيّ قضيّة يقرّر مجلس الوزراء إحالتها إلى المجلس العدلي، شرط أن تتوافر فيها شروط المادّة 356، أي جرائم معيّنة ومحدّدة حصرًا ضمن إطار قانون أصول المحاكمات الجزائيّة».
ويشرح مالك أنّ أهميّة الإحالة تتجاوز توصيف خطورة القضيّة، لتشمل توحيد المرجعيّة القضائيّة التي تتولّى التحقيق وتنظيم مساره. إذ ينحصر، مبدئيًّا، التحقيق تحت إدارة محقّق عدلي يعيّنه وزير العدل بموافقة مجلس القضاء الأعلى بموجب المادّة 360 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة، وتعمل الأجهزة الأمنيّة والقضائيّة المعنيّة بإشرافه في إطار المهمّة الموكلة إليها، أمّا وظيفة النيابة العامّة، فيتولاّها النائب العام التمييزي أو من يكلّفه بهذه المهمّة.
ويتيح هذا المسار تركيز التحقيق لدى محقّق عدلي واحد، بما يساعد على جمع المعطيات والأدلّة وتحديد المسؤوليّات ضمن ملف متكامل، بدل تشتّت الإجراءات بين مراجع متعدّدة. وتبرز هنا إحدى أبرز خصائص المجلس العدلي، وهي أنّ أحكامه نهائيّة ومبرمة، وفق مالك، مع بقاء طرق المراجعة الاستثنائيّة التي يجيزها القانون، ومنها إعادة المحاكمة أو الاعتراض بالنسبة إلى الأطراف الغائبة.ومن هذا المنطلق، يعتبر مالك أنّ إحالة الملف، متى توافرت شروطها القانونيّة، من شأنها تعزيز جدّيّة الملاحقة وشفافيّتها ومصداقيّتها، عبر تحقيق مركزي تتولاّه جهة قضائيّة مختصّة، وصولًا إلى محاكمة أمام المجلس المؤلّف من أكبر قضاة لبنان، يُناط بهم النظر في هذا النوع من القضايا.
هل تقود الإحالة مدخلًا لحلّ حزب الله؟
تستحضر قضيّة المتفجّرات، في ظلّ احتمال تصعيد المواجهة بين الدولة وحزب الله، تجربة حلّ حزب القوات اللبنانيّة عام 1994، عقب تفجير كنيسة سيّدة النجاة في زوق مكايل. ففي 27 شباط من ذلك العام، قرّر مجلس الوزراء، خلال جلسة استثنائيّة عُقدت في القصر الجمهوري، إحالة جريمة الاعتداء على أمن الدولة الناجمة عن التفجير إلى المجلس العدلي، قبل أن يتّخذ في 23 آذار من العام نفسه قرارًا بحلّ الحزب.
ويطرح هذا التشابه في سياق الحدثين حدود انعكاس القرارات القضائيّة على مستقبل الأحزاب والقوى السياسيّة. لكنّ استحضار هذه السابقة لا يعني أنّ المسار الحالي يقود بالضرورة إلى نتيجة مماثلة تفضي إلى حلّ حزب الله، وفق مقاربة مراجع قانونيّة. فلكلّ قضيّة ظروفها ووقائعها وأدلّتها، فضلًا عن اختلاف السياقين الدستوري والسياسي. كما أنّ إحالة ملف المتفجّرات إلى المجلس العدلي، إن أُقرّت، لا تشكّل بحدّ ذاتها أساسًا قانونيًّا لحلّ حزب سياسي، إذ تبقى لكلّ إجراء شروطه وأصوله القانونيّة الخاصّة.
ما وراء الشحنة: ملفّات أمنيّة وضغوط دوليّة
لا يمكن فصل قضيّة المتفجّرات عن سياق أمني أوسع، شهد أخيرًا إثارة ملفّات أخرى، من بينها مداهمة مصنع للأدوية في كاليري سمعان وما أُثير بشأن حفرة الفنار. وعلى اختلاف طبيعة هذه الوقائع، فقد أعادت طرح تساؤلات حول أنشطة قد ترتبط ببُنى أمنيّة أو لوجستيّة أو ماليّة تابعة لحزب الله، فيما يبقى التحقّق من طبيعتها والروابط المحتملة بينها رهن نتائج التحقيقات.
وتكتسب القضيّة بُعدًا إضافيًّا مع دخولها في صلب الاتّصالات الأميركيّة مع المسؤولين اللبنانيّين. فقد نقلت وكالة «رويترز» أنّ وزير الخارجيّة الأميركي ماركو روبيو دعا لبنان إلى عدم إعادة الشحنة المصادرة إلى حزب الله، وشدّد على محاسبة المسؤولين عن نقلها. ويضع هذا الموقف القضيّة في سياق أوسع ربطًا بمستقبل الدور العسكري لحزب الله والترتيبات الأمنيّة على الحدود.
بالمحصّلة، تتجاوز تداعيات قضيّة المتفجّرات حدود الملاحقة القضائيّة، لتلامس طبيعة المرحلة المقبلة في العلاقة بين الدولة اللبنانيّة وحزب الله، في ظلّ تصاعد الضغوط الخارجيّة لترجمة قرارات السيادة إلى خطوات عمليّة، بالتزامن مع التهديدات الإسرائيليّة بتصعيد عسكري في لبنان. في المقابل، تبرز المحاذير الداخليّة من ردّ الحزب على هذا المسار، ولا سيّما عبر اللجوء إلى الشارع، بعدما وجّه من خلال تحرّكاته الأخيرة رسائل سياسيّة في هذا الاتّجاه. وبذلك، لا يقتصر التحدّي على كشف ملابسات الشحنة وتحديد المسؤوليّات، بل يمتدّ إلى القدرة على احتواء تداعياتها السياسيّة والشعبيّة.