خطوة كردية جريئة نحو السلام: من سنجار إلى انسحاب تركيا من بعشيقة

محمود فقيه/صحافي لبناني
من دعوة أوجلان إلى التزام الوحد
انطلقت الخطوة من دعوة زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل عبدالله أوجلان وحدات مقاومة سنجار إلى الانضمام إلى الجيش العراقي، بشرط بقائها داخل سنجار. وقال أوجلان إن «الدفاع المشروع ضرورة» لحماية الإيزيديين، وإنهم لا يطالبون بإقليم ذاتي الحكم، بل بـ«ديمقراطية محلية». وجاء التزام الكرد بكلمة زعيمهم الأول سريعاً: فقد ذكرت صحيفة «حرييت» التركية أن 2200 مقاتل سيضعون سلاحهم تمهيداً لدمجهم في الجيش العراقي، فيما قال مصدر في الوحدات لموقع الجزيرة نت إن الاتفاق أولي، ويقضي بدمج نحو 4000 عنصر في الجيش والشرطة والحشد الشعبي. وتختلف الروايتان في الرقم، لكنهما تتفقان في الاتجاه: سلاح يُسلَّم، ومقاتلون ينتقلون إلى مؤسسات الدولة.
الرواية التركية وما تغفله
يصف مصدر أمني تركي سنجار بأنها «قنديل ثانية»، وممراً لوجستياً بين جبال قنديل ومخيم مخمور وشمال شرق سوريا. ولا يوجد إعلان تركي رسمي بالنصر حتى الآن، لكن من المتوقع أن تسعى أنقرة إلى تسويق خروج الوحدات من هذا الممر على أنه ضربة لشبكة الحزب خارج تركيا. غير أن هذه القراءة تصرف الأنظار عمّا أعلنه الحزب دائماً: أنه ينتهج طريق السلام بغية الوصول إلى ديمقراطية الشعوب، واستحصال الحقوق، وإطلاق سراح المعتقلين، وفي مقدمتهم الزعيم عبدالله أوجلان وأن لا نية للحزب لاستكمال الكفاح المسلح أو الانقلاب على ما تم الاتفاق عليه.

في ميزان التنازلات
إذا قسنا الأمر بميزان التنازلات، ظهر أن أنقرة هي التي بدأت بتسليم ما تملك: فقد أعلنت وزارة الدفاع التركية تسليم قاعدة بعشيقة تدريجياً إلى العراق، ونقلت رويترز عن قائد عسكري عراقي أن الانسحاب سيكتمل بحلول نهاية العام. وبعشيقة هي أولى القواعد التركية في إقليم كردستان، التي يُقدَّر عددها بنحو 21 قاعدة. ويرى قيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني أن الانسحاب منها بداية لانسحاب القوات التركية من باقي القواعد، غير أن ذلك مشروط بإتمام عملية السلام مع حزب العمال. ويقتضي الإنصاف القول إن بعشيقة وحدها هي قيد التسليم اليوم، وإن مصير القواعد الأخرى لم يُحسم بعد. لكن هذا الشرط يفقد مبرره تدريجياً، فقد أعلن حزب العمال في 8 تشرين الأول الجاري سحب جميع مقاتليه من تركيا، وهو ما يضع أنقرة أمام استحقاقات قانونية وسياسية لا ذرائع للمماطلة بعدها.
غياب أربيل
واللافت غياب حكومة الإقليم عن الاتفاق وإخضاع سنجار لسلطة الحكومة الاتحادية. فقد وقّعت بغداد وأربيل في 9 تشرين الأول 2020 اتفاقاً لتطبيع الأوضاع في سنجار إدارياً وأمنياً وخدمياً، ونص على إدارة مشتركة، لكنه لم يُنفَّذ بسبب الصراعات بين الأطراف الموجودة في القضاء. أما اليوم فيجري التنفيذ عبر مسار بغداد–أنقرة لا عبر إطار 2020، وقد يضعف ذلك دور أربيل في ترتيبات سنجار المقبلة.
ويُدمج مقاتلو اليبشة في الجيش العراقي لا في البيشمركة، وهذا يتسق مع موقف الإيزيديين الذين رفضوا في 2020 تسليم سنجار إلى البيشمركة، بحسب أمير الطائفة نايف بن داوود. ويعبّر كثير من أهالي سنجار أيضاً عن تحفظهم على أداء البيشمركة التابعة للإقليم إبان هجوم داعش عام 2014 والمجازر التي ارتُكبت في المدينة. وقد أعرب مسعود بارزاني عن أسفه لأن المدينة ما زالت تحت سيطرة مجموعات مسلحة تمنع الأهالي من العودة، وهو تصريح يكشف، في قراءتنا، عن توتر العلاقة بين حزب العمال الكردستاني وسلطة الإقليم.

حجج الرأي الآخر
لا تخلو هذه القراءة من اعتراضات جدية. فترى تركيا أن نزع السلاح في سنجار يبقى ناقصاً إن بقيت الشبكات السياسية واللوجستية للحزب. ويرى منتقدون أن الاتفاق أولي، وأن الأرقام (2200 أو 4000) غير مؤكدة، ومصدرها صحيفة تركية ومصدر في الوحدات. ويرى آخرون أن تهميش أربيل قد يعمّق الخلاف بين بغداد وأربيل بدل أن يحل ملف سنجار. وهذه اعتراضات وجيهة بوصفها أسئلة عن التنفيذ، لكنها لا تمس اتجاه الخطوة، وهو اتجاه واضح.
خلاصة
ما جرى، مهما حاول البعض تشويهه، خطوة في مسار السلام، وهي خطوة كردية جريئة تستحق التقدير: فقد اختار مقاتلو سنجار وضع السلاح والانخراط في مؤسسات الدولة تلبيةً لدعوة زعيمهم، فيما يعلن حزبهم سحب مقاتليه من تركيا. وانخراط أهالي المدينة في الحكومة الاتحادية يجسّد خطابهم الداعي إلى بناء دولة ديمقراطية على مبدأ المواطنة لا العزل والتفرقة، ويؤدي إلى دمج المجتمع لأبنائه. وهو نموذج يمكن لأربيل أن تسعى إلى الاستفادة منه لما فيه من مصلحة الشعب الكردي، إذا كان الهدف نشر الفكر الكردي في كل مكان يتواجد فيه الكرد لا حصره. وهذا ما يتسق مع المشروع الذي يطرحه حزب العمال، القائم بالممارسة على المواطنة وتداول السلطة وتكريس دور المرأة، بدلاً من القبلية والذكورية وزعامة الأسرة والفرد كما هو سائد في انظمة الحكم المحيطة والبعيدة.