Friday, 28 August 2026
اشترك

قسد حين يكون إنقاذ القضية أهم من إنقاذ التنظيم

الأستاذ عامر داوود  …….  ردّاً على مسعود محمد

يثير الأستاذ مسعود محمد في مقاله «حلّ قوات سوريا الديمقراطية: ماذا يعني القرار، وماذا حصل عليه الكرد، وإلى أين تتجه القضية الكردية إقليمياً؟» أسئلة مشروعة حول حصيلة الاتفاق، وما خسرته «قسد» من قوة عسكرية وإدارة وموارد ومعابر، وما حصل عليه الكرد في المقابل من اعتراف بالهوية واللغة والجنسية والتمثيل. غير أن المشكلة ليست في طرح هذه الأسئلة، بل في الميزان الذي توضع فيه الإجابات؛ إذ لا يجوز قياس الاتفاق بما كانت تملكه «قسد» في ذروة قوتها قبل سنوات، بل بما كان متاحاً لها فعلياً عشية اتخاذ القرار، وبما كان يمكن أن يحدث لو رفضت التسوية وتابعت القتال.

السياسة لا تختار دائماً بين انتصار وهزيمة، ولا بين اتفاق كامل واستمرار آمن للوضع القائم. كثيراً ما يكون الاختيار بين تسوية ناقصة ومواجهة قد تؤدي إلى خسارة كل شيء . وفي حالة «قسد»، لم يكن البديل الواقعي هو الاحتفاظ بالجيش والإدارة الذاتية والنفط والمعابر إلى أجل غير محدود، بل كان الدخول في حرب غير متكافئة، في ظل انكفاء الدعم الدولي، والرفض التركي القاطع لبقاء قوة مسلحة مستقلة على الحدود، واستعادة دمشق قدرتها على فرض سلطتها، وغياب أي استعداد إقليمي أو دولي لحماية كيان كردي مسلح إذا اندلعت المواجهة الشاملة.

من السهل، بعد انتهاء المعركة، تعداد التنازلات التي قدمها الطرف الأضعف. لكن السؤال المسؤول ليس: لماذا لم يحتفظ بكل ما كان يملكه؟ بل: هل كان يستطيع الاحتفاظ به، وبأي ثمن، ولأي مدة؟ وهل كان استمرار القتال سيؤدي إلى اتفاق أفضل، أم إلى سقوط المدن الكردية، ومقتل آلاف المقاتلين والمدنيين، وفتح الطريق أمام موجات جديدة من النزوح والتغيير الديموغرافي، وربما القضاء على أي إمكانية لقيام سياسي كردي في المستقبل؟

يقول المثل الشعبي: «مَن يقطع من جلد سواه يوسّع». والحرب من وراء النظارات تبدو أكثر سهولة مما تبدو عليه لمن يعرف أن كل قرار بالقتال يعني أبناءً لن يعودوا، وعائلات ستُهجّر، ومدناً قد تُدمّر. ليست مهمة القيادة أن تثبت وفاءها للشهداء بصناعة شهداء جدد، بل أن تحمي أيضاً المجتمع الذي استشهد أولئك من أجل بقائه. ولذلك لا يكون تجنب معركة معروفة النتائج خيانة للتضحيات، بل قد يكون أعلى درجات المسؤولية عنها.

لقد عرف الكرد، أكثر من كثير من شعوب المنطقة، معنى أن يجد شعب صغير نفسه بين جيوش دول إقليمية وقوى دولية تستخدم قضيته ثم تتخلى عنه عندما تتغير المصالح. ولم تكن مخاطر المحو والتهجير والإلغاء بالنسبة إليهم افتراضاً نظرياً؛ إنها جزء من ذاكرة حية امتدت من قمع الانتفاضات إلى الأنفال وحلبجة وشنكال وعفرين وكوباني. وحين يدخل شعب محدود الإمكانات في مواجهة مفتوحة مع دول وقوى متوسطة وكبرى، لا تكون الشجاعة وحدها كافية لحمايته . قد يتحول الإصرار على متابعة القتال، إذا انعدم الأفق، من بطولة إلى استنزاف للوجود الذي يفترض بالنضال أن يحميه.

لكن ثمة جانباً آخر أغفله المقال، وهو أن قرار مظلوم عبدي لا يمكن فهمه فقط باعتباره رضوخاً لموازين القوى، بل يجب وضعه أيضاً في سياق التحول الفكري الذي عرفته الحركة المرتبطة بمدرسة عبد الله أوجلان. فهذه المدرسة تجاوزت منذ سنوات التصور القومي التقليدي الذي يجعل إقامة الدولة القومية المستقلة الغاية العليا للنضال، وانتقلت إلى مفهوم «الأمة الديمقراطية» و«المجتمع الديمقراطي»، حيث تصبح القضية الأساسية بناء مجتمع تعددي يضمن حرية الهويات ومشاركة المكونات وحقوق المرأة والإدارة المحلية، من دون أن يكون إنشاء دولة قومية كردية منفصلة شرطاً وحيداً للتحرر.

وفي «نداء السلام والمجتمع الديمقراطي» دعا أوجلان إلى الانتقال من السلاح إلى المجال القانوني والسياسي، وإلى جعل الديمقراطية والعيش المشترك أساساً لحل القضية. كما دعا لاحقاً إلى انخراط «قسد» في مؤسسات الدولة السورية. ومن الصعب فصل الخيار الذي اتخذه مظلوم عبدي عن هذا المسار؛ فهو ليس قائداً عسكرياً بلا مرجعية فكرية، بل ينتمي إلى تجربة سياسية وضعت المجتمع الديمقراطي قبل الدولة القومية، ورأت في التنظيم العسكري وسيلة لحماية المجتمع، لا غاية تاريخية يجب الحفاظ عليها حتى لو أصبحت سبباً لتدميره.

من هذه الزاوية، لا يشكل حلّ «قسد» بالضرورة هزيمة لأيديولوجيتها. العكس قد يكون أقرب إلى الصواب: لقد أثبتت قدرتها على التخلي عن شكلها العسكري حين لم يعد هذا الشكل يخدم بقاء المجتمع أو إمكان تطوير مشروعها السياسي. فالتنظيم الذي يعجز عن التحول يصبح أسير بنيته، أما التنظيم الذي ينقل ما راكمه من وعي وخبرة ومؤسسات وعلاقات إلى المجال السياسي، فقد يكون قد حافظ على جوهر تجربته وهو يتخلى عن أداتها العسكرية.

لقد حمت انعطافة مظلوم عبدي «قسد» على مستويين. حمتها وجودياً من مواجهة كان يمكن أن تنتهي بتفكيكها بالقوة، وسقوط مناطقها، وملاحقة كوادرها، وإلغاء كل ما بنته الإدارة الذاتية. وحمتها فكرياً من التحول إلى قوة عسكرية تقاتل من أجل بقائها التنظيمي بعد أن أصبحت الحرب تهدد المجتمع الذي نشأت لحمايته. وبالاندماج، انتقل جزء من مقاتليها إلى تشكيلات داخل الجيش، وحافظت بعض المناطق على قوى أمن محلية من أبنائها، وانتقلت القضية الكردية من سؤال وجود قوة عسكرية مستقلة إلى سؤال الحقوق والدستور والمشاركة في بناء الدولة.

لا يعني ذلك أن الاتفاق كامل، أو أن الحقوق الكردية أصبحت مضمونة بصورة نهائية. والسؤال عن الضمانات الدستورية مشروع وضروري، لأن المراسيم يمكن تعديلها، والوعود السياسية قد تتغير بتغير موازين القوى. ومن حق الكرد أن يطالبوا بتثبيت لغتهم وهويتهم وحقوقهم السياسية والإدارية، وعودة المهجرين، والمشاركة العادلة في السلطة والثروة، ضمن دستور لا يستطيع رئيس أو حكومة إلغاءه بإرادة منفردة. لكن المطالبة بهذه الضمانات شيء، والقول ضمناً إن القيادة كان عليها الاستمرار في حرب بلا أفق شيء آخر.

كذلك لا يصح وضع خمسة عشر ألف شهيد في معادلة تقول: ماذا حصل الكرد في مقابلهم؟ لا يوجد اتفاق يعادل حياة شهيد واحد، ولا يمكن تحويل الدم إلى سعر سياسي. هؤلاء لم يستشهدوا من أجل بقاء اسم «قسد» إلى الأبد، ولا من أجل الاحتفاظ بحقل نفط أو معبر حدودي، بل دفاعاً عن أهلهم وعن كوباني وشنكال وسائر مكونات المنطقة في مواجهة «داعش». ويكون الوفاء لهم بحماية ما دافعوا عنه، وتثبيت حقوق المجتمع الذي خرجت منه تلك القوة، لا بتحويل التنظيم العسكري إلى نصب تذكاري يضحّى بالأحياء من أجل إبقائه.

المشكلة في بعض القراءات القومية المتطرفة أنها لا ترى من القضية إلا مقدار الأرض والسلاح والسيادة المنفصلة. فإذا انتقلت الحركة من البندقية إلى السياسة، عُدّ ذلك تراجعاً؛ وإذا قبلت الشراكة داخل الدولة، وُصف الأمر بأنه تنازل؛ وإذا رفضت معركة انتحارية، بدأ التشكيك في قيادتها. غير أن القضية الكردية أوسع من تنظيم وأبقى من جيش. وهي لا تخسر بالضرورة عندما تتغير أداتها، بل تخسر حين يُباد مجتمعها أو تُمحى هويته أو يُغلق أمامه المستقبل.

لقد اختار مظلوم عبدي ألا يجعل المجتمع الكردي وقوداً لمعركة لا تتوافر لها شروط الانتصار. ويمكن مناقشة تفاصيل الاتفاق وانتقاد نواقصه، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن البدائل لم تكن متساوية، وأن الامتناع عن الانتحار ليس استسلاماً، وأن إنقاذ القوة البشرية والسياسية المتراكمة قد يكون أهم من الحفاظ على اسم التنظيم واستقلاله الشكلي.

السؤال الصحيح، إذاً، ليس فقط: ماذا خسرت «قسد» مقارنة بما كانت تملكه؟ بل: ماذا أنقذت مقارنة بما كان يمكن أن تخسره؟ لقد فقدت شكلاً من أشكال القوة، لكنها حمت شعباً من حرب جديدة، وأبقت القضية مفتوحة داخل الدولة والمجتمع والدستور. وهنا يكمن الامتحان المقبل: هل يستطيع الكرد تحويل هذا البقاء إلى حقوق ثابتة، وتحويل تجربتهم العسكرية إلى قوة سياسية ديمقراطية سورية، وتحويل تضحياتهم من ذاكرة حرب إلى أساس لشراكة وطنية جديدة؟

حلّ «قسد» لا يمحو تجربتها، كما أن اندماجها في الدولة لا يلغي القضية الكردية. لقد انتهت أداة من أدوات مرحلة تاريخية، لكن المجتمع الذي صنعها، والأفكار التي حملتها، والحقوق التي ناضلت من أجلها، لم تنتهِ. وقد يكون القرار الأصعب والأكثر شجاعة أحياناً هو معرفة اللحظة التي يجب فيها إنزال البندقية، حتى لا يتحول الدفاع عن القضية إلى طريق لمحو أصحابها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *