Saturday, 05 September 2026
اشترك

من السلاح إلى الدولة: شجاعة التحول وواقعية الميدان لدى الكرد

محمود فقيه/صحافي لبناني

تفاجأ الكثيرون بالخطوة الاستراتيجية التي أقدمت عليها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) للاندماج في مؤسسات الدولة السورية، لكن قراءة هادئة لمسار التجربة الكردية ومفهومهم للسياسة والميدان تجعل من هذه الخطوة تحولاً منطقياً وعقلانياً. فبعد سنوات من إدارة ذاتية امتدت نفوذها وصولاً إلى الرقة، استطاعت “قسد” وشركاؤها أن يقدموا نموذجاً مدنياً معتدلاً في الحكم القائم على المساواة بين جميع المكونات وتعزيز دور المرأة وتمكين المؤسسات.

على مدى سنوات النزاع السوري، حَيّد الكرد وشركاؤهم مناطقهم قدر الإمكان عن أتون الحرب المدمرة، وشكّل هذا الاستقرار النسبي فرصة تاريخية للنمو، والبناء، وفرض قوانين عصرية متجردة من العصبية والمحاصصة. ولكن مع التحولات الكبرى وسقوط نظام البعث في دمشق، اتجهت الأنظار نحو شمال شرق سوريا—سواء أسميناها الجزيرة أم “روج آفا”—حيث لا يلغي السجال حول التسمية واقع الهوية واستقرار الإدارة.

جرت المفاوضات بين مشهد عام تحاول فيه البلاد تنظيم نفسها من وسط الفوضى، وبين منطقة أتمّت تنظيم إداراتها المدنية والعسكرية بالفعل. ومع تسارع التغييرات الميدانية وتراجع الدعم الخارجي المباشر للتجربة المدنية، وجدت “قسد” نفسها أمام خيارين: إما التمسك الصارم بالسلاح والدخول في مواجهة استنزاف، أو خيار الاندماج العقلاني الذي يقتضيه الواقع.

اختارت “قسد” الحفاظ على أبناء شعبها والمكتسبات التي أُنجزت، انطلاقاً من فلسفة كردية عميقة مفادها أن السلاح ليس غاية في حد ذاته ولا هو الحامل الوحيد للقضية، بل هو مجرد وسيلة لحمايتها وتحقيق الاستقرار. بهذه النظرة المجردة عن الأوهام، لم يكن غريباً أن تلتقي هذه الخطوة مع المشهدية التاريخية التي أقيمت في تموز (يوليو) 2025 داخل “كهف جاسنة” بمنطقة سورداش في السليمانية، عندما اختار حزب العمال الكردستاني إلقاء السلاح وتدشين مرحلة جديدة من النضال المدني والديمقراطي.

في أدبيات الصراع وتغير أنظمة الحرب، قد تتمسك بعض القوى بالقتال حتى الرمق الأخير فتخسر الميدان وتُعرّض بيئتها الحاضنة لخطر التدمير والإبادة على يد الأطراف الأكثر بطشاً. غير أن “قسد” برهنت عن ذهنية رجل الدولة الذي يبني ليحمي، لا ليُدمّر؛ وهي ذهنية تفتقر إليها العديد من الميليشيات وحركات المقاومة في المنطقة، كحزب الله اللبناني وحركة حماس، اللذين أخفقا في قراءة تحولات الميدان وسقطا في فخ الزهو بقوة عسكرية محدودة لا تستطيع الصمود أمام التفوق التكنولوجي والعسكري الإسرائيلي. وكان من الأجدى لهذه الحركات—ولم يفت الأوان بعد—أن تحذو حذو الكرد في تفضيل خيار “الدولة الديمقراطية” والمشاركة في بناء العدالة والمساواة بدلاً من التمترس خلف أسوار “دويلات” خشبية سقوطها محتوم.

أكثر من ذلك، تقدم التجربة الكردية اليوم درساً أعمق لمكونات إقليمية أخرى، كدروز الجنوب في سوريا وتيار الشيخ حكمت الهجري؛ إذ أثبتت التجربة أن الرهان على الخارج—خصوصاً في مناطق تفتقر إلى الثروات الاستراتيجية المناسبة أو المنافذ البرية الآمنة—تجعل المقومات الحياتية معقدة وغير مستدامة. إن التعلم من نموذج “قسد” واجب، لأن “المصافحة” والاندماج جرا في ذروة القوة النسبية وفي لحظة امتلاك أوراق التفاوض، مما يعني أن هذه الخطوة ليست خسارة أو استسلاماً، بل هي ربح صافٍ لجميع الأطراف.

إن الدمج في مؤسسات الدولة الكبرى لا يعني الهزيمة بأي حال، بل هو إعادة تموضّع عقلانية في ميزان القوى طالما أنه يضمن الاعتراف بوجود المكونات، وشمول الجميع بمشاريع التنمية، واعتبار مكتسبات الدولة المركزية مكتسبات عامة للجميع شرط احترام التمثيل والشراكة الحقيقية. لقد أثبت الكرد أن شجاعة التخلي عن السلاح لصالح الدولة هي تماماً كشجاعة حمله في وجه الإرهاب؛ فالقضية لا تموت بوضع السلاح جانباً، بل تحيا بالحفاظ على الإنسان والمؤسسات والمستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *