Thursday, 05 November 2026
اشترك

التحول بين واشنطن وتل أبيب..وإنقلاب اليسار على اليمين

بقلم الدكتور رائد المصري/رئيس التحرير

شكلت الإنتخابات النصفية الأميركية إنقلاباً سياسياً واسعاً في موازين القوى وبدّلت حسابات التداول الدوري في الأكثرية داخل الكونغرس، بعد أن إنتزع الحزب الديموقراطي السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ، وتسجيل مرشحين شباب من اليسار ويسار الوسط، ومن أصول عربية وإفريقية، إنتصارات تاريخية، في رسالة واضحة ترفض سياسات الرئيس دونالد ترامب في الداخل والخارج، وإنذاراً بأن المزاج الأميركي الذي أوصله إلى البيت الأبيض قبل عامين بقد إنقلب عليه، فبرزت في هذا التحول العلاقة مع إسرائيل كأكثر القضايا حساسية، فلم يكن إعلان ترامب، عشية الإنتخابات، وقف نحو أربعة مليارات دولار من المساعدات العسكرية السنوية للدولة العبرية مع نهاية العام مجرد قرار مالي مفاجئ، بل إعترافاً سياسياً ولو جاء متأخراً، بأن إسرائيل تحوّلت إلى عبء ثقيل على أشد حلفائها في واشنطن.

صار الرئيس ترامب يعرف أن الناخب الأميركي لم يَعُد يقبل إقتطاع المليارات من أموال دافعي الضرائب لتمويل حروب بنيامين نتنياهو، فيما يواجه الداخل الغلاء وتراجع الخدمات وإتساع الفوارق الإجتماعية، فالتحول الأعمق لم يبدأ في البيت الأبيض، بل في الشارع والجامعات وصناديق الاقتراع، ومنها صور الدمار في غزة، وسياسات القتل والإستيطان والتهجير في الضفة الغربية، والإعتداءات المتواصلة على لبنان، كل ذلك أسقط الرواية التي قدّمت السلاح الأميركي بإعتباره وسيلة للدفاع عن إسرائيل، بل صار المواطن والناخب الأميركي يرى أنه يُستخدم في قتل المدنيين، وفي إرتكاب إنتهاكات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، بما يجعل واشنطن شريكاً سياسياً وأخلاقياً في نتائجها.

إن فوز مرشحين ديموقراطيين من أصول عربية وإفريقية، وصعود جيل شاب من التقدميين، ما هو إلاَّ تعبير عن حجم الإعتراض على هيمنة جماعات الضغط، وتقديم مصالح حكومة أجنبية على حاجات المواطن الأميركي، أما خسارة الجمهوريين الأكثرية في المجلسين، فلم تسلب ترامب صلاحياته التنفيذية، لكنها جعلته أقرب سياسياً إلى ما يسمَّى بالبطة العرجاء، تواجه مجلسامعارضاً قادراً على تعطيل مشاريعه ومحاسبة إدارته.

فهذه الخسارة للجمهوريين تُدخل الولايات المتحدة في مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ بين المؤسسات الدستورية، لتصل إلى تبدّلٍ جوهري في آليات ممارسة الحكم، فدونالد ترامب سيبقى رئيساً بكامل صلاحياته الدستورية، لكنه سيواجه سلطةً تشريعية لها القدرة على تعطيل مشاريعه، وإخضاع إدارته للرقابة، وإعادة صياغة أولويات الإنفاق والسياسات العامة، فهو إنتقال من رئاسة تستند إلى أغلبية تشريعية مساندة للرئيس، إلى رئاسة تضطر إنتزاع التوافقات من خصومها، حيث لا تعود الإرادة الرئاسية وحدها كافية لتحويل القرارات إلى قوانين نافذة، لكن الأهم أنّ هذه المعادلة تعطي الديمقراطيين أدوات مؤسسية للتأثير في النصف الثاني من ولاية ترامب، من دون أن تمنحهم تلقائياً القدرة على فرض برنامجهم التشريعي في مواجهة حق النقض الرئاسي، عبر اللجان البرلمانية وأدوات الرقابة، بما يتيح فتح تحقيقات موسّعة بشأن القرارات العسكرية والإنفاق الدفاعي والعقود الحكومية والسياسات الاقتصادية وأداء كبار المسؤولين.

 وفي مجلس النواب، تستطيع الأغلبية الجديدة إطلاق إجراءات الإتهام الرئاسي إذا توافرت أسبابها القانونية والسياسية، فيما يتولّى مجلس الشيوخ محاكمة الرئيس، من دون إمكان عزله إلاَّ بتأييد ثلثَي الأعضاء الحاضرين، كذلك يمتلك مجلس الشيوخ سلطة تعطيل أو رفض التعيينات الرئاسية التي تستلزم موافقته، من الوزراء والسفراء إلى القضاة الاتحاديين، ما يضع تشكيل الإدارة وملء المواقع الحسّاسة أمام حسابات تفاوضية جديدة، إلاَّ أن التحوّل الأكثر تأثيراً يكمن في سلطة المال، فالكونغرس يستطيع عبر قوانين الإعتمادات والتمويل تقييد برامج الإدارة أو فرض شروط رقابية عليها، وفي المقابل، يحتفظ ترامب بحق نقض القوانين، ولا تستطيع المعارضة تجاوزه إلاَّ بأغلبية الثلثين في المجلسين، ما يفتح الباب أمام مساومات طويلة واحتمالات تعثّر التمويل والإغلاق الحكومي

إنَّ هذه الإنتخابات لا تعني نهاية التحالف الأميركي ــ الإسرائيلي، لكنها تؤكد أن زمن الدعم المفتوح بلا مساءلة بدأ يتصدّع بعد أن إنكشف حجمه في التوحش، والسياسات المدمرة لنتنياهو لم تكتفِ بتدمير غزة والضفة ولبنان، بل ورّطت واشنطن في حرب ورهان غير مدروسين في إيران، وبدّدت جانباً كبيراً من الرصيد الذي راكمته إسرائيل داخل المجتمع الأميركي لعقود، لتبدو أنها إرهاصات التغيير الكبير في أميركا، والذي قد يسبق التغيير المنتظر في إسرائيل نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *