Friday, 28 August 2026
اشترك

ما تضمره طهران وما ترغب به واشنطن

بقلم رئيس التحرير

تكتسب المحادثات الإيرانية _ العمانية الأخيرة أهمية خاصة، كونها تكشف الإنتقال التدريجي، من البحث في إمكان إعادة الملاحة، إلى محاولة صياغة نظام مرحلي لإدارة الملاحة، دون أن تكون إيران قد وافقت حتى الآن على إعادة فتح المضيق بصورة تامة.

تزايدت مؤخراً الزيارات لدول الجوار إلى إيران، باكستانية وعمانية وقطرية، حيث أعلنت طهران وسلطنة عمان التوصل إلى تفاهم في شأن الملاحة في مضيق هرمز، ليبقى عمال الثقة مشروطاً في الوساطات الإقليمية، ومعه التفاهم مع عمان لفتح المضيق، وتعزيز رؤية إيران وترمب لحركة مضيق هرمز تطابقاً، إذ بدأ المسار الحالي بعقد وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، ونظيره الإيراني عباس عراقجي محادثات في مسقط، حول أمن الملاحة وحرية المرور في مضيق هرمز، وإتفقا على مواصلة المشاورات على المستويين السياسي، والفني للوصول إلى تفاهمات تتوافق مع القانون الدولي، حيث كان التركيز الأساس على مبدأ إعادة تأمين الملاحة في المضيق بعد الحرب، وتجنب تحول الممر المائي إلى ساحة مواجهة مباشرة بين إيران والولايات المتحدة.

بعدها أعلنت إيران أن التوصل إلى إتفاق مع عمان في شأن هرمز أصبح قريباً، وتحدثت تقارير عن إتفاق الطرفين على إحداثيات لمسارات يمكن أن تستخدمها السفن، ورغم ذلك، شددت طهران منذ ذلك الوقت على أن أي إتفاق مع عمان لن يكون كافياً وحده لإعادة فتح المضيق، فالقضية لها إرتباط بإلتزامات أميركية أوسع، وهنا ظهرت للمرة الأولى بوضوح المفارقة التي تحكم المفاوضات لناحية أن إيران تفاوض عمان على آلية الملاحة، لكنها تفاوض الولايات المتحدة على شروط إعادة فتح هرمز، وهذا التفريق بالغ الأهمية لفهم ما يجري.

وبعدها إنتقلت المحادثات إلى مرحلة أكثر عملية مع زيارة وزير الخارجية العماني إلى طهران ولقائه عباس عراقجي، حيث كان اللافت أن البيان الإيراني _ العماني المشترك، لم يتحدث ببساطة عن فتح المضيق، بل تحدث عن إطار مرحلي يمكن أن يشكل أساساً عملياً وقابلاً للتنفيذ، يتضمن إنشاء ممر ملاحي موقت مشترك، إلى جانب مشروع مشترك لإزالة الألغام، وإتفق الطرفان على مواصلة المفاوضات الفنية في شأن ممر دائم، وإدارة مستقبلية للمضيق، وتبادل المعلومات، وإدارة حركة السفن والخدمات الملاحية والأمنية، وهنا أصبحت المفاوضات الآن تبحث في إدارة الملاحة نفسها في مرحلة إنتقالية، وتحديد قواعدها، والإنتقال من ترتيب موقت إلى دائم على أن تمتد التفاهمات من 30 إلى 60 يوماً.

كل ذلك لا يعنى إعادة فتح المضيق، فإيران وافقت على بحث وإنشاء ممر ملاحي موقت، لكنها لم تُعلن فتح المضيق بصورة كاملة، بل أكد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن الترتيب مع عمان لا يعني أن المضيق سيفتح تلقائياً، وأن الإنتقال إلى حل دائم يحتاج إلى مفاوضات إضافية، وهو ما يعد تكراراً للتصريحات السابقة نفسها.

كذلك فإن مصادر إيرانية ودبلوماسية رفيعة، أكدت أن الإتفاق النهائي بين إيران وعمان لم يكن قد اكتمل بعد، وأن الطرفين لا يزالان يتفاوضان حول قضايا إدارة المضيق وتقاسم الإيرادات، فالتعبير الأدق عما يجري يتعلق بمحاولة لإنشاء نظام عبور مضبوط وموقت داخل مضيق، ما زالت إيران تعتبر قرار فتحه الكامل مرتبطاً بالتسوية السياسية الأوسع.

إيران تنظر إلى المضيق منذ بدء الحرب عليها، بإعتباره إحدى أهم أدوات الردع والضغط في مواجهة الولايات المتحدة، ولذلك فإن التخلي عن ورقة هرمز دون الحصول على مقابل سياسي وإقتصادي ممسوك، يعني التخلي عن إحدى أهم أوراق القوة التي لا تزال تمتلكها، ولهذا ربط المسؤولون الإيرانيون إعادة الفتح الكامل، بما تعتبره طهران إلتزامات أميركية لم تنفَّذ، في إطار مذكرة التفاهم السابقة، ولا سيما ما يتعلق بالعقوبات والحصار والإجراءات البحرية، فإيران تقول، أنه يمكننا أن نتفاوض مع عمان على كيفية مرور السفن، لكن قرار فتح هرمز بالكامل ليس قراراً تقنياً، إنه قرار سياسي مرتبط بالعلاقة مع واشنطن.

وهنا، فإن العُقدة الحقيقية ليست في مسقط على رغم أهمية الدور العماني، بل في العلاقة بين طهران وواشنطن، وحتى لو توصلت إيران وعمان إلى إتفاق فني كامل حول مسار السفن، ولذا تنظر الولايات المتحدة إلى إعادة فتح هرمز بإعتبارها هدفاً إستراتيجياً متزايد الأهمية، خصوصاً بعدما أصبح إستمرار إغلاق المضيق عامل ضغط على أسواق الطاقة والإقتصاد العالمي، في المقابل، تواصل واشنطن سياسة الضغط الإقتصادي والعقوبات على طهران، وهذا يخلق معادلة شديدة التعقيد، تتعلق برغبة واشنطن فتح هرمز لتخفيف الضغط الاقتصادي العالمي، لكنها في الوقت نفسه تريد إستخدام الضغط الإقتصادي على إيران لإجبارها على تقديم تنازلات، أما طهران فتريد إستخدام هرمز كورقة ضغط للحصول على تنازلات أميركية قبل أن تتخلى عن هذه الورقة، وهكذا يصبح المضيق جزءاً من لعبة مقايضة أكبر.

في الختام، فإن مضيق هرمز لم يفتح، لكنه دخل مرحلة تفاوض جديدة تعكس من جهة مماطلة إيرانية، لشراء الوقت ومحاولة ضغط على واشنطن لتحقيق مكتسبات أكبر على المستوى السياسي والإقتصادي والعسكري، في وقت يعتبر فيه دونالد ترمب أن أزمة المضيق مرتبطة بالملاحة العالمية فقط، ومن ثم فإن نتائج التفاوض بين إيران وسلطنة عمان، تمثل مرحلة وسطى بين الحرب والتسوية، ولهذا فإن التطور الأهم في المحادثات الإيرانية _العمانية ليس الإعلان عن فتح هرمز، بل إعادة تعريف القضية نفسها، فالصراع بين إيران وواشنطن قد إنتقل إلى مرحلة من سيدير هرمز، وفق أية قواعد، وبأية ضمانات، والمقابل السياسي والاقتصادي الذي ستحصل عليه إيران مقابل إعادة الملاحة بصورة كاملة، وهذا هو جوهر المعركة التفاوضية الدائرة منذ أشهر، فإذا نجحت عمان في تحويل الممر الموقت إلى ترتيب دائم للملاحة، تزامناً مع تفاهم أميركي _ إيراني حول العقوبات والحصار ومذكرة التفاهم، فقد يصبح هرمز مدخلاً إلى التسوية بدلاً من أن يكون سبباً لجولة جديدة من التصعيد، أما إذا بقيت واشنطن تنظر إلى هرمز باعتباره نتيجة يجب أن تقدمها إيران أولاً، وبقيت طهران تنظر إليه بإعتباره ورقة يجب أن لا تتخلى عنها قبل الحصول على مقابل أميركي، فإن الممر الموقت سيبقى مجرد إدارة للأزمة، لا حلاً لها، والفارق بين الاثنين هو الذي سيحدد ما إذا كان مضيق هرمز سيتحول في الأسابيع المقبلة من ساحة صراع إلى جسر تفاوض، أم سيظل أخطر ورقة في الصراع الإيراني – الأميركي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *