طبول الحرب الدائمة وعنف الشرق الأوسط بهوياته القاتلة..ولبنان أول ضحاياه
بقلم رئيس التحرير
يتصاعد الضغط العسكريّ الإيرانيّ على السعوديّة عبر حرب الحوثيّين في اليمن، ومعها تتعدد الوساطات مجدّداً بعد الدخول الروسي على خطها، بوصول قائد الجيش الباكستانيّ عاصم منير إلى طهران، بعد زيارة وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف، الذ أعلن عن سعي بلاده لمنع تجدّد حرب واسعة النطاق، إذاً، أسبوعان ثقيلان يفصلان عن موعد إنتخابات التجديد النصفيّ للكونغرس الأميركيّ في الثالث من تشرين الثاني، وقبلها الإنتخابات الإسرائيليّة الأسبوع المقبل في 27 من الشهر الحاليّ، ترى فيهما على ما يبدو إيران أن ما تبقَّى من وقت قصير وغير متاح، لتمارس ما تستطيعه من ضغط، أملاً في صفقة مع واشنطن، فيما إتّخذت الرياض قرار المواجهة في اليمن، وإعادة بناء منظومة الأمن الإقليميّ من دون إنتظار مآلات التفاوض.

كما يشكل إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تأييده المطلق لبنيامين نتنياهو في الإنتخابات الإسرائيلية، بمثابة جرعة إنقاذ سياسية لرئيس حكومة كان يخوض معركته الإنتخابية منفرداً، لكن الخطورة هو أنَّ نتنياهو لم يكتفِ بإستثمار الدعم داخل صناديق الإقتراع، بل سارع إلى إعادة طرح إسقاط النظام الإيراني في إتصالاته مع ترامب، وكأنه يرسم مجدداً الهدف السياسي لجولة الحرب العسكرية المقبلة، إذا إندلعت بعد الإنتخابات الإسرائيلية والأميركية، حيث المؤشرات الميدانية في المنطقة لا تبدو ولا توحي بإستبعاد هذا الإحتمال، بعد أن دفعت واشنطن بحاملة طائرات ثالثة ومزيدٍ من القوات نحو الشرق الأوسط، وأصدرت تنبيهات أمنية أميركية لرعاياها في إسرائيل والعراق وسائر المنطقة، تحذّر فيها من إغلاق الأجواء وإضطراب الرحلات، وتدعو إلى إعداد خطط للمغادرة.
هي تطورات تزامنت مع زيارة مفاجئة لوزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إلى قاعدة “عوفدا” الجوية في إسرائيل، حيث بحث مع نتنياهو تنسيق الخطط الهجومية والدفاعية في مواجهة التهديدات الإيرانية، مع رفع الطيران الإسرائيلي مستوى جهوزيته، وسط حديث عن تدريبات ومحاكاة لضرب أهداف بعيدة داخل إيران، قابله تصعيد طهران عبر رسائلها العسكرية، سواء عبر مناورات الحرس الثوري وخطاب قادته المتشددين، أو بواسطة الحوثيين الذين وسّعوا وأكثروا من هجماتهم على السعودية، وهددوا أمن الملاحة والطاقة العالمي، ليتراكم الإستنفار في المشهد الإقليمي، من حشد بحري أميركي، وإستعداد جوي إسرائيلي، مع ضغط حوثي وإيراني، وخطاب تصعيدي متبادل، يضيّق مساحة الحلول الدبلوماسية، وربَّما هذه الوقائع لا تعني أن ساعة الحرب قد حُدّدت، لكنها تُشير إلى إعداد مسرح العمليات لها، أو لرفع كلفة التفاوض، ولإنتظار ما ستفرزه صناديق الإقتراع قبل الإنتقال إلى خطوات التنفيذ، فترامب بدعمه نتنياهو، يكون قد منحَه زخماً إنتخابياً، وأعاد تثبيت شراكة قد تنقل المنطقة من حرب الإستنزاف، إلى محاولة تغيير قواعدها بالقوة.
في الحلول التفاوضية، يأتي إدخال القناة الروسيّة بعد الإتّصال الهاتفيّ الطويل، بين الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ونظيره الروسيّ فلاديمير بوتين، والذي أنتج صفقة إعادة الديزل الروسيّ إلى الأسواق العالميّة، وأنتج جزءاً من تفاهم ما حول ملفّ إيران، وكان قبل ذلك، إلتقى الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان نظيره الروسيّ على هامش قمّة رابطة الدول المستقلّة في تركمانستان، حاملاً رسالة من المرشد مجتبى خامنئيّ، تتضمّن عرضاً مفصّلاً لصفقة مع واشنطن، إذن، هو تفاوض يجري عبر قنوات متعدّدة، لكنّ طهران باتت مقتنعة، بأنّ الفترة الزمنيّة المتاحة للتوصّل إلى نتائج ضاقت كثيراً، حيث أن ترامب بعد الإنتخابات لن يكون مقيّداً بإرتفاع أسعار الوقود والحملات الإنتخابيّة المقْلقة، وسيكون أمامه الإختيار، بين أن يترك إيران تختنق تحت وطأة عقوبات مُحْكمة، وبين أن يوجّه لها ضربة عسكريّة يجري التجهيز لها على أيّ حال، ولذلك تُصعِّد إيران هجماتها على السعوديّة عبر الحوثيّين، وعلى الناقلات في مضيق هرمز، لتُعيد أزمة الطاقة العالميّة إلى الواجهة في أسبوعَي الانتخابات الأميركيّة.

هنا، تقف المنطقة برمّتها على صفيح ساخن، فيما تترقّب دولها مسار المواجهة الأميركية الإيرانية، التي ربَّما تتجاوز تداعياتها لتطال أمن الخليج العربي وإستقرار الشرق الأوسط بأسره، ولذلك يرفع نتنياهو عشية الإستحقاقات الإنتخابية، سقف تهديداته تجاه إيران، ملوّحاً بتوجيه ضربة قاسية إلى حزب الله في لبنان، إذا ما قرّر الدخول مجدداً في أي مواجهة عسكرية إلى جانب طهران، فلبنان، الذي لم يتعافَ بعد من أزماته المتراكمة، يجد نفسه مرة أخرى أمام إحتمالات صعبة ومفتوحة على التصعيد، في وقت شهدت فيه الساحة السياسية نشاطاً ديبلوماسياً مكثّفاً، عكست حرص الدول على دعم الدولة اللُّبنانية وتعزيز سلطتها، بما يضمن حصرية قرار السلم والحرب بيد المؤسسات الشرعية، وهو ما أضاف أهمية كبرى في ضوء التطورات الأمنية الأخيرة، من توقيف شحنة متفجرات في ضهر البيدر، إلى الإستعراضات التي شهدتها شوارع بيروت، بما أعاد إلى الواجهة الأسئلة المتعلقة بسلطة الدولة، وحدود نفوذ القوى المسلحة، ومخاطر تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وفي موازاة ذلك، تتحدَّث أوساط ديبلوماسية، عن تحذيرات من مغبّة إنخراط حزب الله في جولة مواجهة جديدة دعماً لإيران، في ظلِّ تهديدات إسرائيلية توْحِي بأن أي حرب مقبلة، قد تكون أكثر إتساعاً وأشد تدميراً من سابقاتها، فنتنياهو قد يجد في أي تدخل للحزب، ذريعة لتوسيع نطاق عملياته العسكرية، وربما من دون الإلتزام بالقيود الجغرافية التي حكمت بعض المواجهات السابقة، وفي مثل ذلك، قد تدفع الضاحية الجنوبية ومناطق لبنانية أخرى ثمناً باهظاً، فيما يتحمّل المدنيون العبء الأكبر من حرب لا يملكون قرار إشعالها أو إيقافها، خصوصاً أن لبنان لا يزال غارقاً في إنقساماته الطائفية والسياسية، وفي تضارب الأولويات والرؤى بشأن هويته الوطنية وموقعه في محيطه، وكأن اللبنانيين ينتمون إلى بلدان مختلفة، وليس إلى وطن واحد يجمعهم تاريخ مشترك ولغة وثقافة وذاكرة جماعية، على الرغم من تنوّعهم الديني والإجتماعي.
إن هذه الإشكالية على لبنان وفيه، وما تشهده بعض المجتمعات الأوروبية، ومنها فرنسا وإيطاليا، من توترات إجتماعية وأعمال شغب، قد يطرح أسئلة جدية حول سياسات الإندماج، وتكافؤ الفرص، وقدرة المؤسسات على إحتضان المهاجرين، فالاندماج ليس مسؤولية الدولة المضيفة وحدها، بل هو مسار متبادل يتطلّب إحترام القانون، والإعتراف بالتنوّع، وتكافؤ الحقوق والواجبات، والإستعداد للانخراط في المجتمع من دون إلغاء الخصوصيات الثقافية أو تحويلها إلى جدران تفصل بين أبنائه، فاللحظة الراهنة لا تحتمل ترف الإنقسامات، ولا أوهام الإنتصارات التي تُبنى على أنقاض الوطن.، فالحروب قد تُغيّر موازين القوى، لكنها لا تصنع بالضرورة سلاماً دائماً، كما أن العنف، مهما بدا للبعض وسيلةً لتحقيق المكاسب، قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها.